الدكتور: محمد بن صالح ناصر
مؤلف وباحث ـ الجزائر
مدخل:
من خلال قراءاتي المتعددة لمراسلات المشايخ فيما بينهم، ولاسيما ما كتبوه وتداولوه بينهم إبان الحركة الإصلاحيَّة ونهضتها ما بين (1925 – 1962) أصبحت عندي قناعة ازدادت مع الأيَّام رسوخًا، بأنَّ هذه المراسلات تعد من أهمِّ الوثائق المؤرِّخة لتلك الفترة، ذلك لما تحتوي عليه من أهميَّة كبرى تكمُن في غناها الفكري المتنوِّع، وهو ما يؤهِّلها لتكون دون مبالغة من أهمِّ الوثائق التاريخيَّة لمن يرغب في الاطلاع على مصادر الحركة الإصلاحيَّة وأعلامها وروادها وأحداثها، وهي جزءٌ حيوي من تاريخ الجزائر المعاصرة، ولاسيما في المجالات الدينيَّة، والاجتماعيَّة، والتربويَّة، والسياسيَّة.
فإنَّه إضافةً إلى ما تحتوي عليه ”الرسالة“ بطبيعتها من عفويَّة، وصدق، ومتابعة تضمُّ في ثناياها خصائص المذكِّرات، واليوميات، والتقرير، والوصف الخبري، والتحقيق الصحفي، والنقد الصريح للمواقف والأفكار، فإنَّها تنِمُّ قبل هذا وذلك عن نفسية كاتبها دون تزييف أو تجميل، لأنَّ هذه المراسلات تتمُّ غالبا بين أصدقاء أوفياء تربط بينهم زمالة دراسيَّة أو مهنيَّة أو أُسريَّة، ومن ثمَّ فهي تجمع بين خصائص الكاتب الشخصيَّة صاحب الرسالة، كما تصبح في الوقت نفسه مرآةً عاكسة لأحداث الحياة الجماعيَّة في هذا الوطن أو ذاك.
وقد فهمتُ من خلال قراءتي لهذه الرسائل سرَّ اهتمام أصحابها بها كتابةً وردًّا، ولا سِيَمَا عند مشايخ الحركة الإصلاحية وأدبائها الذين غدا هذا النوع من الأدب الرفيع صنفًا لهم، ورباطًا أخويًّا متينًا بينهم، وأدركت ـ كما لم أدرك من قبل ـ سرَّ احتفالهم هذا الاحتفال العظيم بهذه الرسائل.
والحق إنَّ الفضل الأكبر ـ بعد اللهـ يعودُ إلى الحظِّ الذي ساقني إلى الإطِّلاع على مجموعات مراسلات الشيخ أبي اليقظان (رحمه الله)؛ فهو معروفٌ بعنايته بهذا الجانب كتابةً، وجمعًا، وحفاظًا. كان الشيخ في مراسلاته المتعدِّدة إلى خارج الوطن وداخله كالمنارة الشامخة في لجَّة البحر توزِّع النور وتنشُره إلى كلِّ الآفاق، فتكون بذلك مُرسلةً للنور، هادية للسفن القادمة من مشارف الأرض ومغاربها.
لقد كان الشيخ أبو اليقظان بما أوتي من همَّة عاليَّة، ودأبٍ على الكتابة والمواظبة عليها، ومتابعةٍ دائبةٍ حثيثةٍ للأحداث من حولهـ رغم مرضه آخر العمر ـ مركزا مشعًّا لمشايخه، والأستاذة، والطلاَّب، والمستفتين، ومن ثمَّ كثرت مراسلاته وتنوَّعت، وهو ما جمع بين يديه رسائل كثيرة من أمثال، الشيخ عدُّون، الشيخ علي معمَّر، الشيخ أبي إسحاق، الشيخ محمَّد علي دبُّوز، الشيخ حمُّو فخَّار، من عُمان، ومن جربة، ومن تونس، ومن القاهرة، ومن دمشق، ومن أمريكا، ناهيك عن داخل القطر شرقًا وغربًا، شمالا وجنوبا، ممَّا لا أحصيه عدًّا ولا حصرًا(1).
ويأتي في الصفِّ الأوَّل ممَّن كانوا يُراسلون الشيخ أبي اليقظان، تلميذُه وزميلُه وصديقُه الوفي الحميم: الشيخ عدُّون، ولا سيما في الفترة التي كان فيها الشيخ أبو اليقظان مستقرًّا في العاصمة فيما بين (1926 – 1940)، وهي فترة ما بين الحربين العالميتين التي طبعت الحياة في الجزائر، بل في العالم بطابعها الخاص. وقد رأيتُ أن يكون هذا البحث متناوِلا لرسائل الشيخ عدُّون إلى الشيخ أبي اليقظان في الفترة المذكورة للأسباب التالية:
أوَّلاً: يُعدُّ الشيخ عدُّون من أهمِّ صانعي الأحداث أو من المشاركين فيها في تلك الفترة، مـمَّا يؤهِّله ليكون شاهدًا على عصره، أمينًا على أحداثه، ودقيقًا في أخباره.
ثانيًا: صِدقُ الشيخ عدُّون وإخلاصُه ووفاؤه لما آمن به من قيم ومبادئ، وثباتُه في الميدان الإصلاحي؛ لم يتردَّد، ولم يتغيَّر، ولم يَشكُ قطُّ طوال عمره المديد الذي بارك الله له فيه فتجاوز المائة بخمس سنوات، وهو كالطود الشامخ رسوخًا وثباتًا.
ثالثًا: في هذه الفترة (1930 – 1940) كان الشيخ عدُّون في عنفوان شبابه، ونضارة عمره، وقمَّة عطائه، وحيويَّة تحرُّكاته ونشاطه (في العقد الرابع من عمره).
رابعًا: عملُه المهني في التدريس، ومسؤوليتُه في الإشراف على الحركة التربويَّة والتعليميَّة، وقربُه الحميم الدائم من أستاذه الشيخ بيُّوض ـ زعيم الحركة ـ في المدرسة، والمعهد، والنادي، والمسجد(2)، وملازمته اللاصقة به حتَّى كان يُطلق على نفسه (التَّانْبَرْ) أي طابع البريد الذي لا تُرسل الرسالة بدونه، مـمَّا أهَّله ليكون مقرِّرا وفـيًّا، وشاهدا أمينا على كثير من الأحداث(3).
خامسًا: مشاركته الفعَّالة في صحافة أبي اليقظان بالمقالات الكثيرة، والرأي والتدبير وكتابة افتتاحيات كثير من جرائد أبي اليقظان: النور، المغرب، الأمَّة، النبراس، ولا سيما موضوع الحركة الإصلاحيَّة مـمَّا يؤهِّله ليكون مطَّلعا على خلفيات الكثير من تلك المقالات ودواعي كتابتها، وما وراءها من أسباب مباشرة أو غير مباشرة.
سادسًا: كانت هذه المراسلات أسبوعيَّة تصل إلى القرارة يوم الخميس، وتغادرها يوم السبت، وهي قلَّما تخلَّفت عن موعدها، مـمَّا يجعلها سِجِلاًّ تاريخيًّا حافلا يكاد يكون يوميًّا لكلِّ مجلات الحياة بالوادي، في مناحيها السياسيَّة، والدينيَّة، والاجتماعيَّة، والثقافيَّة.
ومن هنا نلحظ كيف أنَّ هذه الرسائل تتوزَّعها عدَّة محاور؛ فهي أخبار ذات طابع ديني؛ مثل ما يلقى في المسجد من دروس، أو طابع سياسي؛ مثل حركة الحكَّام العسكريين والقيَّاد، أو طابع تربوي؛ مثل أخبار التلاميذ والمدرسة والمعهد، أو ذات طابع اجتماعي؛ مثل الوفيات والنزاعات، أو ذات طابع اقتصادي؛ مثل غلاء المعيشة أو رخصها والقحط والخصب وحملات ”زقرير“ وغير ذلك، أو ذات طابع إخواني أُسري؛ مثل جلسات النادي، وقدوم الإخوان من ميزاب، والنجاحات والإخفاقات وغير ذلك.
سابعًا: تُمثِّل هذه الرسائل جانبًا أدبيًّا مهمًّا لمن شاء دراسة هذا الجانب، لأنَّها كانت تجدُ اهتمامًا كبيرًا من كُـتَّابها ومن قرائها على السواء، ومن ثمَّ كانوا يحتفلون بصياغتها، كما كانوا يعقدون الجلسات الحميميَّة لقراءتها والتعليق على ما فيها، وكثيرًا ما كانت تلك الجلسات في النادي، أو في منزل أحد الإخوان يصحب كلَّ ذلك: الظرف والشاي؛ ففي إحدى الرسائل نقرأ ما يلي:
«... قد اتَّصل الكتاب بيد الأخ بوحجَّام ومعه الخيَّاط، واستبشروا به لضخامته فظنُّوه حافلا بالأخبار، وارتقبوا خروجي من المسجد قبل الزوال، فاختطفوني لمجرَّد خروجي، واشترطتُ عليهم ألاَّ يُقرأ إلاَّ عشيَّة بين هالة من الإخوان حيث يطيب المجلس والشاي...» (4).
ومن ثـمَّ نلحظ أنَّ إلحاح الشيخ عدُّون على أستاذه كان كلَّ مرَّة قويًّا ليداوم على المراسلة الأسبوعيَّة، ويفصِّل فيها تفصيلا، وبقدر ما كان يطير فرحا لكلِّ بريد يصله، بقدر ما كان يتأسَّف تأسُّفا حارًّا لتأخُّر أجوبة أستاذه عنه، فقد جاء في الرسائل ما يأتي:
«وَدِدْنا لو أطلقتَ العنان لقلمك السيَّال فيفيض علينا بالتفاصيل، إجابةً لرغبتك في إتحاف إخوانك بكلِّ جديد، ولعلَّنا لا نَعْدِمُ هذا القلم وهذه الرغبة منك بعد أن استقرَّ بك المقام(5)، واتَّجه سير الأعمال في الطريق المعبَّد، واطمأنَّ بك البال، فقد بقينا منقطعين في جوف الصحراء؛ لا وِرْدَ ولا كلأ، فاعطفوا على مساكينكم فهم أحقُّ الناس بالعطف...» (6).
ونظرًا لتزاحم الموضوعات التي تحتوي عليها هذه الرسائل، وهي حوالي خمسين رسالة فإنِّي أكتفي ـ لأنَّ المقام لا يسمح بغير ذلك ـ بفهرست في آخر البحث أُورد فيه قائمة بتاريخ هذه الرسائل، وأستخرج منها أهمَّ الأحداث والأخبار المحتوية عليها(7). كما أنِّي سألحق البحث ببعض النماذج التي تقدِّم صورة وافية عن طبيعة هذه الرسائل وأسلوبها واهتماماتها. ولكنِّي قبل هذا وذاك سأتناول بالدراسة شخصية الشيخ عدُّون كما تبدو لي في رأيي المتواضع من خلال هذه الرسائل.
فكيف يتجلَّى لنا الشيخ عدُّون من خلال هذه الرسائل؟
1 ـ الإخلاص:
لعلَّ أوَّل صفةٍ يتميَّز بها الشيخ عدُّون وهو في فورة الشباب، ونظارة العمر هو الشيخ عدُّون نفسه بعد أن تجاوز المائة من عمره ! ثباتًا على المبدأ، ووفاءً للصداقة، وتفتُّحا على كلِّ جديد لا يتنافى مع القيم والثوابت الدينيَّة والأخلاقيَّة، وهو الناظر إلى المستقبل دومًا، المتسامح الذي يفتح قلبه لكلِّ أصدقائه وأبنائه وتلامذته وزملائه، لا يحمل غلاًّ ولا حقدًا ولا حسدًا. وهذه الصفة أي ميزة الإخلاص، وحسن النيَّة التي طالما عُرف بها الشيخ عدُّون واشتهر، حتَّى قال فيه الشيخ عبد الرحمن بن عمر بكلِّي: «إنَّه الإخلاص يمشي على رجليه»؛ ومن أجل هذه الخاصيَّة ظلَّ الشيخ عدُّون في الثلاثينات هو الشيخ عدُّون في التسعينات محبوبًا من الجميع، ومسيطرًا على الأفئدة لدى الكبار والصغار، الشباب والشيَّاب. ونضرب لذلك مثلا: فعندما وقع خلاف حادٌّ في أوائل الخمسينيات بين الشيخ بيُّوض وأحد زملائه وتلامذته حول قضيَّة من قضايا الإصلاح الاجتماعي تتعلَّقان بسفر المرأة وإصلاحات المسجد، وكادت وحدة القرارة تتصدَّع من جرَّائها، كان ضمن المساعي أن تدخَّل الشيخ أبي اليقظان بين الشيخ بيُّوض ومن اختلف معه في تلك القضيَّة، فكتب إليه الشيخ عدُّون في رسالة مؤرَّخة بـ 11 جمادى الأولى 1373 هـ موافق لـ 27 جانفي 1953 قائلا:
«... بلغني كتابُك بعد الأخير للإخوان بعد غيبة طويلة، وانتظار طويل وقد سرَّ الإخوان، وجماعة العزَّابة بسعيكم المبرور في القضيَّة الشائكة، نسأل الله تعالى أن يمدَّكم بروح منه ويصل بكم إلى نتيجة مُرضِيَة يرتضيها الجميع، تحفظ كيان الإصلاح من التصدُّع، وتغسل ما علق في القلوب من أدران، ولا شكَّ أنَّ الله تعالى سيصل بنا إلى هذه الغاية ما دام الإخلاص والنيَّة الحسنة رائد الجميع...».
2 ـ التواضع:
عادةً ما يكون التواضعُ صفةً مرتبطة بالإخلاص؛ لأنَّ التكبُّر مرضٌ نفسيٌّ يعاني منه مرضى القلوب فقط، ومن ثمَّ فإنَّ مـمَّا يلفت النظر في خِلاَلِ الشيخ عدُّون تواضُعُه المذهل أمام أبنائه وتلامذته دون افتعال أو تكلُّف، لأنَّ تصرُّفاته تَنِمُّ عمَّا يحمل في قلبه الأبيض النقيِّ الصافي، ولأنَّه يصدُرُ عن أخلاق إسلاميَّة عاليَّة، وإذا كان ذلك ديدنُه مع تلامذته فأولى أن يكون ذلك تصرُّفه مع أساتذته وزملائه، وهذه صفةٌ نفسيَّة بارزة أخرى نستجليها من رسائله إلى أستاذه الشيخ أبي اليقظان، فقد لاحظتُ في رسائله كيف يوجِّه الخطاب الموشَّح بالخلق الرفيع: لينُ جانبٍ، وصفاءُ طويَّة، واحترامُ مقام، على الرغم من أنَّ تَتَلمُذَ الشيخ عدُّون للشيخ أبي اليقظان يُعدُّ اعتباريًّا، فهو لم يتلقَّ عنه دروسًا في فصلٍ، إلاَّ ما كان بينهما من جلسات حميميَّة أدبيَّة في النادي أو في السهرات الخاصَّة، أو المراسلات، أو ما جمعهما من زمالة طويلة في إطار الصحافة، فهي ـ إن شئنا القول ـ علاقة صداقة وزمالة أكثر منها علاقة تلمذة أو أستاذيَّة، ولكنَّ تواضع الشيخ عدُّون أبى عليه إلاَّ أن يخاطب أستاذه وشيخه بما يليق بمقامه العلمي الرفيع: «أستاذنا الجليل العلاَّمة»، أو «أستاذي العزيز المجاهد الكبير»، وما انصرف عن هاتين الصيغتين قطُّ في كلِّ رسائله، ومن تواضعه أنَّه كان يطلب من أستاذه دومًا أن يصحِّح له (الفصول) التي كان يحرِّرها لجرائده: «النور»، «الأمَّة»، «المغرب» وغيرها، ويفوٍّضه في اختيار عناوينها، ويلحُّ عليه ألاَّ ينشر شيئًا ممَّا يَكتُب دون أن يفحصه فحصًا دقيقًا، على الرغم من أنَّ الشيخ عدُّون كان كثيرًا ما يعرض تلك المقالات على الشيخ بيُّوض قبل إرسالها للنشر. ومـمَّا يدلُّ على تواضعه تعليقُه على الافتتاحيات التي كان يكتبها في بداية الثلاثينات لجريدة «النور» عندما كان الشيخ أبو اليقظان مشغولا بإعداد المطبعة العربيَّة يقول في رسالة مؤرَّخة بـ 20 رجب 1350 هـ.
«... لقد وُفِّقت كلَّ التوفيق في ذلك النسج البارع، وهكذا جميع ما يجري به قلمكم الذهبي، فلو كان يقوم بواجبه أيضًا في تحرير الافتتاحيات لكان نورًا على نور، وأرى اقتصاركم فيها على هذا القلم الجاف ممَّا يزري من شأن الجريدة...».
ويقول من رسالة مؤرَّخة بـ: 21 محرَّم 1355 هـ 01 أفريل 1936:
«... بلغني جوابك الكريم يستحثُّني على المواظبة على الكتابة؛ حسنُ ظنٍّ منك بهذا العاجز، حقَّقَ اللهُ ظنَّك، ولا أراك منِّي إلاًّ ما يسرُّك، ويُبهج خاطرك، ولقد ختمتَ ذلك المقال المتواضع بذلك التعليق الخطير الذي ألبس المقال حلَّة قشيبة من الإبداع تركَها تختال تيهًا وعجبا، وهو في الحقيقة لا يستحقُّ شيئا مـمَّا خلعتَ عليه، لولا ثقتك الكبيرة التي تقيس الأشياء على حسبها، فتراها كبيرة وهي صغيرة، جليلة وهي حقيرة».
ويقول من رسالة مؤرَّخة بـ: 27 محرَّم 1355: «... أرجو إعادة النظر في الفصل فقد مرَّ عليه الأستاذ مرًّا دون أدنى تأمُّل فيه، فلم يُنقِّح فيه شيئا.
«... إليك فصل اليوم وعَنْوِنهُ بعنوان لائقٍ لا كسابقه...»
3 ـ سموُّ النفس وعزَّتُها:
من أهمِّ الخلال التي طبعت أخلاق المشايخ رواد الحركة الإصلاحية؛ تفانيهم من أجل ما آمنوا به، وتضحيتُهم المستميتة في سبيل رسالتهم الإصلاحيَّة، فقد سخَّروا لها كلَّ ما يملكون من وسائل ماديَّة ومعنويَّة، وبذلوا في سبيلها كلَّ نفس ونفيس، وعلى الرغم من تعدُّد جبهات الخصوم ضدَّهم؛ من حُكم عسكريٍّ غاشم، وتزمُّت فكري متخلِّف، وعامَّة جاهلة مقلِّدة، فإنَّ ذلك كلُّه لم يفت في عضدهم، ولم يثبِّط من عزمهم.
ومن أمثلة التفاني والتضحية النادرة المخلصة شخصية الشيخ عدوُّن الذي ظلَّ ذلك الجندي المجهول المجاهد الصابر طوال عمره الطويل، كان في بعض مراحله جنديًّا في الصفوف الأماميَّة، وأصبح في مراحل أخرى قائدًا مبرزًا يحمل الراية ويختضن الأمانة.
هذه الروح المتوثِّبة إيـمانًا وثباتًا هي التي تطالعنا من خلال رسائله إلى أستاذه أبي اليقظان، الذي الذي طالما اعتبره نموذجا فذًّا في الجهاد والمصابرة فكان لا يحلو له إلاَّ أن يُطلق عليه في كلِّ رسائله ”أستاذي الجليل المجاهد الكبير“. وما من شكِّ في أنَّ الشيخ أبي اليقظان كان يبادل تلميذه الإعجابَ؛ فكان ينوِّه بهذه الخِلاَلِ المتميِّزة في تلميذه الشيخ عدُّون؛ فكان كثير الإشادة بهذه الخلال في شخصيَّة تلميذه وزميله وصديقه الحميم. وهو ما أوضحه وركَّز عليه في ترجمته للشيخ عدُّون في كتابه (مُلحق السِّيَر) حيث يقول عنه: «أوتي حظَّا موفورًا من الخُلُق الكريم؛ من تواضع، وصبر، وثقة بالله واتِّكال عليه، وتقوى له، وإيمان كامل به، وعزَّة نفس، وهمَّة عاليه، ولين عريكة، وحسن نيَّة، وصفاء قلب، وصدقٍ وإخلاصٍ، ووَرَعٍ، وزُهدٍ، ومحافظة على سمت السلف الصالح، وحزم، وعزم، واقتدار على إدارة ما يُناط به من المهام بأمانة، وجدٍّ، لا يَعرِفُ كللاً ولا سأمًا، ولا تزعزعا في مبدئه...» (8).
ومـمَّا يدلُّ على سموِّ نفس الشيخ عدُّون وثباتُه على المبادئ التي آمن بها موقفُه المشرِّف من أستاذه أبي اليقظان، حيث نشر الشيخ مقالاً في جريدة «الثبات» ردًّا على أحد الطاعنين، وأمضاه باسم الشيخ عدُّون(9) دون أن يستأذن منه ذلك، ويبدو أنَّ الشيخ بعد صدور المقال أراد أن يعتذر من الشيخ عدُّون عن تصرُّفِهِ هذا دون أخد رأيه أوَّلا. فما كان من الشيخ عدُّون إلاَّ التأكيد لأستاذه على رضاه الكامل بتصرُّفه الذي شرَّفه به، بل اعتبر ذلك تقديرًا من أستاذه له؛ حيث يقول:
«... يظهرُ لي كأنَّك أردتَ أن تعتذر أو تتنصَّل من إمضاء المقالة باسمي، فهل كان يخطرُ ببالك أن يقع لي في نفسي منه شيء، أم تظنُّ أنَّني أكره شيئًا أو أرهب من أمرٍ ينالني في سبيل أمرٍ يعود علينا بالنفع؟ لقد تلقَّيتُ ذلك بكلُّ فرح، واستبشار، وافتخار، ومرحبًا بمثل هذه المبـرَّات التي تجيءُ عفوًا بدون أدنى حركة، وإنَّني مستعدٌّ لأمثالها دائمًا، ولِمَا ينتجُ عنها من بلاء وشقاء...
مَرْحَبًا بِالخَطْبِ يَبْلُونِي إِذَا .:.:. كَانَتِ العَلْيَا فِيهِ السَّبَبَا»(10)
وكان من منطلق هذه الأخلاق العالية، والخِلاَل الكريمة يترفَّع عن مخاطبة الجاهلين بأسلوبهم المقذع، ويرى السكوتَ عنهم أحيانًا هو الموقف الحكيم والردُّ الـمُسكِت، وكان ذلك موقفُه من إحدى الجرائد التي ظهرت في بداية الثلاثينيات، مُنتَهِجَةً منهج السباب والشتم والنيل من الأعراض، وأبدى رأيه المندِّد بأسلوبها وطريقتها حيث يقول:
«... أمَّا الورقة الزرقاء(11) فقد أدخلت علينا كدرًا لا مزيد عليه، فهي فكرةٌ فاسدةٌ، ورأيٌ خطل، وإنَّنا نتوقَّع فسادًا عظيمًا تجرُّه لنا نحن في غنى عنه، فما لنا وللشخصيات ونَبْزِها، وتَتَبُّع العورات وكشْفِهَا للملإ، ففي الانتقاد النـزيه الصريح مجالٌ ومُـتَّسع ...».
وقد يكون مثل هذا الموقف المتسامي المتسامح منه يخالف به شخصًا يُكنُّ له التقدير والاحترام الدائمين، ويقف معه في صفٍّ واحد لمواجهة الخصوم؛ مثل أستاذه الشيخ بيُّوض، وذلك ما نقرأه له في رسالة إلى الشيخ أبي اليقظان في معرض الحديث عن ردود الشيخ بيُّوض على بعض معارضيه حيث يقول:
«... ولقد ابتُلي الأستاذ بهذه الكلاب العاوية فاضطرَّ ـ عفا الله عنهـ لمجاراة بعضهم، ولو كنتُ مكانه ما أَرَقْتُ في سبيلهم قطرة مداد.
بـلاءٌ لَـيـسَ يُـشـبـهُـهُ بـلاَءُ .:.:. عـداوة غـيرِ ذٍي حَـسَـبٍ ودِيـنِ
يُبيحُكَ منه عِرضًا لَمْ يَصُنْهُ .:.:. وَيَرتَعُ مِنكَ في عِرضٍ مَصُونِ»(12)
4 ـ التحمُّس للإصلاح:
يُعتبَرُ الشيخ عدُّون أحد الركائز الأساسيَّة للإصلاح بوادي ميزاب، شارك في إعلاء بُنيانه بجهده، وفكره، وكتاباته، ومرابطته الطويلة المستمرة في واجهة التعليم والثقافة، وإنَّنا لا نُعَدُّ مبالغين إن زعمنا أنَّ التعليم ـ ولاسيما بالقرارة، وكثيرٍ من مدن التل ـ ما كان ليبلغ ما بلغ لولا جهود الشيخ عدُّون الشخصيَّة، مـمَّا يستدعي دراسة جادَّة معمَّقة لهذا الجانب من شخصيته.
وأحسب الشيخ عدُّون شاهد عصره، والدليل عليه لأنَّه مـمَّن أطال الله عمره في هذا الجهاد وبارك فيه، وقد تبيَّن لنا من خلال رسائله في الثلاثينيات تحمُّسُه الشديد للإصلاح، وموقفُه الحازم من قضاياه، ونصرتُه الدائمة لزعيمه وشيخه الشيخ بيُّوض، ومن ثـمَّ نعتبر هذه الرسائل وثائق مهمَّة لا يمكن الاستغناء عنها لمن أراد الدقَّة والتفصيل في معالجة موضوع الحركة الإصلاحيَّة.
ومن حماسته تلك هذه المتابعة المستمرَّة الدائمة لكلِّ قضايا الحركة إبَّان صراعها المرير ضدَّ خصومها داخلا وخارجا، سواء أكانوا من المعارضين بوادي ميزاب، أو من المتسلطين من الحكَّام العسكريين والقيَّاد المحلِّيين.
وقد اتَّخذ هذا التحمُّس عند الشيخ عدُّون مظاهر شتَّى، تبيَّنت من خلال مواقفه من بعض القضايا الحسَّاسة التاريخيَّة التي تعدُّ من أهمِّ القضايا الفكريَّة والدينيَّة التي ميَّزت حركة إصلاح الشيخ بيُّوض وأنصاره. وعلى رأس هذه القضايا التي عرفتها الساحة الفكريَّة في وادي ميزاب ما يُعرف بقضيَّة الصوم والفطر بالتلفون، ولها علاقة مباشرة برؤية الهلال صومًا وفطرًا، والعمل بهذه الرؤية عندما يكون مصدرها خبرًا تلفونيًّا، وهل يلزم العمل بها؟ أم لا؟
فإنَّ الشيخ بيُّوض وأنصاره من الحركة الإصلاحيَّة يعملون بها ويصدِّقون خبرها، أمَّا المعارضون أو المحافظون فأنَّهم يرفضونها ولا يرونها مُلزِمَة للصوم أو للإفطار عملاً بقول الرسول صلى الله عليه وسلم : «كلُّ بلدٍ ورؤيَته».
ويبدو أنَّ الشيخ بيُّوض قد ألقى في القضيَّة بمسجد القرارة عدَّة دروس وضَّح فيها الوجه الشرعيَّ توضيحًا جيدا، كما عُقدت من أجل هذه القضيَّة جلسات، وكُتبت رسائل ومقالات من كلا الطرفين، ولعلَّ أبرزها ما كتبه الشيخ بيُّوض والشيخ أبو إسحاق اطفيَّش من الإصلاح، والشيخ الشريف الأزهري والشيخ محمَّد بن باحمد من المعارضة.
وقد أثَّرت هذه القضيَّة في العلاقات العامة والخاصَّة بين أهالي وادي ميزاب ما بين المعسكرين، حتَّى قال فيها الشيخ الثميني محمَّد بن الحاج صالح في رسالة مؤرَّخة إلى الشيخ بيُّوض «... ولي كلامٌ طويلٌ أرجأتُه إلى اللقاء إذا حفظني الله من شرِّ التلفون لعنها الله، ولا نزال نعاني منها منذ سنوات ما لا يَعزِبُ عنك، ولولا أنًَّني من القائلين بوجوب العمل بها، لأعلنت البراءة منها ومن جميع التلفونيين، ولكن الواجبات أغلال في أعناق الرجال...» من رسالة مؤرَّخة بـ: 9 أوت 1939.
والذي يبدو أنَّ المسألة ظهرت على واجهة الأحداث بالوادي في شوَّال من سنة 1354 هـ [الموافق جانفي 1936م] وذلك ما نستشفُّه من رسالة الشيخ عدُّون لأستاذه أبي اليقظان مؤرَّخة بـ 18 شوَّال 1354 هـ يقول فيها:
«تطوَّرت اجتماعات الوادي حول مسألة التلفون... مأساة الاجتماع السابق على المسألة في وادي ميزاب يكرِّرها نفس أولئك المجتمعين في السابق، لأجل الغرض السابق، وبتلك الصفة والهيئة، ليت شعري هل لهؤلاء عقولٌ تُرشدهم إلى السبيل الأقوم...».
ومـمَّا يدلُّ على أنَّ القضيَّة شهدت ذروتها في القرارة على الأقل في شهر شوَّال من سنة 1354هـ ما نقرأه في رسالة مؤرَّخة بـ 25 شوَّال من سنة 1354 أي بعد أسبوع تقريبا من الرسالة المشار إليها سابقا:
«... وصل فصلُ الأستاذ(13) فكان على القرارة بردًا وسلامًا، وقد أطفأ في نفوسنا ونفوس أكثر الناس ما بها من لوعة وظمأ، أمَّا من يكون عليهم قنبلة ونارًا ملتهبة فلم نسمع لهم حسيسًا، ولم نر أدنى إشارة في شأنه، رغم أنَّه لم يبق أحد له أدنى إلمام بالمسألة لم يطَّلع عليه ولم يقرأه ويستقرأه، وقد تهافتوا عليه بكلِّ نَهَم واختطفوه من ساعته، وكثر طلبهم له؛ لو وُجدت عشرات لنفِّدت في ساعتها، أمَّا موقعه في ميزاب فلم نسمع له أثرًا إلى هذه الساعة...».
ويقول في رسالة مؤرَّخة بـ 9 ذو القعدة 1354هـ معلِّقا على مقال كتبه الشيخ أبو اليقظان ونشره بجريدة «الأمَّة»:
«... وصل العدد (60) وفيه القنبلة الثانية التي لا تقلُّ شدَّة عن سابقتها أمدَّكم الله ونصركم وردَّ عنكم كيد الكائدين، ولا يحيق المرء السيِّئ إلاَّ بأهله، القوم مصرُّون الإصرار الكلِّي على رفض العمل بالتلفون حتَّى ولو اجتمعوا بالأستاذ وأقنعهم بالعمل بها، وهو من رابع المستحيلات».
وبعد سنة كاملة شهدت تطوُّرات في هذه المسألة نقرأ من رسالة مؤرَّخة بـ 17 ربيع الأنور 1355 هـ ما يلي:
«... مسألة التلفون خمدت أو سكنت تمامًا تقريبا، وأصبح أكثر الناس متشوِّقين إلى الرسالة [الإشارة هنا إلى رسالة للشيخ بيُّوض في المسألة] فالأعناق مشرئبَّة إليها، بعد أن يئسوا من حلَّها من ناحية الاجتماع، وما كان لغير الله انقطع وانفصل. الأستاذ منهمكٌ في خدمة الرسالة بزيادة فصول ضروريَّة لها، فلا ينصرف عنها إلاَّ للدروس الضروريَّة والأشغال التي لا محيد عنها، وقد بلغ منها إلى نحو 90 صفحة، بينما وصل في الأخذ من الأولى 17 صفحة فقط، وبقيت له منها نحو 100 سيتناولها بالتحرير والزيادة، والـمَظْنُونُ أنَّها تتجاوز 300 صفحة، وستكون كتابا لا رسالة(?).
5 ـ ذهنُه المتفتِّح وشغفُه بالمطالعة:
على الرغم من مشاغله الكثيرة، ومسؤولياته المتعدِّدة ولا سيما في إطار الحياة الدينيَّة والاجتماعيَّة والثقافيَّة، فقد عُرف الشيخ عدُّون طوال حياته الطويلة محبًّا للقراءة، شغوفًا بكلِّ جديد في الفكر والثقافة، متابعًا لكلِّ ما يجدُّ في ميدان الطباعة من كُتُب ودوريات ومجلاَّت؛ لا يُرى إلاَّ مصاحبًا لكتاب أو مجلَّة أو جريدة. كان يضع ـ كلَّما سمح له وقتُه بذلك ـ للمطالعة برنامجا يوميًّا دقيقًا، ما انفكَّ يحافظ عليه حتَّى في أيَّام مرضه، ولم يغيِّره في كلِّ حالاته وظروفه، سواء أكان مُقيمًا أم مسافرًا، وقد تجلَّى ذلك في مكتبته الضخمة التي جلب إليها الكتب الكثيرة من مختلف البلاد العربيَّة، والقارئ لرسائله يلمس هذا الشغف بالجديد في الفكر من إلحاحه الدائم على أستاذه أبي اليقظان بأن يرسل إليه ما يسميه في رسائله «تحائف الشرق»؛ فقد كان شديد الحرص على قراءة: «الرسالة»، و«الفتح»، و«الشباب»، و«المنار»، و«العلم»، و«كلُّ شيء» و«الدنيا»، وغيرها من المجلاَّت المشرقيَّة، فكان كثيرًا ما طلب بإلحاح من أستاذه أبي اليقظان أن يوافيه بها، حريصًا على اقتناء كلِّ أعدادها، فكان يتأسَّف أسفا شديدًا إذا ما انقطع أحد أعدادها عنه، أو تخلَّف عنه بانقطاع البريد الأسبوعي لسبب أو لآخر.
«... إنَّني بقيتُ وحيدًا محتاجًا إلى المؤانسة، وإلى من يطرفني بالأشياء، ويشاركني في السرَّاء والضرَّاء، محتاجًا إلى ما عندَكُم من تحائف الشرق، غير «الرسالة» أو «كلُّ شيء»، فلا تظن أنَّنا نستغني عنها ونزهد فيها، فإنَّ رغبتنا منها هي هي، ولا يأتينا من تونس غير تينك المجلَّتين بالفلوس العزيز ... إنَّنا نترقًّب بريد اليوم بفارغ صبر، مساكين نحن مساكين، ومن أولى منَّا بالعطف والرثاء؟». رسالة مؤرَّخة بـ 25 شوَّال 1354 هـ جانفي 1936.
ومن رسالة أخرى وجَّهها إلى أستاذه أبي اليقظان وهو في بسكرة قادما إلى القرارة «... نرجو لك رحلة مباركة موفورة النتائج، ميسَّرة الأسباب، فاملأ وطابك منها فنحن في عزلة تامَّة عن العلم، وجدُّ متعطِّشين إلى ما ينقع غلتنا، وإن عثرتَ في طريقك على بعض تحائف من مجلاَّت مصوَّرة وغيرها فلا تضنَّ بها عنَّا». (15 مارس 1940).
وتَفتُّح ذهن الشيخ عدُّون لا يقف به عند حدود الاطلاع على مجريات الأحداث من حوله أكانت أحداثا محليَّة في إطار الوادي وفي الإطار القطري، بل كان يهتمُّ اهتمامًا شديدًا بمجريات الأحداث في العالم الإسلامي والعربي من منطلق الغيرة على هذا الوطن الواسع الذي كان يعاني منه الاستعمار الغربي، فكان يمدُّ ببصره إلى ما يجري فيه ويحرص على مشاركة إخوانه هناك.
من رسالة مؤرَّخة بـ: 20 رجب 1350 يقول:
«قرأنا فصلكم في النور، وقبل ذلك قرأتُ فصل شكيب في الجامعة، فاستغربتُ كثيرًا من هذا الإجحاف المخلِّ في فصلٍ ألمَّ فيه بجميع أدوار الحركة وأسبابها ونتائجها، فإنَّ مكانة شكيب أرسلان في العالم العربي، وقلمه المعروف لم يمنعاه من أن يقول رأيه في مقاله بكلِّ صراحة فيما رآه استنقاصًا من حقِّ الوطن العربي وحركاته القوميَّة آنئذ».
ويقول من رسالة مؤرَّخة بـ: 5 جويليت 1937:
«لقد ابتهجنا من (الفتح) تقريضه للأمَّة(14) لما نشرته في عددها الممتاز ...
استحسن أن تعتنوا بتلخيص أخبار العالم الإسلامي، فإنَّ للقراء شوقًا إليها كثيرًا وخصوصًا أحوال فلسطين، فقد اشتهرت جريدتُنا دون جرائد الشمال الإفريقي بالاعتناء بها والعطف عليها، ونالت بذلك سمعة طيِّبة في الشرق».
قد دفعته روحه المتفتِّحة الغيور هذه إلى أن يكتب رسالة لأحد الكتَّاب المشارقة «علي محمَّد الجمالي» ردًّا على مقال نشره بالأمَّة فأرسل إليه رسالة شكر من القرارة مؤرَّخة بـ 18 ذي الحجَّة 1355 هـ [مارس 1937] جاء فيها ما يلي:
«... نرحِّب كثيرًا بأمثال هذه الفصول الرائعة الموافقة لمشرب جريدتنا التي لم نؤسِّسها إلاَّ لخدمة العرب والمسلمين أينما كانوا، كما نرحِّب بكلِّ ما توافونا به من نفثات قلمكم البليغ، فما أشوقنا وأشوق قرَّاءَنا إلى أخبار تلك الديار النائية، ونستقبل كلَّ ما يأتينا منكم بالبشر والارتياح...».
6 ـ ذائقةٌ أدبيَّة ونقدٌ صريح:
من خلال ما رأيناه سابقًا من شغف الشيخ عدُّون بمطالعة الكتب والمجلات الأدبيَّة يتجلَّى ذوقُه الأدبيُّ الرفيع، الذي ينهل من منابع أمَّهات الكتب التي كانت من مقرَّرات الدراسة ومناهجها في تلك الفترة المزدهرة؛ فهو يُثير في إحدى رسائله إلى الشيخ أبي اليقظان بأنَّ الشيخ بيُّوض أضاف إلى منهج دراسة الطلاَّب بمعهد الشباب كتبًا جديدة هي: «المغني اللبيب» لابن هشام، و«الأمالي» لأبي علي القالي، و«دلائل الإعجاز» للجرجاني(15). إضافة إلى حِرص الشيخ بيُّوض على قراءة المجلاَّت الثقافيَّة بل على إقرائها على طلاَّبه مثل «الرسالة»، و«الفتح»، و«الشباب»، وغيرها. وكان الشيخ عدُّون يحضر هذه المجالس كلِّها مع تلامذته.
ومن يقرأ رسائل الشيخ عدُّون لا يفوته الوقوف على عنايته الفائقة بالتعبير الأدبي الرفيع حتَّى في عرضه لبعض الأحداث اليوميَّة، وتناوله للقضايا العاميَّة، فهو قلَّما استخدم مفردات غير فصيحة إلاَّ عندما يكون الأمر متعلِّقا بالأسلوب، أو بما يفرضه المقام؛ كأن يكون في المقام دعابة ساخرة، أو نكتة اجتماعيَّة، عندها يكون استخدام المفردة ذات الطابع العامِّي توظيفًا مقصودًا يكمل المنهج الرفيع الذي ألزم نفسه على اتِّباعه ومراعاته.
يقول من رسالة مؤرَّخة بـ 21 محرَّم 1355 هـ [أفريل 1936]، تعليقًا على رائعة الشيخ أبي اليقظان «يا من يحنُّ إليكِ فُؤادي»(16).
«... لقد شنَّفتَ أسماعَنَا وأطربتنا بذلك النشيد البديع، معنى ومبنى ولحنًا، فجاء كاملاً من كلِّ جهة، فلا غروَ فقد صاغته قريحة ممتلئة شعورًا فياضةً غيرةً وإحساسًا، فذابت فيه نفسه ذوبانًا، وامتزجت بحروفه امتزاجًا، ولقد وصل من نفوسنا ومجالسنا ومحافلنا محلاًّ لائقا بمكانته السامية، فلا زالت نبعًا فيَّاضًا للإحساس الوطني، ولا زالت ماءً زلالاً تسقي النفوسً القاحلةَ من هذا الإحساس، وتُفعِمُ القلوبَ الناضبةَ من ماء الغيرة ...».
وذائقته الأدبيَّة الرفيعة لا تقف به عند حدود الإعجاب الذي قد يكون وليد احترام وتقدير لأستاذه، بل يأتي من خلال قراءة أدبيَّة متعمِّقة، وتذوق لمكامن القوَّة في القصيدة أو المقال فكرةً وأسلوبًا؛ وذلك ما نلحظه في رسالة بعث بها إلى شيخه أبي اليقظان، مُبديًا رأيه حول قصيدة كان الشيخ أبي اليقظان قد شارك بها في مهرجان جمعية العلماء المسلمين بمناسبة تبرئة الشيخ الطيِّب العقبي مـمَّا اتُّهم به من أعدائه(17). ولم يمنعه إعجابُه وتقديرُه لأستاذه الشاعر أن يُبدي رأيه في القصيدة، وقد لاحظ ضعف شاعريَّتها، ولكن بأسلوب مهذَّب راقٍ، يقول:
«... جاء جوابُكم للأستاذ (الشيخ بيُّوض) وبطِّيه القصيدة، وصادف وجود الأخ عبد الرحمن (بكلي) هنا، وقرأناهما معًا، وقرأنا القصيدة إذ ذاك قراءة عجلى، ثـمَّ أعدنا قراءتها في جمعيتنا نحن بإمعان ونظر فأعجبنا بوقعها الجميل في النفوس، وبإصابتها المحز، وإلمامها بالموضوع، وإحاطتها بكلِّ ما يقتضيه المقام إحاطة حكيمة، حازمة، أبيَّة، غير أنَّ روح الشاعريَّة فيها ضعيفة، على خلاف ما نعهد في شاعريَّة أبي اليقظان، فهل تراكمت عليها أصداء الإهمال وعدم التعهُّد بالجلاء والصقل؟
إن كان كذلك فيجب صقلها بين آن وآخر ببعض الروائع حتَّى تظهر أشدَّ مضاءً ونصاعةً، ولقد أحسنتَ الإحسانَ كلَّه، ورفعت رأس الأمَّة عاليًا أمام الأمَّة الجزائريَّة باهتدائك إلى صوغها وإلقائها في ذلك المحفل الحاشد الرهيب، ففضلُك العظيم علينا لا يُقدَّر، ولا يقابل الوفاء، فبارك الله فيك وفي مواهبك الجليلة ...».
وقد كان حريصًا على أن يُبدي رأيه في كلِّ ما ينشر بجرائد الشيخ أبي اليقظان من قصائد ومقالات؛ فإذا لاحظ ما يستحقُّ التنويه والإشادة نوَّه وأشاد، وإذا لاحظ فسادًا في المعنى أو ركاكة في الأسلوب انتقد بكلِّ صراحة ونزاهة، يقول معلِّقا على قصيدة لحمُّو بن محمَّد (النوري) منوِّها بشاعرية صاحبها، متفرِّسا فيه، شاعرًا موفقًا إن واصل درب التعليم والكتابة ولم ينقطع عن مسيرته العلميَّة، فِعْلَ الكثير من أبناء الوادي، الذين سرعان ما تلتهمهم الحياة الماديَّة فتبعدهم عن الميدان الأدبي والعلمي، يقول:
«... أعجبتني قصيدة حمُّو بن محمَّد التي تفيضُ شعورًا(18)، وتنبُّئ عن شاعرية أصيلة، فبارك الله في أنفاس ناظمها، فليت شعري كيف يكون مستقبلُ هذا الشاعر الفتيِّ الذي يُرفرف النبوغُ على رأسه؟ فهل يستمرُّ في الورود من منهل العلم فيتوَّج به، أم يكون نصيبه نصيب من تقدِّمه ممَّن اقتُطِفَ فجًّا، فما انتفع ولا نفع؟!».
وبقدر ما كان يُبديه من إعجاب بالنبغاء من التلامذة، كان لا يثنيه مقامُه من أستاذه أن يبدي رأيه فيما تنشره جرائده من نقد صريح، وقد يكون لاذعًا قاسيًا أحيانا إذا كان يمسُّ اللغة العربيَّة الفصحى، أو يَزري بمقام الجريدة، وذلك ما نقرأه في إحدى رسائله إلى أستاذه حيث يقول:
«... قد تظهر بعض المقالات تزري بمقام الجريدة كمقالة [ فلان ] ... ركيكة الأسلوب فاسدة التراكيب، والمعاني والجمل والمفردات، فهذه إمَّا أن تُنقَّح وتُحوِّر، وإمَّا أن تُلقى في سلَّة المهملات، فالجريدة أرفعُ أن يتَّسع صدرُها لمثلها...» (19).
ويقول من رسالة أخرى في الاتِّجاه نفسه:
«... وأستحسن أن تعتنوا بتصحيح كتابة (معروف) (20)، فقد وردت في المقال السابق كلمات عاميَّة، وتعابير ركيكة، تترفَّع عنها الجريدة».
رسالة بـ 5 جوليت 1937.
وحرصه على المستوى الرفيع للجريدة هو الذي يجعله يؤكِّد ويلحُّ دومًا على أستاذه بأن يصحِّح له مقالاته بعد أن يكون قد عرضها على شيخه بيُّوض، كما أشرنا إلى ذلك سابقا.
7 ـ روح الدعابة والتفكُّه:
على الرغم من التقدير العظيم الذي كان يحمله الشيخ عدُّون لأستاذه أبي اليقظان، فإنَّ هذا لم يكن يمنعه أن يخرج عن إطار المتزمِّت الوقور إلى إطارٍ من الدعابة الحيِيَّة المحتشمة التي تدخل في إطار الظرف والتفكُّه الذي طالما عرفت به مجالس المشايخ، ولا سيما إذا كانت الجلسة حميميَّة بين الأصدقاء، أو حتَّى بين الأستاذ وطلاَّبه، ولا سيما لدى الطبقات الدراسيَّة العليا. وقد عُرف الشيخ عدُّون في الأوساط الأدبيَّة والثقافيَّة بحبُّ النكت الظريفة، يَطرب لها ويتفاعل معها، ويهوى سماعَها، وأحسب أنَّ ذلك ما يستوجبه الودُّ الصافي، والمحبَّة التي تكون بين الأب وبنيه في نوع من الإمحاض والتظرُّف الذي يروِّح عن النفس حتَّى لا تكلَّ ولا تمل، أكان ذلك في مجالس الدراسة أو من خلال المخاطبات الكتابيَّة.
وقد يكون محلُّ الدعابة والتفكُّه شخصًا أو صديقًا عُرف لدى الجماعة بروحه المرحة المتبسِّطة؛ مثل السيِّد «تعموت عيسى» رفيق الشيخ أبي اليقظان وصديقه الحميم في مسيرته الصحفيَّة. ومن ثـمَّ تجد أخبار السيِّد تعموت عيسى وأخبار لقمان الحكيم وغيرهما من إخوان الصفاء ترِد من حين لآخر في هذه الرسائل. ولنأخذ لهذا مثلا ما جاء في إحدى رسائل الشيخ عدُّون إلى أستاذه حيث يقول:
«... أمَّا الأخ تعموت الذي يريد أن يُقَرْقِشَ إلينا بدعوى الاستحمام في الرمل، فإنَّ الرمال هذه السنة باردة جدًّا لا تصلح للاستحمام على قلَّتها بحيث لا يمكن الاستحمام بها، فإنَّ الرياح والزعازع المتوالية في هذه السنة جوفيَّة، وألقت الرمال كلَّها في (تقرت) (ووادي سوف)، فاقترح عليه أن يحجَّ إليها وسيشفيه الله...» (21).
ويقول معتذرًا عن تأخُّره في الكتابة مقدِّما ذلك في أسلوب ظريف وطريقة متفكِّهة:
«... سيدي آسف جدًّا أن أوجِّه إليك هذا المكتوب هزيلاً فارغًا غير مشفوعٍ بفصل كالعادة، ولقد حرصتُ كثيرًا على إرساله كاملا، وأخَّرته طويلا لأجل ذلك فأبى لي تساوفي وتثاقلي وفلول إرادتي إلاَّ أن أخيب في رجائي، فرأيتُ أن أكتب هذا الكتاب الفارغ، إيصالا لما انقطع، وتنبيهًا على أنَّني حيٌّ أُرزَق، فهذا خيرٌ من مدِّ حبل التسويف، والاستمرار على الإعراض والسكوت المطلق الدالاَّن على عدم الاكتراث في الظاهر، والعياذ بالله...» (22).
ومـمَّا جاء في إحدى رسائله لأستاذه، وقد بشَّره بقرب مقدمه إلى القرارة بعد طول غياب، يقول: «بلغني جوابك القصير المبشِّر بقدومك، فكان بشارة عظمى طال شوقنا إليها، عجَّل الله تحقيقها... غير أنَّه يسر أن تجد الغيث مستهلا ليتيسَّر لنا أن نجد معك ليالي ساهرة هانئة، وإن كانت قلقلة [كذا ولعله: قليلة] بالنسبة إليك، فعجِّل بالقدوم على كلِّ حال ولا تخشى شيئًا، واطلب حظَّك ونحن نطلب حظَّنا لنرى أيُّهما الغالب...»(23).
8 – الخصائص الفنِّـيَّة:
يمكننا إجمال الخصائص الفنِّية التي تتميَّز بها رسائل الشيخ عدُّون بما يمكن أن نطلق عليه (التنوُّع) في رسائل تحتوي على جوانب مختلفة من الأغراض؛ إذ تجمع غالبا بين الخبر، والحدث، والتحقيق الصحفي، والمطالب والحاجات، ومن ثـمَّ يأتي أسلوب كتابتها متَّسما بالإحاطة والشمول والتفصيل، وبيان الجزئيات، يُشعرك أسلوبُها وطريقتها برغبة كاتبها في أن يكون مرآة صادقة عاكسة للواقع المعيش، وتلك هي الروح السائدة في رسائل الشيخ أبي اليقظان إلى الشيخ عدُّون أيضًا.
وسيلحظ القارئ الكريم هذا التنوُّع من خلال فهرست سنخصِّصه في آخر البحث لأهمِّ الأخبار والأحداث والتحقيقات التي سنستخرجها من جملة هذه الرسائل.(24)
ولعلَّ من تمام الفائدة أن نقدِّم هنا بعض الأمثلة والنماذج للتنوُّع المشار إليه سابقا:
الوصف الدقيق أو التحقيق الصحفي يتجلَّى في عرضه لبعض الأحداث الكبرى سواء أكان طابعها دينيًّا أو اجتماعيًّا أو اقتصاديًّا، ولا سيما إذا كان هذا الحدث درسا من دروس الشيخ بيُّوض في المسجد، مـمَّا يجعل الشيخ عدُّون حريصًا على أن يقدِّم خلاصة وافية للدرس بكلِّ عناصره، حتَّى يجعل أستاذه أبا اليقظان وكأنَّه حاضر في تلك الدروس.
من ذلك ما جاء في وصفه لدروس قام الشيخ بيُّوض بإلقائها في رحلة إلى بريان دامت أسبوعًا، وشهدت أحداثا إصلاحيَّة كبرى حيث يقول:
«... وألقى عليهم الأستاذ درسًا في الاتِّحاد ووجوب الترابط، وإزاحة كلِّ حاجز يؤثِّر في هذه الوحدة، ومن ذلك وجوب مراعاة ميزاب حوزةً واحدة، والأخذ بقول من يراها وطنًا واحدًا يجب فيه إتمام الصلاة، وبَسَطَ الموضوعَ بسطًا وافيا شارحا كلَّ إشكال، وناعيا على الذين أثاروا الضوضاء من جرَّاء هذه المسألة حسَدًا من عند أنفسهم، فاقتنع القومُ أيما اقتناع بوجهة نظره، آخذين بقوله، عازمين على تطبيقه، وطلبوا منه بعد ذلك إلقاء بعض الدروس في الجامع بين صلاتي الظهرين والعشائين، وشرع في التنفيذ منذ أوَّل يوم شارحا حديث «بُنِيَ الإسلامُ على خمسٍ»، وكانت الأربعة الدروس الأولى في الركن الأوَّل في التوحيد، وما يؤثِّر فيه من زيغ في العقيدة من دعاء الأموات، وإشراك غير الله في العبادة وبِدع المقابر، وكان الدرس الأخير في مسألة القراءة على الأموات، فكان قريبا من درس ليلة عاشوراء [بالقرارة] والقوم يُصغون إليه في جميع دروسه بكلِّ نَهَم وشغف، ويتلقَّونه بالإذعان والقبول، فكان لها وقعٌ عظيم في نفوسهم... فكأنَّهم فتحوا فتحًا جديدًا، أو خرجوا إلى عالم جديد لا عهد لهم به ...» (25).
ومن رسالة أخرى يتناول بالأسلوب نفسه هذه الرحلة التي كان من جرَّائها تطوُّرات خطيرة أخذت بعدًا سياسيًّا واجتماعيًّا خطيرًا، دفعت بالسلطة الفرنسيَّة الحاكمة إلى استدعاء الشيخ بيُّوض إلى غرداية، واستجوابه، والتضييق عليه، وأمره بالعودة إلى القرارة في أوَّل سيَّارة، بدعوى أنَّه مشوِّش يثير القلاقل والنزاعات:
«... تعَّرض الأستاذ في دروسه الأولى في تصحيح العقائد إلى ما يعتقده العامَّة في الأولياء من النفع والضرِّ، وإلى تمسُّحهم بالقباب والتقرُّب بها، والذبح لغير الله، إلى غير ذلك مـمَّا يؤثِّر في العقيدة، وأنكر على من يبني القباب ومن يُجصِّصها مستقبلاً، وما أكثر ذلك في بريَّان، وغضَّ النظر عمَّا هو موجود منها، وعن بانيها قائلا: تلك أمَّة قد خلت. كما أنكر ما يجعلونه على القبور من حزمات الجريد، والشِّنن البالية والقرع والحجارة الأمر الذي صيَّر المقبرة مزبلة... وبعد يومين من ذلك أصبحت بضع قباب مهدَّمة، فثارت العامَّة أو قُل الرأي العام وهاجت الجماعتان [العزَّابة، والضمَّان] وماجتا، وذهبتا إلى القائد ترعدان وتبرقان، وتطالبان باستعمال كلِّ وسيلة في إظهار هؤلاء المجرمين الظالمين الذين فعلوا هذا بآلهتهم ...» (26).
ونقرأ في الاتِّجاه نفسه وبالأسلوب عينه رسالة أخرى يصف فيها تأثير درس عاشوراء على الرأي العام القراري وفحواه ومغزاه، وما كان له من أثر في نفوس الحاضرين بالمسجد وغير الحاضرين، في موضوع له مساس بالعقيدة وهو: «القراءة بالأجرة على الأموات»:
«... درسُ عاشوراء له صدى كبير، ووقع عظيم في النفوس، وإنَّه وجد رؤوسا متعطِّشة إلى ارتواء الحقيقة فأرواها، ونقع غُلَّتها، فكان إرشادًا من حيرة، وهدى من ضلال، أزال كلَّ شكٍّ وأوضح كلَّ شبهة، وجاءت الحجَّة تتبختر اتٍّضاحا، أوضح لهم منشأ المسألة ودرس (الشريف)(27)، وكيف استثمره دعاة الفتنة لبذر الشقاق، وأن لا رائحة للبراءة المشاعة(?)، هذا كلُّه بعد أن سرد أدلَّة لا تقبل النقض في إبطال القراءة بالأجرة من الحديث وكتب الشيخ اطفيَّش، والشيخ السالمي، وشرَحَها شرحًا شافيًا، وقد فهمها جميع الناس فهما جيِّدا، إلاَّ من طمس الله على بصيرته ممَّن في قلوبهم مرض من الكاديشونيين(28) ومن لفَّ لفَّهم من بعض قدماء التلاميذ، الذين يخافون انقطاع (خُبْزتهم) من هذا المورد، وهم في أقليَّة بحيث لا يُسمع لهم همس...»(29).
9 ـ التفصيل والشمول:
حرص الشيخ عدُّون على أن ينقل لمراسله وأستاذه الصورة بكلِّ جزئياتها وتفاصيلها، وكأنَّه يراها مجسَّدة بعينه، يجعله يتناول تفاصيل الشيء وأبعاده بكلِّ صغيرة وكبيرة فيه حتَّى أنَّ القارئ يتساءل أحيانا، وما الذي يضيره لو أنَّه غفل عن هذه الجزئيات؟ ولعلَّ جواب ذلك نتلمسه من خلال أنفسنا عندما تكون في غُربة، وتأتينا رسالة من الأهل فإنَّ الواحد منَّا ليتمنَّى أن لا تنتهي الرسالة من ذكر التفاصيل والجزئيات، ولا سيما إذا كان موضوع الوصف أو الحدث أمرًا يتعلَّق بمن تحبُّ من الأهل، والولد، والوطن، والصديق.
من هنا نفهم حرص الشيخ عدُّون على تناول الأشياء بمثل هذا الأسلوب. وبما أنَّ الأمثلة كثيرة فإنِّي أكتفي بمثالين أو ثلاثة.
المثال الأوَّل:
يستعرض فيه الشيخ عدُّون حملة وادي زقرير إلى القرارة بعد أن مرَّت على القرارة سنوات من القحط القاسي المميت، حتَّى إنَّ الناس بلغ بهم اليأس مبلغًا عظيما(30). وبقدر ما كان جزعُ الناس من القحط أليما بقدر ما كان فرحهم بالخصب وزيارة وادي زقرير عظيمًا، وهو ما يفسِّر اهتمام الشيخ عدُّون بذكر التفاصيل حيث يقول:
«... شرع الناس في قطع التمر وكادوا ينتهون. الماء لا يزال على حاله في الغابة لم يظهر من المصارف في (النوادر) غير نحو بوصتين أو ثلاث. الماء في دكاكين الناحية الغربيَّة يصل إلى نحو الإبط وأقل وأكثر. لا تزال الناس منهمكة في الحرث داخلا وفي الصحراء. جاء واد ثالث منذ نحو عشرة أيَّام فزاد في الغابة نحو 15 سنتيما وإلى الآن لم ينزل إلى الحد الذي وصل إليه القديم، وسيضطرُّون إلى إخراجه من الغابة وإلاَّ وخمت، ولكن ما الحيلة و”الشيحيَّة“ الخارجيَّة لا تزال على حالها، ولم تنزل عن مستوى الغابة إلاَّ بشيء قليل. كثرت هذه الأيَّام الأرياح والزوابع ولم تُحدِث أيَّ ضرر يذكر...» (31).
المثال الثاني:
يتناول فيه الشيخ عدُّون الحالة الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والأمنية أثناء الحرب العالميَّة الأولى إذ يركِّز على الجانب الاقتصادي والمعيشي اليومي في القرارة حيث يقول:
«... الأحوال عندنا هادئة مطمئنة، ليس عندنا ما يكدِّر، ولم يكن أثر للحرب عندنا إلاَّ ستَّة عشر جنديًّا جاؤوا أخيرًا للاحتياط وهم مرابطون في دار (البايليك)، وإلا نقصان بعض المواد وفقدانها كالسكَّر، وما سوى ذلك فالحالة قبل الحرب هي هي اليوم، والذي زاد القلوب اطمئنانًا وسكونًا توارُد القوافل يوميًّا تحمل عشرات القناطير زرعًا، ويدخل غالبا في السوق ما لا يقلُّ عن 100 قنطار قمحًا وشعيرًا، ولا يبقى في العشيَّة منه شيء، ويُحجَر على من يشتري للخارج. سعرُ الشعير من 9 إلى 11 (للقلبة) والقمح من 29 إلى 33، ولولا أن فتح الله علينا بهذه القوافل التي لم تُعهد منذ عشرات السنين لكنَّا في ضائقة شديدة لا يعلمها إلاَّ الله، نظرًا لانسداد أبواب التل، وضغط (التاكسي). والحمد لله على نعمه...»(32).
المثال الثالث:
ويتناول فيه عرضًا دقيقا مفصَّلا عن دروس رمضان في المسجد بصفة عامَّة، ويركِّز على درس ليلة العيد ويومه وأمسيته. وإذا كان في المثالين الأوَّلين يعتمد على ما تلتقطه العينان، فإنَّه في هذا المثال الأخير يعتمد على ما تلتقطه الأذنان ويستوعبه الفكر والجِنَان، حيث يُلخِّص درس الشيخ بيُّوض في هذه المناسبة الدينيَّة العظيمة قائلا:
مضى رمضانُ على أحسن ما يرام من دروس المسجد في تفسير «عبدُه» من «عمَّ» إلى «الغاشية» مع خلعه الثغرات في كثير من الأحيان إلى الميدان الذي يبدع الجولان فيه، إلى أن كان اليوم الأخير، فكان ممتازًا بوعظه الممتاز من بارحته إلى مسائه، فمن درس بديع ليلة العيد في تزكية النفس في قوله تعالى: {قَدْ اَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} فأظهر نتن النفوس الدنسة وأطال في الموضوع. ودرس آخر بعد ختمة السحر من صبيحة العيد في عمارة المسجد، وفي الطلبة الذين لا يعرفون المسجد إلاَّ في رمضان، وفي عدم محافظتهم على القرآن قولاً وعملاً. ودرس في تفسير سورة «الغاشية» وتسرب منه إلى من يهجر المسجد حتَّى في يوم العيد، ويأنفون من غشيانه، والوقوف جنبا إلى جنب مع عمَّاره، فهم يسعون إلى مجالسة الفسَّاق والسكِّيرين والقمَّارين، بتزلُّف الحكَّام إلى رؤسائهم، وبتجنب المسجد وكلِّ ما يتَّصل بالدِّين، وهم يعلمون أنَّ حكَّامهم أنفسهم يُكبِرون الأماكن المقدَّسة ويتباهون بعمارتها الخ الخ... فكان الدرس قاسيًا على حكَّامنا المساكين، ودرس عشيَّة العيد في وجوب المشاركة في الأعمال الوطنية بكلِّ الوسائل. وفي الليل سهرة ممتعة في دهليز الأستاذ حضر فيها كلُّ من تتمنَّى أن يحضرها سواك ... عوَّض الله لك بخير منها في القريب، وبالمجالس الدائمة في دار الخلد...» (33).
وبالأسلوب نفسه نقرأ له عدَّة رسائل في موضوعات ذات طابع سياسي، ولا سيما تلك التي تتناول الصراع المرير بين الإصلاحيين والسلطات المحلِّية الموالية للاستعمار من قيَّاد، وقضاة، وموظَّفين وغيرهم(34).
10 ـ المشاعر والمطالب:
بحكم العلاقة الحميمة التي ربطت بين الشيخين أبي اليقظان وعدُّون فإنَّ رسائلهما المتبادلة لتُلمَسُ فيها هذه المودَّة العميقة بينهما، وإنَّها لترقى إلى أخوَّة أصيلة، وصداقة مستديمة، لم تشملهما وحدهما بل تطوَّرت إلى أن تصبح علاقة أسريَّة ومحبَّة عائليَّة. ومن ثـمَّ نلاحظ كيف أنَّ الحواجز (البرتكوليَّة) ـ التي قد تكون أحيانا بين التلميذ وأستاذه، أو الشيخ ومريديهـ لم يعد لها وجود في هذه الرسائل إطلاقا، على أنَّ مسحة الاحترام والتقدير بين الرجلين ظلَّت تغطِّي هذه العلاقة، وتضفي عليها هالات من الوقار والجلال.
وأحسب أنَّ العمل الإصلاحي، والميدان الصحفي، والمجال التعليمي والأدبي كان له دور أساسي في هذه الرابطة المتينة التي دامت بين الشيخين إلى أن فرَّق بينهما الموت.
والذي يتتبَّع هذه الرسائل، ولا سيما المرسلة من الشيخ عدُّون إلى الشيخ أبي اليقظان، يشعر بهذا الدفء الحميم الذي يربط بينهما، يتجلَّى ذلك واضحا في المشاعر الفيَّاضة التي يحملها الشيخ عدُّون لأستاذه؛ وفي النموذج الذي سننشره ملحقًا بهذا البحث غُنية وغَناء لمن أراد الوقوف على أمثلة واقعيَّة.
ومن أمثلة التعاون الثقافي بينهما ما جاء في رسالة مؤرَّخة بـ: 13 محرَّم 1359 الموافق 23 فيفري 1940م حيث يقول:
«بلغني كتابكم الكريم وبطيِّه مقالة (للشباب) (35) الممتاز، فكنتم أوَّل من لبَّى دعوتنا، وخير من وفَّى، فالشباب يشكركم هذه المرَّة، ويُكبر اهتمامكم به ورعايتكم له، ويسجِّل هذا الشكر على صفحاته، فحيَّاك الله وبـيَّاك من أب رحيم، وأستاذ مخلص ومرشد نصوح. أمَّا الموضوع فهو «الحلقة المفقودة» في المواضيع؛ وكيف لا يكون كذلك ومُبتكرُه، والمعالج له هو من درس أطوار الشباب، وسبر غوره، وخبر مكامن الضعف فيه؛ حقَّق الله آمالكم فيه، ووفَّقه للعمل بإرشاداتكم وآرائكم الأصيلة».
وقد اتَّسعت دائرة المحبَّة بين الرجلين لتشمل أسرتيهما كم أشرتُ؛ فإذا حدث ما يستوجب التهنئة أو التعزية(36) أو المساعدة لم يبخل أحدهما على الآخر بذلك، وقد لمستُ في هذه الرسائل ذلك التعاطف والاهتمام. ولأضرب لذلك مثلا؛ فقد حدث يومًا ما عكَّر صفو الشيخ أبي اليقظان من تصرُّف قام به ابنه عيسى في حدود المطبعة العربيَّة، وسافر إلى القرارة، وترك عمله في المطبعة مُغضبًا، فما كان من الشيخ عدُّون والشيخ بيُّوض ولقمان إلاَّ أن سارعوا إلى رأب الصدع، والإصلاح بين الوالد وولده، ودلَّت رسالتان من الشيخ عدُّون على اهتمامه الكبير، اهتمامٌ يُشعرك أنَّ المسألة تهمُّه شخصيًّا.
وعندما رُزق الشيخ عدُّون بولده «محمَّد» أخبر شيخَه وبشَّره بطلعة الولد الذي ولد في ربيع الأنوار «في غرَّة الشهر الميمون بزغ في سماء جلالتي مولودٌ ميمونٌ سمَّيته محمَّدًا، وأرجو من المولى تعالى أن يوفِّقه لانتهاج منهج سميِّه، وأن يجعله قائدًا لجيش العاملين المجاهدين في سبيل إعلاء كلمة الله...» (37).
وما كان من الشيخ أبي اليقظان إلاَّ أن سارع بإرسال هديَّة إلى صديقه بهذه المناسبة. وكان الردُّ جميلاً رائعًا لا يدلُّ على الصداقة الوفيَّة وحسب، بل على فراسة الشيخ عدُّون في ولده وفلذة كبده، وكيف ربط بين الهديَّة والـمُهدِي والـمُهدَى إليه بأسلوب أخَّاذ وعبارات مؤثِّرة حيث يقول:
«... كانت هذه الكسوةُ طالعَ سعدِهِ، وشارةَ مجدِه، ودليلَ يُمنِه، فافخَرْ بها من حظوة حظِيَ بها في مستهلِّ حياته، وأكرِم بها من كرامة واتته منذ حداثته، فسيعرف لها ـ إذا مدَّ الله في عمرهـ شأنها وخطرها ويقدِّرها حقَّ قدرها، وسيعرف قيمةَ نفسه ومقامها الممتاز، ويتحقَّق أنَّه محلُّ رجاء وأمل عظيمين إذا عقل وعلم أنَّ أبا اليقظان في جلاله وشرفه وزعامته ومركزه الأسمى من الأمَّة راعى له ذلك، واعتبره وشرَّفه بهذه الكرامة، برهانا على هذا الاعتبار، فبارك الله فيك، وفي إحسانك وإخلاصك، وحقَّق آمالك، وأمدَّ في عمرك حتَّى ترى آمالك في هذا الكوكب البازغ محقَّقة بأقصى حدودها، وأوسع أطرافها...» (38).
أمَّا ما نعنيه بالمطالب فهي هذه الحاجات الضروريَّة التي تمثِّل تعاونا وثيقًا بين الرجلين في ميدان التعليم والصحافة بصفة خاصة(?)، فقد كان الشيخ أبو اليقظان بحكم وجوده في تلك الفترة بالعاصمة محطَّ قضاء حاجات المدرسة، والجمعية، والتلاميذ، وكانت المكتبة، ثمَّ المطبعة محطَّ ركاب الشيوخ والأساتذة.
ولكي نتصوَّر معاناة هؤلاء المشايخ إبَّان الأزمة الاقتصاديَّة، واشتداد خناق الحاجة أمامهم، يذكر الشيخ عدُّون في إحدى رسائله أنَّ الأزمة آخذة بالخناق إلى حدِّ (الزَّلْط) وأنَّ (التانبر) [ هكذا ] الذي أرسل به الجواب إنَّما أخذتُه سَلَفًا من أحد الإخوان!؟ (39).
يقول من رسالة في هذا الصدد:
«... أين مطالبنا فقد مسَّت الحاجة إليها، فالمدرسة في أزمة شديدة من جرَّاء الأضواء، فقد كادت تنشف أعين الأولاد من رداءتها، وكدنا نعطِّل الدروس من أجل ذلك، ليكن كلُّ ضوء مصحوبًا ببلارة أخرى للاحتياط، فقد تكسَّرت لنا واحدة فلم نجدها هنا ولا في غرداية، فتعطَّل الضوء، وكذلك بعض المنشورات، لا تنسى اليوميات وبقيَّة المطالب...» (40).
«... إليكم وصولات الجزائر نرجو من الأخ تعموت أن يتجوَّل بها لقبضها من أصحابها... وقد انعقد المجلس الإداري ورجا منه أن يقوم بالمهمَّة أحسن قيام، وفي أسرع وقت، فلا يخيب رجاءه، وليبادر بالقبض من اليوم فإنَّ الكيس أفرغ من فؤاد أمِّ موسى.. فأنجدونا من عندكم فقد قدَّمنا طلبا لنحو عشرين طاولة للمدرسة وليس عندنا شيء نسدُّ به الطلب، والنجَّار يطالبنا أن نسبِّق له شيئًا، وسنضطرُّ لتأخير قسم في المدرسة حتَّى تتهيَّأ (الطوابل) وهذه لا تأتي بغير (قَدُّور) فالرجاء الإسراع...»(41).
النموذ ج (1):
نموذج من رسائل الشيخ عدُّون إلى أستاذه الشيخ أبي اليقظان
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد.
القرارة 15 صفر 1352هـ = [أوت 1933م].
أستاذي العزيز، المجاهد ا لكبير، العلاَّمة الشيخ أبي اليقظان أيَّده الله ورعاه؛ السلام عليكم ورحمة الله.
سيدي استلمت مكتوبك الكريم، فإذا هو نفثةُ مصدورٍ، فرأيتُ فيه موقفَك أزاء الأمَّة وموقف الأمَّة أزاءك ، وإن كنتُ لأجهله من قبل، رأيتُ ما تُعانيه من أتعاب تشقُّ المرائر، وما تقاسيه من همٍّ ناصب في ليل بطيء الكواكب، من جرَّاء أمَّة نبهتك فنامت ملء جفونها، غير حاسبة لسهرك عليها حسابًا. وليس
-سيدي- هذا ببدع من أمَّة لا تزال حاسَّةُ الشعور فيها بالواجب ضعيفة أو مفقودة منها بالمرَّة، كما أنه ليس ببدع أن تبقى إلى اليوم ضعيفةً أو مفقودة إذ أننا حديثو عهدٍ بهذا النوع من الحياة، وأوَّلُ نافخ في بوقها هو أبو اليقظان بقلمه ولسانه، وبضعُ سنيه التي قضاها في هذه الدعوة - بقطع النظر عن مجهوداته السابقة إذ هي من نوع آخر- غير كافية لتنمية حاسَّة الشعور فيها إلى الحدِّ المطلوب، وإنَّ الحياة دبَّت في أُمم الشرق اليوم قد نفخ روحها جمال الدين الأفغاني منذ أكثر من نصف قرن؛ فأنت ترى أثر نمو هذه الروح بعد هذه المدَّة الطويلة، وهل الأمَّة الميزابية إلاَّ تلميذة في السنة الابتدائية، أستاذُها (وادي ميزاب) وخلائفُه؛ فكيف تريد منَّا بعد مضيِّ بضع سنين أن نشعر شعورَ من تتلمذ نصف قرن في مختلف المدارس، وأن نقوم بما يقوم به من واجبات، أو نقاربه أو نناصفه، فإذا وجدتَ من هذه الأمَّة بعد هذه المدَّة القصيرة من يعرف ما هي الجريدة - بقطع النظر عن العاملين المخلصين - ويقرأها ويقول لك: أحسنتَ، بارك الله فيك(42).. فأبشر بالنجاح وناهيك من ربح.
إنَّ أبا اليقظان في أمَّة -تداركها الله - كصالحٍ في ثمود، فلا توحشنَّه غربتُه،فهي شعار النبيين والصدِّيقين والشهداء والصالحين، وطوبى للغرباء.
إنَّ أبا اليقظان خُلق جنديًّا، وحييَ، وسيحيا إلى ما شاء الله جنديًّا وسيموت جنديًّا، وسيبعث لا جنديًّا ولكن قائدًا يجرُّ وراءه جنوده من أمَّته حاملا ًراية الجهاد أمامهم.
تساءِلُ أبو اليقظان مع من؟ ولأجل من يعمل؟ نعم هذه الأمَّة النائمة الغافلة الناكرة للجميل المستهينة بعظمائها، فإنَّ مثل هذه الأمَّة في ضعفها وجهلها وغفلتها هي التي تحتاج إلى مثل أبي اليقظان في عمله وصبره وقوَّة إيمانه وجهاده وغرابته (وغربته)، لو لم تكن أنت إياك وهي إياها لاستغنَت عنكَ ولتَبَدَّل موقفا كُمَا، وإنَّ من يعلم أنه خُلق ليشقى لتسعَدَ أمَّته، ويُهَان لتعِزَّ، ويبأس لتنعم، ويفتقر لتغنَى، ويتغرب لتتمدن، فلا يطمع في راحة أو نعيم، ولا يقول: «ولكن إلى متى؟!» فليدأب، وليصبر، وليرابط، حتَّى يأتي نصر الله {أَمْ حَسِبْتُمُ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَاتِكُم مَّثَلُ الذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَآءُ وَالضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولُ الرَّسُولُ وَالذِينَ ءَامَنُواْ معَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلآَ إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [سورة البقرة: 214].
اخْلِقْ بِذِي الصَّبرِ أَن يحْظَى بِحَاجَتِهِ ومُدْمِنِ القَرْعِ لِلأَبْوَابِ أَنْ يَلِجَا
إن من قال عن صدقٍ ويقين، وأثرُ المداد لا يزال رطبًا:
أنتِ يا أزمة ُعُودِي فَهُـنَا نفـسٌ قـويـة
تَستَمِدُّ العَونَ والتـَّو فِيـقَ بالـذَّات العلـيَّة
لجديرٌ بأن يتحمَّل كل بأساء وضراء، وبأن يتحمَّل أعباء الزعامة، ولا يسأم تكاليفها الشاقَّة التي تنوء بالعصبة أولي القوة، وإنَّ نفسًا قوية تستمدُّ العونَ والتوفيق من الله يستحيل أن يدعها الله تسقطُ في ميدان الشرف تنشحط بدمها، وإذا فرضنا المستحيل وإذا أراد الله أن ينتقم من هذه الأمَّة بإسقاط قائدها لا قدَّر الله فمن واجب هذا القائد أن لا يضع السلاح من يديه وينفضهما آيِسًا من صلاح هذه الأمَّة، إلاَّ إذا بقي وحيدًا في الميدان وانفضَّ من حوله كلُّ ساعد وكل مواسٍ، وإلاَّ إذا انسدَّت أمامه أبواب الرجاء بعد أن يُعييه طرقُها، وأبو اليقظان القوي النفس المتين الإيمان لم يبلغ هذه الغاية ولا قاربها والحمد لله، فإنَّ أبواب الرجاء مفتَّحة على مصاريعها، وإنَّ نصر الله قريب، وحوله مساعدين أقوياء، وعاملين مخلصين، ووراءه جنودًا مطيعة، والله من ورائهم يمدُّهم بقوَّته، ويلحظهم بعنايته.
قوةُ اللهِ إن تَوَلَّت ضَعيفًا تَعِبَت في مِرَاسهِ الأقوياءُ
ولا بأس بالاستراحة، والتربُّص، مدَّة شهر أو شهرين ريثما يصفو الجو، وبعد ذلك فلا غنى لنا عن ”نبراس“(43) نستضيءُ به في حوالك الخطوب ونهتدي به إلى سبيل الرشاد، على أنَّ هذه الاستراحة اعتبارية وإلاَّ فليس هناك استراحة، وإنَّما انتقال من ثَغرٍ إلى ثغر، ومن سِرجٍ إلى سِرجٍ، إن لم نقل أنَّ أتعاب هذا الأخير من حيث التحرير أشقُّ من الأول؛ ففيه إبداعٌ وأي إبداعٍ، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنَّ أسفله لمغدق، وإن أعلاه لمثمر، وكلاهما في المعالي مفرق، وكلاهما ضروريٌّ، فلا الأوَّل يسدُّ مسدَّ الثاني، ولا الثاني يسدُّ مسدَّ الأوَّل...
النموذج (2):
خلاصة وافية لدرس من دروس الشيخ بيُّوض
في المولد النبوي لسنة 1354هـ
...كانت ليلةُ المولد عندنا الفريدة الزهراء في سلك الليالي، فقد احتفلنا فيها بالمولد كالعادة، وامتازت حفلتُها عن باقي الحفلات بدرس الأستاذ بعد أن تَلَونا بعض القصائد، وقام إلى محلِّ الوعظ من سطح الجامع فتلا قصَّة المولد بصوت بهيج، واتبَعَها بدرس استغرق ساعةً ونصف، افتتحه بالتعريف بالليلة وحكمة احتفالنا بها وشيء مما أنعم الله به علينا فيها برسالة خير الخلق، وشيء من معجزاته وفي مقدمتها القرآن، وبوجوب التأسِّي به والتزام سنَّته وهجر كل ما ابتدع في الدين مما ليس منه، وتمرين النفس على قبول الحق ورد الباطل، ثم ذكر شيئا من صفاته صلى الله عليه وسلم البارزة ومن صفة الرجولة وإننا خلوٌّ منها تماما بحيث لا نجدها في حالة من أحوالنا كلها، ومن هنا تسرَّب إلى الداء الدويِّ الذي أُصِبْنَا به وهو الخوفُ والجزعُ والجبنُ أمام صدمات الباطل، والتقاعد عن إظهار الحق. وأعطى في الموضوع بسطة طويلة ونزل على رؤوس الذين يستمعون لإرجاف المرجفين فيخافون ويهلعون لأدنى إشاعة تلقى إليهم، بينما العاملون لا يأبهون لذلك مُقدِمُون في مهمتهم لا يثنيهم شيءٌ من ذلك؛ لا وعيد من سجن أو غرامة أو موت، إذ أن ذلك طريقة الرسول وصحابته، وأنزل الصواعقَ المحرقة على الوشاة الساعين بالمصلحين في إفساد إصلاحاتهم ومشروعاتهم، يعملون بكل وسيلة لإطفاء نور الله بإغلاق المدارس وحرمان الأولاد من التعلُّم وتصوير المصلحين لدى الدوائر بصورة أعداء للدولة مشوشين إلخ..وأن وشاياتهم ومساعيهم لا يزدادون بها إلاَّ حقارة ومهانة، ولا ينالون بها إلاَّ الخزيَ والعار، وإنَّ المصلحين يزدادون بذلك مضاءً وإقداماً وشجاعة، وشواهد التاريخ معلنة بذلك. ولم يترك ناحيةً حول الموضوع إلاَّ جاس خلالها، فكان يُلقي درسه في حماسٍ وشدَّة، والصحن مكتظٌّ رجالاً وأطفالا ونساء، فصوَّر الخونة في صورة كلابٍ أرجاسٍ في جلودٍ محشوَّة خبثاَ ورذيلة، ثم عرَّج على الشبَّان العاطلين المتخنثين المشتغلين باللهو والبطالة وإتحاف الهندام وتصفيف الطرر وقص اللِّحى، وبسَطَ في الموضوع بسطة ًطويلة، فكان لهذا الدرس صدىً كبيرًا في جميع الطبقات، فكانت ليلة زهراء، ورحمة في قلوب المؤمنين الصادقين، وليلة سوداء وعذاب في قلوب المنافقين...».
د/محمد صالح ناصر
الجزائر في 26 رجب 1426هـ
-------------------------
الهوامش
1 ـ حبَّذا لو تقوم دراسة أكاديميَّة بهذا الموضوع لأهمٍّيته.
2 ـ يذكر في إحدى رسائله (14 مارس 1935) أنَّه يقوم بتسجيل دروس الشيخ ولا سيما في التفسير في مذكِّرات خاصَّة يلخِّصها بعد ذلك. يقول: «ولي مذكِّرات أقيِّدها أثناء الدرس أستخلص منها أكثر الدرس بعد ذلك». ألا تدعونا هذه الإشارة المهمَّة إلى البحث عن هذه المذكِّرات لإكمال ما نقص من دروس التفسير ما قبل استخدام الآلة المسجِّلة للصوت.
3 ـ كانت له مذكِّرات خاصَّة يسجِّل فيها دروس الشيخ، ولاسيما درس التفسير الذي بدأ في فاتح محرَّم من سنة 1354هـ والأمر جدير بالبحث للعثور على هذه المذكِّرات في مكتبته.
4 ـ رسالة مؤرَّخة بـ: 9 جوان 1948.
5 ـ كان الشيخ أبو اليقظان فيما بين (1940 – 1948) مستقرًّا بالقرارة، ثمَّ غادرها لبعض الأعمال إلى العاصمة.
6 ـ الرسالة السابقة.
7 ـ نظرًا لطول الفهرست المخصَّص لرسائل الشيخ وموضوعاتها، فإنَّنا رأينا عدم نشره في هذا العدد لأسباب تقنية تتعلَّق بحجم الدورية، راجين المولى عزَّ وجل أن يرى هذا البحثُ بملاحِقِه النورَ في صيغة كتاب قشيب في أجلٍ قريب.
(لجنة التحرير).
8 ـ ملحق السير (ج الثالث) ص 445 (مخطوط).
9 ـ لم نهتد إلى هذا المقال المنشور في جريدة «الثبات».
10 ـ رسالة مؤرَّخة بـ : 25 أبريل 1935.
11 ـ لم نهتد إلى ما يقصد بالورقة الزرقاء.
12 ـ رسالة مؤرَّخة بـ: 21 محرَّم 1355 هـ / أفريل 1936م
13 ـ الإشارة هنا إلى مقال للشيخ بيُّوض صادر بجريدة «الأمَّة» عدد 58 بتاريخ (14/01/1936) عنوانه: «مسألة الصوم والفطر بالتلفون (كتاب مفتوح من بيُّوض إبراهيم إلى الشيخ محمَّد بن باحمد والشريف الأزهري)، وانظر الأعداد: 60، 61، 62 من «الأمَّة».
(?) ـ المنشور منها والموجودة الآن عدد صفحاتها.
14 ـ كانت هناك صداقة حميمية بين الشيخ أبي اليقظان ومحبِّ الدين الخطيب الداعية الإسلامي الشهير؛ وهو صاحب (الفتح) و(الزهراء) المشهورتين الصادرتين بالقاهرة، وكثيرًا ما أعادت (الأمَّة) نشر مقالاتها ولاسيما فيما يتعلَّق بمحاربة التنصير.
15 ـ رسالة مؤرَّخة بـ: 21 محرَّم 1355 هـ موافق [أفريل 1936].
16 ـ نشر هذا النشيد لأوَّل مرَّة بجريدة الأمَّة بعنوان: «هل تشعرين يا بلادي؟» ع 68 (31/03/1936) بإمضاء (أنا).
17 ـ تُراجَع القصيدة التي أُلقيت بنادي الترقِّي بهذه المناسبة يوم 12 جويلية 1939. وقد نشرناها بديوان أبي اليقظان، الجزء الثاني ص 39. تحت عنوان «الله أكبر حزب الله قد عظما» نشر جمعية التراث 1989.
18 ـ نشرت هذه القصيدة بجريدة الأمَّة ع 67، (25/3/1936) تحت عنوان: «الكون وربيع سنة» (1936)، وقد أصبح حمُّو بن محمَّد النوري شاعرًا ممتازًا، وله ديوان شعري ضخم (مخطوط) يتميَّز برقَّته وحداثته.
19 ـ رسالة مؤرَّخة بـ : 9 ذو القعدة 1354 هـ [1936].
20 ـ يراجع الأمَّة ع 126 (27/6/1937).
21 ـ رسالة مؤرَّخة هكذا (13 جوليت، دون ذكر السنة) غير أنِّي أقدر حسب بعض القرائن الواردة بالرسالة أنَّها تعود إلى بداية الثلاثينيات أي حوالي (1935) وما قبلها.
22 ـ رسالة مؤرَّخة بـ: 25 جمادى الثانية 1354 هـ [1936].
23 ـ رسالة مؤرَّخة بـ: 10 مارس 1940.
24 ـ انظر الهامش رقم (07)، في الصفحة الرابعة من هذا البحث. [ لجنة التحرير].
25 ـ رسالة مؤرَّخة: بريان ماي 1935م [1354 هـ]
26 ـ رسالة ضافية من خمس صفحات مؤرَّخة بماي 1935م. ومنذ هذه الحوادث اقترح حاكم غرداية العسكري على حاكم الأغواط أن يطلب من الولاية العامَّة بالجزائر لتسجيل اسم (بيُّوض إبراهيم) في دفتر (ب) وهو خاص بالمشوِّشين والمضادِّين للحكم الفرنسي في الجزائر. (ينظر كتابنا "الشيخ بيُّوض مصلحا وزعيما (قسم الوثائق).
27 ـ الإشارة هنا إلى زعيم المعارضة.
? ـ الإشارة هنا إلى ما أشيع بأنَّ عزَّابة وادي ميزاب أعلنوا البراءة من الشيخ بيُّوض لآرائه ومواقفه.
28 ـ لم نفهم ما دلالة هذه الكلمة.
29 ـ رسالة مؤرَّخة بـ : 25 أبريل 1935 = [محرَّم 1354 هـ].
30 ـ رسالة مؤرَّخة بـ: جمادى الأولى 1354 = [أوت 1935] يقول فيها وصفا لهذه الحالة «الأنظار مشرئبَّة إلى زقرير يسقي الأرض القاحلة، والآبار المعطَّلة، والنفوس الصادئة، والقلوب الآيسة، وقد بلغت الروح التراقي، وصارت عند الغلصمة ...».
31 ـ رسالة مؤرَّخة في 30 أوت 1937
32 ـ رسالة مؤرَّخة بـ: 23 شعبان 1358 هـ [1939].
33 ـ رسالة مؤرَّخة بـ: 03 شوَّال 1358= [1939].
34 ـ تراجع مثلا: رسالة مؤرَّخة بـ: فاتح محرَّم 1354 هـ. عند تنصيب خليفة جديد بالقرارة، وما جرى حول ذلك من صراعات
35 ـ الإشارة هنا إلى مجلَّة الشباب التي كان معهد الشباب يصدرها، وهي مشهورة معروفة.
36 ـ رسالة تعزية للشيخ أبي اليقظان مؤثِّرة بعد وفاة أخيه محمَّد مؤرَّخة بـ: 10 نوفمبر 1940. وأخرى في وفاة السيد الزيتون عمر بن إبراهيم بالبليدة مؤرَّخة بـ: 25 ماي 1956م.
37 ـ رسالة مؤرَّخة بـ: 15 ربيع الأنور 1354 هـ = [جوان 1935].
38 ـ رسالة تاريخها: 23 ربيع الثاني 1354 هـ.
? ـ مثل جمع اشتراكات الجمعية من أصحابها. ومثل شراء بعض مستلزمات للمدرسة كالكراريس، والطباشير ،والنشَّاف، والإتيكات، والمصابيح، والدويهات، وحتَّى كرة القدم، أي والله كرة القدم في هذا الزمن المتقدِّم!. وكان السيد عيسى تعموت هو المكلَّف غالبا بهذه الأشياء.
39 ـ رسالة مؤرَّخة بـ: 7 أكتوبر 1937.
40 ـ رسالة مؤرَّخة بـ: 20 ديسمبر 1939م.
41 ـ رسالة مؤرَّخة بـ: 23 شعبان 1358 [1939].
(42) ـ يشير هنا إلى مقال صدر بجريدة «البستان» عنوانه: «أي بارك الله فيك» «سخرية ممن يكتفي بالشكر دون المساعدة الفعلية».
(43) ـ الإشارة هنا إلى جريدة «النبراس» التي كانت تصدر أثناء كتابة هذه الرسالة خلفًا لجريدة «البستان» ذات الطابع الفكاهي، وقد صدر منها عشرة أعداد.
نشر المقال بدورية الحياة، العدد: 09، 1426هـ/2005م، ص117.