تمهيد‎:‎
هذه الورقة قدمت في "ندوة تطور العلوم الفقهية، بعمان"؛ وهي تتناول موضوعا في غاية الأهمية، بما يحمله من مضامين متعددة ومتشابكة، إذ إن ‏له ثلاثة جوانب يستحق كل منها دراسة مستقلة‎:‎
‎أولها‎: ‎جانب التجديد في الفقه الإسلامي، ‏
ثانيها‎: ‎منهج الفقه العماني المعاصر في هذا التجديد، ‏
وثالثها‎: ‎التقنين  الفقهي وأثر الفقه العماني المعاصر في هذا التقنين‎.‎
ومن المنهجي أن نتناول بالبيان قضية التجديد ابتداء، ثم نعرج على واقع الفقه العماني ‏المعاصر، ومظاهر التجديد فيه، وأثر ذلك على التقنين الفقهي‎.‎

تمهيد‎:‎
هذه الورقة قدمت في ندوة تطور العلوم الفقهية في عمان، وهي تتناول موضوعا في غاية الأهمية، بما يحمله من مضامين متعددة ومتشابكة، إذ إن ‏له ثلاثة جوانب يستحق كل منها دراسة مستقلة‎:‎
‎ ‎أولها‎: ‎جانب التجديد في الفقه الإسلامي، ‏
ثانيها‎: ‎منهج الفقه العماني المعاصر في هذا التجديد، ‏
وثالثها‎: ‎التقنين  الفقهي وأثر الفقه العماني المعاصر في هذا التقنين‎.‎
ومن المنهجي أن نتناول بالبيان قضية التجديد ابتداء، ثم نعرج على واقع الفقه العماني ‏المعاصر، ومظاهر التجديد فيه، وأثر ذلك على التقنين الفقهي‎.‎
وسأحاول رصد معالم الموضوع على شساعته بشيء من الاختصار، ممهدا السبيل، وفاتحا ‏الشهية لمن سيشبعه بحثا واستقصاء، باعتباره مجالا بكرًا، لم تطرقه أقلام الدارسين بعد‎. ‎وبهذه ‏الاعتبارات تكون الكتابة في هذا الموضوع تأسيسا، والمسؤولية بالتبع تغدو ثقيلة في آن معًا‎.‎

أولا‎: ‎تجديد الفقه الإسلامي‎.‎
أفاق المسلمون في بداية القرن الثالث عشر الهجري، ‏‎/ ‎التاسع عشر الميلادي، على عالم يمور ‏بالأحداث ويصطخب بالتحولات، ويصطرع الناس فيه على احتلال الصدارة في شتى مواقع الحياة، ‏ونظروا حولهم فرأوا أنهم يقفون بعيدا عن القافلة بعدة قرون، واستبصر الحكماء منهم فوجدوا ‏علومهم لا تصلهم بواقعهم بتاتا، ومن تلك العلوم فقه الأحكام، الذي يعدّ ركوده صورة صادقة ‏لركود حياتهم‎.‎
وكان هذا الواقع دافعا حفز العلماء والمصلحين، فسعوا لتخليص الأمة من براثن الجهل ‏والتخلف، فكان من مجالات سعيهم الدعوة لتجديد الفقه بتجديد الحياة، والدعوة للأخذ بأسباب ‏النهوض التي دعا إليها القرآن‎.‎
وانطلقت الجهود لمواكبة التطور، وعمت دعوات فتح باب الاجتهاد بعد ما شاع إغلاق ‏بابه لأمد طويل، ورأينا آثارا طيبة تناولت تجديد الفقه، محاوِلَةً صبغ الحياة بصبغة الله‎.‎
وكان لكليات الشريعة ومجالس الفتوى ومجامع الفقه، ومراكز البحوث الإسلامية بعامة، ‏والفقهية بخاصة دور لا ينكر في تجديد الفقه، وإعادة صلته بالحياة‎. ‎ليكون رائدا ومسددا لمسيرة ‏الحضارة الإسلامية، وحاميا للمجتمع من الانحراف، ورابطا لها بحبل الله، ليظل في حمى الشرع لا ‏يحيد عنه ولا يزيغ‎.‎
وأراد هؤلاء المجددون استثمار نتاج الفقه الإسلامي بما فيه من أصالة وثراء، بيد أن صياغته ‏كانت بلغة تختلف عن معهود الناس في الأعصر المتأخرة، تأليفا وترتيبا، وصياغة وتركيبا‎. ‎فدعوا ‏أيضا إلى التجديد في طرائق العرض وأساليب الكتابة،  مع الاهتمام بالتأصيل والاجتهاد في عرض ‏آراء الفقهاء مقرونة بالدليل، استجابة للاتجاه السائد وهو أن لا يقبل حكما أو رأيا إلا مشفوعا ‏بمستنده، مدعوما بحجته‎. ‎بل إن هذا هو عين ما دعا إليه القرآن ‏‎"‎قل هاتوا برهانكم إن كنتم ‏صادقين‎" ‎وزكاه علماء الإسلام بقولهم‎: "‎إن كنت ناقلاً فالصحة، وإن كنت مدعيا فالدليل‎".‎
من هذه المنطلقات، ولهذه الغايات جاء الاهتمام بقضية تجديد الفقه لإحياء هذه الثروة الثمينة ‏التي تعدّ أكمل وأشمل وأعدل منظومة تشريعية عرفتها البشرية عبر التاريخ‎.‎
في مستهل الحديث يقتضينا المقام تحديد مفهوم التجديد الفقهي؟ وكيف تراءى للناس على ‏صعيد الواقع تنظيرا وتطبيقا؟

مفهوم تجديد الفقه:‏
قضية تجديد الفقه الإسلامي تعتبر قضية الدين كله، ولها ارتباط بخصائص الإسلام من جهة، ‏وتعلق بواقع الحياة من جهة ثانية‎.‎
بل إن تجديد الفقه يعدّ قضية محسومة نظرا لكون رسالة الإسلام رسالة خالدة عالمية، شاملة ‏لكل مناحي الحياة‎.‎
ولكون الحياة ووقائعها متجددة متلاحقة على امتداد الزمن لا تنقطع ولا تتوقف إلى قيام ‏الساعة‎. ‎
ومن سوء الطالع أن يقع الاختلاف الكبير حول هذه القضية التي نالت من الجدل وأسالت ‏من الحبر ما لو صرف في غيرها لكان أجدى على الأمة نفعا، وعلى الفقه ثراء‎.‎
ولعل مردّ ذلك أساسًا يعود إلى عدم وضوح الرؤية حول معنى التجديد، وما يقتضيه من ‏أحكام، فوقع اللبس والخلط بين مقتضى التجديد، وهو التغيير المستمر، وبين  مميزات الشرع وهو ‏الثبات والدوام‎.‎
ولا ريب أن صفة الثبات والدوام تقتضي أن يتميز الإسلام بصفتين رئيستين هما: الثبات ‏والتطور؛ ثبات المبادئ والأصول، وتطور الوسائل والأساليب‎.‎
فقضايا التوحيد وأحكام العبادات والمعاملات أصول مفصلة مستقرة لا تجديد فيها ولا ‏تبديل، إلا ما يتعلق بالمصالح المتغيرة، فما بُني منها على الاجتهاد المصلحي فهو يقبل التغيير حسب ‏تغير المصلحة، بناء على القاعدة الفقهية المقررة، "لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان". ‏
والفقه الإسلامي باعتبار ثرائه وشموله غنيّ بهذه الاجتهادات المرنة التي استطاعت أن تستوعب ‏الحضارة والعادات والأعراف المتباينة للمجتمعات الإسلامية على امتداد أربعة عشر قرنا من الزمان.‏
وثمة جانب آخر يقبل التجديد، ألا وهو جانب العرض والتأليف، وأساليب الاستشهاد ‏والاستدلال.‏
وقد شهد الفقه الإسلامي تطورا كبيرا في هذا المجال منذ الصدر الأول للإسلام، وأفادت منه ‏كل المدارس الفقهية، ومنها المدرسة الإباضية، وتجلى ذلك في نتاج علمائها وفقهائها في القديم ‏والحديث.‏

دعوات تجديد الفقه:‏
تعتبر دعوات تجديد الفقه الإسلامي، نتيجة منطقية، واستجابة فطرية لشعور المسلمين ‏بوجوب إعادة إحياء الأمة بإحياء دينها، ولا يتحقق ذلك دون ريادة الفقه، لأنه دستور حياة الأمة ‏وضابط مسيرتها.‏
والدعوة للتجديد لم تنحصر على عصر أو مصر بعينه، ولا على مدرسة أو مذهب بمفرده، ‏بل كانت حركة متجددة امتدت عبر التاريخ الإسلامي، وتجلت في جهود طيبة لأفذاذ الأمة ‏وعلمائها، فرأينا أبا حامد الغزالي يكتب "إحياء علوم الدين"، وتجدد النداء من قِبل أعلام كُثر منهم ‏العز ابن عبد السلام، وابن تيمية، وصولا إلى الشاطبي ثم الشوكاني، ومحمد عبده، والأفغاني، ‏ووحيد الدين خان، إلى المودودي الذي كتب "موجز تجديد الدين وإحياؤه".‏
وغدا مصطلح التجديد مقصدا لكل مصلح يريد بعث الأمة واستنهاضها، ومستند الجميع في ‏ذلك حديث الرسول صلى الله عليه وسلم الذي رواه أبو داوود وغيره «إن الله يبعث لهذه الأمة ‏على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها» (‏ ‏).‏
ورأينا دعوات التجديد الفقهي تحديدا تتنامى في السنوات الأخيرة، بصورة لافتة للانتباه، بدءًا ‏بجهود عبد الرزاق السنهوري، إلى  دراسة الدكتورين جمال الدين عطية، ووهبة الزحيلي التي يمكن ‏اعتبارها من الكتابات الجادة العملية التي طرقت هذا الموضوع.‏

أنصار تجديد الفقه:‏
يتصدر الدكتور عبد الرزاق السنهوري دعاة تجديد الفقه الإسلامي الحديث، وينطلق تصوره ‏لتجديد الفقه الإسلامي باعتباره تشريعا شاملا لكل مناحي الحياة، بيد أن جانب التعبد منه خاص ‏بالمسلمين، أما جانب المعاملات فيعم المسلمين وغيرهم ممن تظلهم راية الحكم الإسلامي، ويرى ‏فوق ذلك أنه يمكن الاستفادة من تشريعات الأمم الأخرى بالاستناد إلى شرع من قبلنا ما لم يأت ‏نسخه في كتاب ولا سنة‎.‎
ويرى أن الفقه بهذا يصلح لمواكبة الحياة، وهو علم متطور متجدد، لأن أحكامه الأساسية ‏مدونة في الكتاب والسنة على شكل مبادئ عامة، وفلسفة موجهة لا غير، ويبقى على المجتهدين ‏استنباط الأحكام التفصيلية حسب الحالات والظروف، شريطة الالتزام بضوابط الشريعة وأحكامها ‏الأساسية في الشريعة متمثلة في القرآن وسنة المصطفى صلّى الله عليه وسلّم‎.‎
وبناء على هذا التصور أبان حقيقة الفقه وعلاقته بالتطور، ودعا إلى ضرورة إقامة مؤسسة ‏علمية وتعليمية للنهوض بهذه الدراسات الحديثة، ووضع لها الملامح والمعالم لتجسيدها في الواقع. ‏
وكان مما اقترحه إنشاء أقسام متخصصة في الجامعة تمنح درجة الدكتوراه في الفقه الإسلامي، ‏تمهيدا لإنشاء "معهد للفقه الإسلامي"، يتضمن تخصصات في الفقه المقارن بين المذاهب الإسلامية، ‏والمقارن بالقانون، وتخصصا لأصول الفقه، وآخر لتاريخ الفقه. كما دعا إلى إنشاء مجلة متخصصة ‏للفقه الإسلامي، ونشر كتب ورسائل هذا الفقه في سلسلة علمية متخصصة. وظل هذا المشروع ‏يوجه السنهوري في أبحاثه ومؤلفاته طيلة حياته.‏
‏ ‏
كما يعتبر الدكتور محمد سليم العوّا (‏ ‏) من أبرز‎ ‎دعاة التجديد حين دعا إلى نهضة شاملة في ‏العالم الإسلامي في كل‎ ‎المجالات لتخليص العقلية الإسلامية والواقع الإسلامي من‎ ‎الركود، فقال: ‏‏«لقد عانى المسلمون طويلاً من إحجام كثير‎ ‎من المؤهلين للاجتهاد عن القيام به بسبب الدعوى ‏الباطلة التي نادت بأن (باب‎ ‎الاجتهاد مغلق). ومع تقديرنا للأسباب التي دعت إلى الزعم بإغلاق ‏باب الاجتهاد فإننا‎ ‎لا نستطيع التسليم بصحة هذا الزعم ولا باستمرار أثره. وإلا حكمنا على فقهنا ‏بالعجز‎ ‎عن الوفاء بحاجات الخلق وكفى بهذا مأثماً ينأى العاقل بنفسه عنه».‏
كما برر الدكتور حسن الترابي الدعوة إلى تجديد الفقه بقوله: «إن حركة الإسلام منذ أن ‏تجاوزت العموميات‎ ‎النظرية التي طرحتها لأول عهد الدعوة لتذكر الناس بأصول الدين وكلياته ‏التي كانت‎ ‎عهدئذٍ منكرة أو مجهولة. ومنذ أن تقدمت إلى قضايا أكثر مساساً بالواقع وأقرب إلى ‏منازل الفروع في الأحكام، أصبحت مدعوة إلى أن تعالج مسائل الفقه المفصل، وأصبح‎ ‎مسيرها لا ‏يتقدم إلا بالتفقه الأدق بمقتضى دين الله سبحانه وتعالى في مجتمعنا‎ ‎المعاصر، فالناس قد سلّموا أو ‏اقتنعوا بالعموميات وغدوا يطلبون من الدعاة بأن‎ ‎يوافوهم بالمناهج العملية لحكم المجتمع وإدارة ‏اقتصاده وتنظيم حياته العامة لهداية‎ ‎سلوك الفرد المسلم في هذا المجتمع الحديث»(‏ ‏).‏

خصوم التجديد:‏
ومن جهة أخرى رأينا فريقا آخر يرفض التجديد جملة وتفصيلا، ويرى فيها افتئاتا، أو انفلاتا ‏من التراث وأحكامه الضابطة لمسار المجتمع المسلم، فردا وجماعة ودولة.‏
ويعتبر مقال الدكتور عبد العظيم المطعني "تجديد الفقه بين القبول والرفض"(‏ ‏). من هذا اللون ‏الرافض لتجديد الفقه، إذ فصل القول في ذلك مبينا أن أصول الفقه لا تجديد فيها، وقد عرض ‏موضوعاته مفصلة، موضحا عدم الحاجة إلى التجديد فيها، ثم عرج على أحكام الفقه، وذكر ‏انقسام أدلتها إلى القسمة الرباعية الشهيرة، من حيث قطعيتها وظنيتها ثبوتًا ودلالةً، فما كان دليله ‏قطعي الثبوت كالقرآن وكثير من الأحاديث النبوية، وقطعي الدلالة. أو كان ظني الثبوت قطعي ‏الدلالة فلا تجديد فيه، وأما ما كان دليله ظني الثبوت والدلالة معا، وما كان دليله قطعي الثبوت ‏وظني الدلالة، فيمكن إعادة النظر فيه. ولكن ذلك صحيح نظريا لا واقعيا.‏
وأوضح مجال هو فقه العبادات كالصلاة والزكاة والحج والصيام، إذ لا يخضع للتجديد، بل ‏إن دعاته أنفسهم لا يقصدون هذا المجال، بل قصدهم "فقه المعاملات".‏
ولكننا حتى في هذا المجال، ومن خلال تجربة عملية ودراسة نموذجية لأحكام الفقه الاجتهادي ‏عند السلف وجدناهم في كل مسألة اجتهادية استوعبوا فيها كل ما يمكن أن يقال، لذلك فإن من ‏العسير على المجتهدين المعاصرين أن يجدوا منفذا يأتون فيه بجديد لم يقله الأقدمون‎.‎
وضرب لذلك أمثلة من قوله تعالى: «والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء»(‏ ‏). بعضهم ‏فسر القرء بالطهر، وبعضهم فسره بالحيضة الواحدة. فإذا أعدنا فيها النظر فما الذي سنقوله جديدا ‏في المسألة؟ ‏
ومثال آخر، إذا طلبت امرأة المفقود الطلاق، بعد انقطاع أخبار زوجها وتضررها بالغيبة، ‏وحكم لها القضاء بالتطليق، ثم تزوجت بآخر، ثم عاد زوجها الأول. فلمن تكون حينئذ؟
بعضهم قال هي للأول ويفرق بينها وبين الثاني، وبعضهم قال للثاني ولا يُمَكّن منها الأول، ‏وبعضهم قال هي للأول إلا إذا أنجبت من الثاني.‏
فإذا أعدنا النظر في هذه المسألة، فهل بقي لنا شيء جديد نقوله فيها؟
ومثال آخر في الجنايات: إذا أكره رجل رجلاً آخر على قتل أحد فقتله، فعلى من يقع ‏القصاص؟ على المكرِه الذي أمر بالقتل؟ أم على المكرَه الذي قام بالقتل؟
بعضهم قال: يقتص من الاثنين معاً؛ الآمر بالقتل والقاتل حتى وإن كان فاقد الإرادة، صونا ‏للدماء، وبعضهم قال: يقتص من الآمر لأنه السبب ولا يقتص من القاتل لأنه مكره فاقد الإرادة، ‏وبعضهم قال:لا قصاص على أحد منهما لأن الآمر بالقتل لم يباشر فعل القتل، ولأن القاتل مجبور لا ‏إرادة له.‏
وبعضهم قال: يقتص من القاتل لأنه هو الذي باشر القتل، وعلى الآمر بالقتل دية الاثنين دية ‏المقتول عدوانا وظلما، ودية المقتول قصاصا.‏
هذه مسألة اجتهادية لم يرد حكم لها في الكتاب ولا في السنة، وقد استوعب الفقهاء فيها ‏أقسام الحكم العقلي، فإذا أعدنا فيها النظر فما الذي نضيفه فيها من جديد؟
وهكذا صنع الفقهاء الأقدمون في المسائل الاجتهادية كلها‎.‎
إذن فإن إخضاعها لمبدأ "تجديد الفقه" وإن كان ممكنًا نظريًا فإنه لا جدوى منه عمليًا، ‏والأحرى بالمنادين بتجديد الفقه القديم وإحلال فقه جديد محله، أن يرصدوا كل المستجدات وأن ‏يبحثوا لها عن أحكام فقهية مناسبة، بدل أن يصبوا جام غضبهم على جهود علماء كبار أفذاذ ‏ملؤوا الدنيا نوراً وهدى(‏ ‏).‏

معالم التجديد الفقهي‎:‎
رغم هذا النقد والاعتراض لدعوات التجديد، فإنها لقيت استجابة وقبولا، وتجسدت في ‏مشاريع عملية متعددة الوجوه، وتنامى الاهتمام بها في مشاريع تبنتها مؤسسات ومنظمات وأفراد، ‏وذلك أمر منطقي استجابة لخصائص الإسلام وطبيعة الحياة، كما أشرنا إلى ذلك في مستهل هذه ‏الورقة.‏
ولئن حدد الدارسون معالم الصورة الجديدة للفقه الإسلامي، حسب اجتهادات متعددة، فإننا ‏من باب الإنصاف نشير إلى أن أغلب هذه الاجتهادات كانت تتسم بالعموم والجزئية، فل تحظ هذه ‏القضية بدراسة شاملة مستوعبة لمجالات التجديد أو مجسدة له بتفصيل وتدقيق‎.‎
ومعظم هذه الدراسات تتعرض لتجديد الفقه الإسلامي بصورة عرضية عند الحديث عن ‏تجـديد الفكر الإسـلامي عموماً، أو عن تجديد أصول الفقه، وضرورة تطوير العلوم الشرعية ‏على وجه الخصوص، والقليل الذي قدّم دراسة مستقلة في الموضوع ركّز في الغالب على الدراسة ‏الوصفية التحليلية لواقع الفقه الإسلامي أكثر من تركيزه على معالم تجديده.‏
ومن هذه الدراسات: ‏
دعوة الدكتور يوسف القرضاوي في كتابه "شريعة الإسلام، خلودها وصلاحها للتطبيق في ‏كل زمان ومكان" إلى أمور مهمة تتمثل في:‏
‏-‏ اختيار أرجح الأقوال الفقهية.‏
‏-‏ العودة إلى النصوص الثابتة، والتفقه فيها، في ضوء المقاصد العامة للشريعة ‏الإسلامية.‏
‏-‏ ضرورة الاجتهاد في القضايا المستجدة‎.‎
‏- أما الدكتور محمد كمال الدين إمام فقد تناول في كتابه "أزمة المنهج في الدراسات ‏الفقهية المعاصرة", أزمة المنهج في الفقه الإسلامي المعاصر في عرض مستوعب لتطوه التاريخي، محلل ‏لأسباب الأزمة، مبرزا مظاهرها في محورين رئيسين،  أولهما استبعاد التشريع الإسلامي عن التطبيق، ‏وثانيهما: ابتعاد الفقه الإسلامي عن الحياة. واقترح مخرجا من هذه الأزمة بفتح باب الاجتهاد، ‏وتقنين أحكام الفقه الإسلامي.‏
‏-كما بحث الدكتور حسن الترابي موضوع التجديد الفقهي في كتابه "قضايا التجديد، نحو ‏منهج أصولي"، مبرزا المبررات التاريخية والعلمية والواقعية لتجديد المنهج الأصولي من خلال قراءة ‏تحليلية نقدية في التراث الفقهي.‏
‏-‏‎ ‎وأكد الدكتور عباس حسني محمد في كتابه "الفقه الإسلامي آفاقه وتطوره"، على تطوير ‏الفقه الإسلامي بتنظيم وتقنين أحكام الفقه، واستخراج النظريات الفقهية.‏
‏-‏‎ ‎ولكن الدراسة المتميزة التي حددت ملامح التجديد بصورة واضحة هي كتاب الدكتورين ‏جمال الدين عطية ووهبة الزحيلي حول تجديد الفقه الإسلامي‎.‎
وقدم الدكتور عطية ملامح التجديد الفقهي، وجعلها اثني عشر ملمحا، موضحا التأصيل ‏الشرعي والمسلك المنهجي لهذا التجديد‎.‎

ملامح التجديد المنشود عند جمال الدين عطية‎:‎
مهّد الدكتور عطية لملامحه بالتذكير بجهود التجديد الفردية للسنهوري وعبد القادر عودة ‏وصبحي المحمصاني، ثم بالجهود الجماعية متمثلة في موسوعة جمال عبد الناصر، والموسوعة الكويتية‎.‎
ونبّه إلى أن التجديد يكون في الشكل كما يكون في الموضوع، ولكن الثاني منهما أهم من ‏الأول‎.‎
كما ذكّر بتلازم تجديد الفقه مع تجديد أصول الفقه، وإن كان الأخير أصعب تحقيقا، وأطول ‏زمنا، وبحكم الضرورة فيمكن أن نبدأ بالفقه، ثم يتم تجديد الأصول لاحقًا(‏ ‏)‏‎.‎

وحدد الدكتور عطية اثني عشر ملمحا لتجديد الفقه، هي‏‎:‎
الملمح الأول‎: ‎تجديد المادة الفقهية‎ ‎‏(‏ ‏)‏
ويتم ذلك بعدة أمور، منها: ‏
أ- تقديم اجتهادات جديدة لقضايا قديمة‎. ‎مراعاة لتغير الزمان والمكان‎. ‎‏ وذكر لها أمثلة ‏عديدة، منها: ‏
انبثاق مؤسسات اجتماعية عن فريضة الزكاة‎.‎
تحويل زكاة الركاز إلى صندوق تنمية للعالم الإسلامي‎.‎
تطوير مؤسسات عامة‎: ‎القضاء، الوقف، الخلافة، الاجتهاد، الشورى، الحسبة‎. ‎
أثر نظرية الاستخلاف في الملكية والتكافل‎.‎
تطوير فقه المرأة بعد أن اختلف وضعها من حيث الاستطاعة والطاقة‎.‎
تطوير فقه الأقليات بعد اندماجهم في المجتمع‎.‎
تطوير تقسيم الدار‎: ‎إلى دارين أو ثلاث‎.‎

وتأسف الدكتور عطية على جهود كثيرة تبذل في هذا المجال، ولكنها تظل خارج الاعتبار، ‏بعيدة عن الاستثمار. فقد أنفق علماء متخصصون اجتهادات طيبة في هذه القضايا ولكنها بقيت ‏خارج جسم الفقه، فلا تدرس في كليات الشريعة ولا تدخل في الكتب الفقهية المتداولة، بل تظل ‏كتب الفقه التراث هي المعتمدة والرائجة تدريسا ومطالعة‎.‎
نعم نقلد أسلافنا في أنهم عاشوا عصرهم. ولا نقلدهم في آرائهم وننصرف عن الإبداع في ‏عصرنا(‏ ‏).‏
ب-  تقديم اجتهادات في المسائل المستحدثة. وهذا أمر أصبح مقبولا وواقعا في العالم ‏الإسلامي‎.‎
ولكن الملاحظ تهيب كثير الفقهاء من القول في هذه المسائل بحجة عدم توفر شروط ‏الاجتهاد‎.‎
وبعضهم يطلق الفتاوى دون بيان دليله الشرعي‎.‎
وبعضهم يقيس على أقوال المتقدمين في مسألة مشابهة أو غير مشابهة‎. ‎مع أن القياس على ‏الكتاب والسنة لا على قول البشر‎.‎
ولا ينكر فضل الاجتهادات السديدة خاصة الصادرة عن العمل الجماعي كالمجامع الفقهية ‏العديدة. ولهذا النوع نماذج كثيرة: مثل في الشخصية الاعتبارية عموما، وبعض صور الشركات ‏المستحدثة، والممارسات الطبية الحديثة، والتصرفات في الأجنة، والاستنساخ وغيرها‎.‎

ج -‏‎ ‎المجال الثالث: ربط الأحكام ببعضها، وربط الأحكام الجزئية بالمقاصد الكلية للشريعة، ‏فالحديث عن نظام العاقلة، لا يجوز أن ينسينا الحديث عن نظام النفقات بين الأقارب ونظام ‏المواريث، لتتضح الصورة الكلية، ويتقابل جانبا الغرم والغنم، وتتجلى العدالة الكاملة‎.‎
د- ضرورة العناية بمفهوم الفقه بمعناه الشامل، وفق الاستعمال القرآني لكلمة الفقه التي ‏تتضمن العقائد والأخلاق إلى جانب العمل والمعاملات(‏ ‏)، ولم يرتض معهود الفقهاء من قصر ‏الفقه على الأحكام العملية ، واقترح إعادة ربط العقيدة بالأحكام، وبيان أثرها على نحو قريب من ‏ربط الأحكام بالمقاصد، ولكن دون إدخال بحوث علم الكلام ضمن الفقه. وطالب بأن يفعل الأمر ‏نفسه بالنسبة للأخلاق والآداب الشرعية والمقاصد  والقواعد‎.‎‏ ‏
كما أرشد إلى أهمية توضيح الأحكام المتعلقة بالعلوم الطبيعية والإنسانية والاجتماعية ‏المعاصرة، لتستظل بمظلة الشريعة‎.‎
الملمح الثاني: ‏‎ ‎تجديد المصادر الفقهية(‏ ‏).‏
وفيما يتعلق بمصادر المادة الفقهية فقد تناول فيه ثلاث مجموعات‎.‎
المجموعة الأولى كتب التراث، وبيّن الفوارق بين هذه الكتب، سواء التي ألفت للفقه ‏والأحكام استقلالا، وهي تشكل السواد الأعظم لهذا النتاج، أم بين كتب النوازل والفتوى التي تعد ‏معالجة خاصة لمسائل نازلة، وبين كتب القضاء التي تتعلق بالخصومات والمنازعات‎.‎
المجموعة الثانية: وتتضمن الكتب الفقهية المعاصرة سواء كانت لكبار الكتاب أو للأجيال ‏الجديدة من طلاب الماجستير والدكتوراه، وهي دراسات لم يتم نشرها والاستفادة منها في الغالب، ‏إلا عدد محدود منها. وهي مهمة للإفادة منها في حل مشاكل العصر‏‎.‎
والمجموعة الثالثة‎: ‎البحوث العلمية التي قدمت لمؤتمرات وندوات علمية، أو نشرت في مجلات ‏علمية محكَّمة، هي بحاجة لاستثمار أيضا‎.‎
وأخيرا نتاج المجامع الفقهية من قرارات وتوصيات كانت نتيجة اجتهادات جماعية سديدة‎. ‎

الملمح الثالث ‏‎: ‎في التوثيق والتأصيل(‏ ‏).‏
ويكون توثيق الآراء الفقهية ببيان مواضعها في المراجع الأصلية، وبيانات المصدر من طبعة ‏ونشر، ومكان صدور، ونحو ذلك‎.‎
كما يكون تأصيل المسائل والأحكام ببيان الأدلة الشرعية التي يستند إليها الفقيه‎. ‎قرآنا وسنة، ‏ودرجة صحتها‎.‎
الملمح الرابع‎:‎‏ (‏ ‏).بث الروح في الكتابة الفقهية، وإبراز الجانب المقاصدي في كل مسائل ‏الفقه، عبادات ومعاملات‎.‎
الملمح الخامس‎:‎‏ (‏ ‏).ضرورة إجراء الدراسات المقارنة بين كل المذاهب الإسلامية الثمانية، ‏بل وحتى المندثرة، ومذاهب التابعين الذين لم تنتشر آراؤهم‎.‎
والمقصد من هذا تدعيم الوحدة الإسلامية، ببيان ثراء فقه الأمة، والكشف عن الجهود ‏المتضافرة لبناء هذا الصرح التشريعي العظيم، وعلاج التعصب المقيت الذي هيمن على العقل ‏المسلم، ووجه القلب إلى الصراع والتنافر لا إلى التعاون والتكامل‎.‎‏ وهذه المقارنة خطوة إلى تقنين ‏الفقه الإسلامي.‏
علمًا بأن من ضوابط عمل قوانين الأحوال الشخصية في البلدان العربية أن لا يلتزم المشرع ‏مذهبا فقهيًّا معينا‎. ‎بل يختار الأنسب من الآراء من أي مذهب كان‎. ‎
وهذه خطوة إيجابية من التقنين نحو الفقه المقارن، وثمرة طيبة للفقه المقارن من جهة أخرى‎. ‎فالوجهان متكاملان، والفائدة متحققة بيقين‎.‎
الملمح السادس: (‏ ‏). ‏‎ ‎يشمل المقارنة بالقوانين الوضعية، في مجال المعاملات دون العبادات‎. ‎وهي خطوة ضرورية لحركة تقنين الفقه‎.‎
الملمح السابع: (‏ ‏). الاهتمام بالجانب التنظيري سواء من الناحية الكلية كنظرية عامة ‏للشريعة، أو من الناحية الجزئية في مقدمات الأبواب والفصول‎. ‎تجديدا لسبق الفقهاء المتقدمين في ‏وضع أصول الفقه ومقاصد الشريعة والقواعد الفقهية العامة‎.‎
الملمح الثامن‎: ‎‏(‏ ‏)   إعادة تصنيف المادة الفقهية تصنيفا جديدا، يراعى فيه جوانب عديدة، ‏منها‎:‎
‏-ربط الفقه بالعقيدة، وإعادة الأخلاق والآداب والسياسة الشرعية إلى حظيرة الفقه، والعناية ‏بالضوابط الشرعية للعلوم الطبيعية والإنسانية، ‏
‏- إعادة تحجيم بعض الأبواب المضخمة، وتبسيط المسائل المعقدة، وبخاصة في مجال الحكم ‏والاقتصاد والعلاقات الدولية، وغيرها‎.‎
‏- عمل فهارس فنية للمصطلحات التراثية والحديثة‎.‎
‏- تسيير الوصول إلى المعلومة باستعمال الحاسوب، لسرعة البحث -والوصول إلى المسألة ‏بأيسر طريق‎.‎
الملمح التاسع: (‏ ‏) تخطيط البحوث‎.‎
الملمح العاشر: (‏ ‏) تيسير وتبسيط فهم الفقه. وهو ما أخذ يظهر جليا في الكتابات الفقهية ‏المعاصرة. وإن ظلت بعض المعاهد تدرس بعض الكتب التقليدية التي كتبت في عصر تراجع الحضارة ‏الإسلامية‎.‎
الملمح الحادي عشر: (‏ ‏)  ربط الفقه بالواقع. وذلك بسبل شتى، منها‎:‎
‏- استبعاد المباحث والأمثلة التي لم تعد صالحة لهذا العصر، كأحكام الرق والرقيق‎.‎
‏- تطوير التطبيقات الحديثة على الأحكام المتقدمة، مثل موضوع الشركات، وعلاقتها ‏بالتقسيمات الحديثة ‏‎ ‎كشركات التضامن والتوصية وشركات الأسهم‎.‎
‏- تحديد المقادير الشرعية بالمعايير المعاصرة، كالصاع والوسق والدينار بقيمتها الحالية‎.‎
الملمح الثاني عشر:(‏ ‏)  مخاطبة المستويات المختلفة للناس، من الكتب المبسطة للعامة، إلى ‏الكتب المطولة للمتخصصين، وما بين ذلك درجات‎.‎

اسم الكاتب