معهد الحياة.. ثمانون عاما من العطاء
(1343هـ/1925م ـ 1426هـ/2005م)
أ/ عيسى بن محمد الشيخ بالحاج
أستاذ بمعهد الحياة ـ القرارة ـ
الحمد لله الذي أشرقت بنور وجهه الظلمات، واستنارت بفيض سناه السماوات، وخضعت لجلال سلطانه الكائنات، وازدانت بقبس هديه النفوس المطمئنات، يرفع الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات، يخلق ما يشاء ويختار، ويصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس، وأصلي وأسلم محبا متيما، على من بعث للناس معلما، ولمكارم الأخلاق متمما، ولشتات الأمة ململما، الرسولِ الأمي الذي لولاه لم تزل الدنيا عدما، محمدِ بن عبد الله القائل دوما، صدقًا من الحديث وبلسمًا: «العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورَّثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر»، وأثني على خير القرون، والثلة الأولين السابقين، من الأنصار والمهاجرين، الذين اختارهم ربُّ الخلائق لآخر رُسله صحبةً وبناةً، ولخير أممه نجومًا وهداة. فكانوا خيَر من ابتغوا إلى ربهم الوسيلة، وصفوةَ من زينوا سماء الفضيلة، وجاؤوا من الخيرات بكل جليلة، والذين لو أنفق أحدنا ملءُ الأرض ذهبا ما بلغ مُد أحدهم ولا قليله.

أيها الملأ الكريم من قومي السراة، ويا حظوةَ الأمة الأباة، ويا صفوةَ الأحبة الهداة، ويا أبناءنا الأعزة الأبرار، وفلذات أكبادنا الأطهار، ويا خلفنا الصالح بعد طول أعمار، سلام عليكم تكنه الجوانح من رب غفور، ورحمة شاملة تحفها المدائح من برّ شكور، وبركة سابغة تذروها الصفائح من قوي قدير، في ذكرى يوم غابر من أيام الله، وحدثٍ باهر قضى في ملكوت الله، يوم أضاء فيه وهاجا مشعل الهداية في القرارة، وارتفع فيه سراجا مصباح الرشاد والطهارة، واهتدت بالاقتباس من مشكاته نفوس حيارى، واستنارت بسنا نوره القلوب مرارا، وسارت بعاطر ذكره الركبان، وشدت إليه الرحال من كل البلدان. إنه يوم تأسيس معهد الشباب، أو معهد الحياة، بله معهد الشيخ بيوض ومعهد الشيخ عدون، الذي جرت مراسيم افتتاحه قبل اثنتين وثمانين سنة وبالتحديد يوم الجمعة 28 شوال 1343 هـ الموافق ل 21 ماي 1925مـ في وليمة أقامها الشيخ بيوض رحمه الله في داره، تقدمتها ختمة للقرآن، حضرها أعضاء حلقة العزابة، وأعيان البلد وأبطال الحركة الإصلاحية. كما نصّ على ذلك فضيلة الشيخ عدون رحمه الله في الصفحة 54 من كتابه معهد الحياة نشأته وتطوره الذي خصصه لتاريخ مراحل تأسيس المعهد.
ويقول المؤرخ العبقري الكبير الشيخ محمد علي دبوز في كتابه القيم «نهضة الجزائر الحديثة» الذي أرَّخ فيه للحركة الإصلاحية بكل دقة وأمانة في الجزء الثالث صفحة 16: «وكان ميلاد المعهد في الربيع في شهر ماي، فولد مع الزهور الفواحة، والعراجين المباركة، ومع شباب الدنيا الذي يجددها ويورثها حسنَها ونتاجَها، فازدانت النفوس تفاؤلا بميلاد المعهد، في يوم الجمعة المبارك، في شهر العيد، في موسم الربيع، وشعَر الطلبةُ بالعيد الأكبر، هذا اليوم العظيم الذي يتحقق فيه أمل من أعظم آمالهم، فينفتح هذا المعهد العظيم الذي رأوه أوسع باب للمستقبل الزاهر الذي يرجونه لدينهم وأمتهم». اهـ
وإننا إذ نقوم في ذكراه اليوم احتفاء بهيبته، واحتفالا بأوبته بعد اثنتين وثمانين حجَّة، فلأنَّ إشراقته كانت علينا حُجَّة، وطريقته صارت لنا محجَّة، نسلكها كما سلكها سلفنا طائعين، نبتغي بذلك النجاة يوم ترجُّ الأرضُ رجًّا. معهد وضع قواعدَه سلفٌ صالح، وصنع فرائدَه جيلٌ فالح، ورفع مقامه نشْءٌ ناصح، ابتغاء ما عند المولى من أجر طافح، لا يغريه إقدامًا ثناء مادح، ولا يثنيه إحجاما عواء قادح. لأنه آمن يقينا صادقا أنَّ معهدهم هذا وريثُ أمجاد تقدمته، وحفيدُ معاهد سبقته، فهو امتداد لمعهد الشيخ الحاج عمر بن يحيى نور القلب، والذي هو فرع من معهد علم الأمة الفذ الشيخ محمد بن يوسف اطفيش القطب، الذي يستمد وجوده من معهد الشيخ محمد بن بكر بن أبي بكر الفرسطائي واضعِ نظامِ الإمامة الصغرى في المغرب، والذي يضرب بجذوره عميقة في تاريخ المذهب، ليصل إلى معهد أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة في غار البصرة على شط العرب، ومن ثم فهو موصول الأحقاب، موثوق الأسباب بمدرسة الرسول الأعظم محمدٍ صلى الله عليه وسلم، منها يتفجر نبعه، ويستمد فيضه، ويجدد قوته، ومنها يمتص رحيق الإيمان، ويرضع لبان التقوى في كل آن، ويستلهم سبيل الرشاد مدى الأزمان، إنه بحق يومُ عيد سعيد سعدت بطلعته السماوات، وفجرُ قوم مجيد شعت أنواره في الخافقات، وخبيئةُ عمل صالح ابتغته النفوس المؤمنات، فـغدت لهم ذكرا حسنا في الباقيات ولسانَ صدق في الخالدات.
معشر السادة النبلاء، ويا ثلة الإخوة الأساتذة الفضلاء، ويا جمع أبنائنا الطلبة الأعزاء:
إنكم وإيانا جميعا نتقاول في سريرة، ونحن وأنتم كلنا نتساءل في حيرة: ما بال القومِ اليومَ في وُجُوم، ولِم الجمعُ تغشاه مسحة من الغموم، ولم المكان تظلله سحابة من الهموم، ولم البسمة لا تفتر بها زاهية شفاه الحاضرين، ولم الألحان لم تنطلق بها شادية أفواه المنشدين؟
إيه معشر الأكرمين إنها الذكرى في الميعاد تُقام، لعزيزٍ افتقدناه على فاقة منذ أيام، ومدير واكب المعهد مرابطًا منذ أن قام، وراعيا ظلَّ مسجيا لنا على الدوام، طواه الدهر في جدث، وأبقانا بعده في عنت، وقلوبنا شوقا إلى لقياه في لهث.
إي وربي إنه ذلكم الذي بذكره تنزل الرحمات، وبدعائه تحُل البركات؛ من صدَق فيه قول الحبيب المصطفى: «خيارُكم من ذكَّرَكم بالله رؤيتُه، وزاد في علمِكُم منطـقُه، ورغَّبكم في الآخرة عملُه». إنه الأب الشغوف، والمدير العطوف والشيخ الألوف «سعيد شريفي الشيخ عدون». عدون في مراقد العدناء، شريف في مراصد الشرفاء، سعيد في مقاعد السعداء.
فكيف يطيب اللقاء دونك يا سعيد، وكيف تسكن النفوس بعدك يا شهيد، وقد كنت في عمرك المديد دوما لنا الأملَ البعيد، ولا زلت حتما في الأفقَ الفجر الجديد، والسراجَ الذي ينير الدرب في اليوم الشديد، وأنت القائل في آخر كتابك الذي ألَّفته عن معهد الحياة بعد أن عشت ثمانين حولا، وقد وهن العظم منك، واشتعل الرأس شيبا، ولكنك لم تسأم الحياة ولم تكن بدعاء ربك شقيا: «تلك نتائج المعهد في ماضيه وحاضره، فماذا أعددنا لحياته المقبلة التي نرجو أن تكون أوفى وأسعد وأطيب وأزهر، وأن تكون ممتدة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ماذا أعددنا من أبنائنا إذا أردنا لهم السعادة الحق، وماذا أعددنا من إمكانياتنا إذا أردنا أن نكون مجتهدين في سبيل الله، هل نحن على استعداد للتضحية ببعض ما ضحى به سلفنا من المؤسسين والمرابطين في هذا المعهد؟؟؟» اهـ.
كأنَّ بني نبهان يومَ مُصابِه .:. نجومَ سماءٍ خرَّ من بينهـا البـدرُ
كنا كأنجم ليل بينها قمـر .:. يجلو الدجى فهوى من بينها القمر
ألا رحماك أبانا، لكم كنت ظلا على القوم ظليلا، ويا بشراك مديرنا لكم حنوت على النشء عطفا جزيلا، وسقيت البنوة ماء الحياة سلسبيلا، ويا سعداك مولانا لكم أسديت إلى المحفل رأيًا جليلا، وتحمَّلت مما تنوء به أولو العصبة من القوة عبئا ثقيلا. لقد كنت الملاذ في معترك الأهواء، والفصل في مشتجر الآراء، والبلسم في موضع الداء، فيا سماء ما طاولتها سماء، ما كانت تصدر إلا عن ضوئك الأضواء.
ذَهبَ الصوابُ برأيِهِ فكأنَّما .:. آراؤُه اشتُقَّـت من التأييد
فإذا دجَا خطبٌ تبلَّج رأيُهُ .:. صُبحًا من التوفِيقِ والتأييد
فهل نرى لك من باقية، تكون لنا من بعدك واقية، ولأسقامنا من نفثك راقية، ولعطاشنا من وردك ساقية. هذا الذي تهفو إليه نفوسنا، وترنو إليه قلوبنا، وتسعى إليه جموعنا، مستمسكة بحبل الله المتين، معتصمة بنور كتابه المبين.
إذا ذكرتك يوما قلت واحزنـا .:. وما يردُّ عليك القول واحزنـا
يا سيدي ومزاجَ الرُّوح في جسدي .:. هلا دنًا الموتُ منِّي حين مِنكً دنـا
يا أطيًبً الناس روحًا ضمـَّهُ بَدَنٌ .:. أستودعُ الله ذاكَ الروح والبَدَنـا
لو كنتُ أُعطَى به الدُّنيا معاوَضَـةً .:. منهُ لما كانَت الدُّنيـا له ثَمَنَـا
أيها الأحبة الأكرمون:
قد يبدو لمن لا يستمطر الأخبار أنَّ إقامة هذا الحفل في مثل هذا اليوم كان أمرا عجيبًا، ولمن يجهل تاريخ ماضيه أن إقبال القوم إلى مثل هذا المقام بات شيئا غريبا، وقد يراه من لا يعي من قدر الله شيئا أنه كان من قبيل المصادفة لا أمرًا رتيبا، و يشتدُّ التساؤل إلحاحا، لِمَ اختير اليوم الثامن والعشرون 28 من شهر شوال ليحيي أساتذةُ وطلبةُ معهد الحياة فيه ذكرى مديرهم فضيلة الإمام الشيخ عدُّون رحمه الله؟ ولِمَ كان الجمعُ بين الذكرى الثانية والثمانين لتأسيس معهد الحياة، والاحتفال بمدير معهد الحياة؟ أوليس الأفضل أن يفصل بين الذكريين فتُخصَّ كل منهما باحتفال مستقل يخلد كلا المعلمين بما يليق به، وتشيد بما يجدر به؟
و لكن يا معشر الإخوة الألباء، ويا حظوة البنوة النجباء، هل يوجد فرق بين مؤسَّسة معهد الحياة ومديره الفذ الشيخ عدون؟ أوليس معهد الحياة هو الشيخ عدون والشيخ عدون هو معهد الحياة، ألم يرتسم هذا التزاوج في ذاكرة كل من انتسب يوما إلى هذا المعهد العتيد، وتعرف على هذا المدير الفريد، الذي تغلب على نفسه صفة الأبوة الحانية على سلوك الأستاذية الصارمة؟ أوليس الفصل بينهما كالفصلِ بين زوجين، والقطيعةِ بين حبيبين؟ والتفرقةِ بين شِقَّين؟ وإنه لعمري قد لا ندرك نحن الأحفاد، الذين لم نعش مرحلة شد الأوتاد، قداسة هذه الحقيقة، وروعة هذه الصلة الوثيقة، ولكن يدرك ذلك من كان يقف فارعا بالمرصاد، أو يشتد بارعا في الجهاد، أو يتابع البحث مستقصيًا في عناد.
فهذا الدكتور محمد صالح ناصر أحد أفذاذ خريجي معهد الحياة، وأخلصِ طلبة مدير معهد الحياة، يقول في الصفحة 6 من المقدمة التي صدر بها كتاب «معهد الحياة نشأته وتطوره»: والواقع لا نُعَدُّ مبالغين إذا قلنا إن فضيلة الشيخ عدون هو العمود الفقري لهذه المؤسسة التعليمية في كل مراحلها التي مرَّت بها، فهو المخطِّط، والراعي، والموجه، والمنفذ ماديا وأدبيا، فهو أحد الذين وضعوا حجر التأسيس في بنائه، وتابع بناءه بنبضات قلبه، وحبات عرقه، ولم تغفُ عينه عنه لحظة من ليل أو نهار. وإن الخصال العالية التي يتحلَّى بها بوَّأته ليكون بحق المعلمَ القدوةَ إخلاصًا وانضباطًا، حزمًا ونظامًا، جدا واجتهادا، أعطى لهذه المؤسسة كل ما يملك من نفس ونفيس، حتى غدت جزءًا من نفسه، وكائنا حيا، الشيخ عدون أحد أسمائها».
أما المؤرخ الإسلامي الكبير الشيخ محمد علي دبوز الذي عايش مراحل نشأة المعهد وتطوراته طالبا وأستاذا ومؤرخا وباحثا فيقول في كتابه «نهضة الجزائر الحديثة» الجزء 3 الصفحة 28: «وكان مع الشيخ بيوض في هذه الخصائص ناظرُ المعهد في أطواره الأولى، ومديرُه بعد ذلك، أستاذُنا الجليل الشيخ عدون بن بالحاج، إنه الذراع الأيمنُ للشيخ بيوض في جهاده العلمي، وفي بناء المعهد وتسييره، ولقد أحبه التلاميذ كلَّ الحب، وتفتحت له نفوسهم فانصاعوا لمواعظه، ولازموا صراطه المستقيم الذي يأمرهم به، وهو من الأسباب الكبرى في نجاح معهد الحياة في التربية، فلولاه لتعب الشيخ بيوض، وكانت نتائجُ المعهد أقل، وعمرُه أقصر، وشبابُه وصعودُه أقلَّ بكثير مما هو الآن».
و يقول في الجزء 2 صفحة 202 من نفس الكتاب: «من جزاء الله العظيم للشيخ بيوض على حسن نيته وعمله لوجه الكريم أن وهب الله له الشيخ عدون بن بالحاج، فكان من الطلبة الأولين في معهده، وهو ممن سعى في إنشاء معهد الحياة، وألحَّ على الشيخ بيوض في إنشائه، وهو أكثر اختلاطًا بالطلبة لأنه ناظرُ المعهد، يرابط فيه كلَّ أوقاته، ويمتزج بالطلبة معظمَ النهار والليل فتأثروا به، وهو من أكبر أسباب نجاح الشيخ بيوض في التربية والتعليم، فلولاه لعظمت أثقاله في المعهد فلا يستطيع أن يتفرَّغ في جزء كبير من وقته لقيادة النهضة ومشاكل الإصلاح. وإن ما يشدني إلى هذا المعهد العظيم فآثرته ميدانا للجهاد في سبيل الله، لنيل رضا الله أسباب كثيرة قوية، منها قيام الشيخ عدون بإدارته.... إنه من أكبر أسباب تقدُّم معهد الحياة وازدهاره في كل عهوده، ولا زال نشاطُه فيه وطموحُه في شبابه وهو في شيخوخته. وإن هاتين الشخصيتين العظيمتين شخصيةَ الشيخ بيوض وشخصيةَ الشيخ عدون من أكبر العوامل التربوية في المعهد.»اهـ.
وأعتقد أنّ أصدق ما يبرز هذه الحقيقة التاريخية شهادة محتفانا اليوم نفسه وهو يقول في صدق وتواضع متحدثا بنعمة الله في مقابلة خاصة: «إن أحسن عمل أتقرَّب به إلى الله تعالى هو سعيي وأثري في تأسيس المعهد، وأعتقد أنه لو لم أكن حاضرا يوم ذاك الوقت لبقيت حالة التعليم على حالها جيلا أو أكثر ».
ويزيد بيانا في الصفحة 41 من كتابه «معهد الحياة»: «وكان المراقب (الشيخ عدون) الباعثُ لهذه الحركة والمسيرُ لها الشخصَ الوحيد الذي يهتم بهذه الجلسات وتحديدِ مواعيدها وتعيينِ أماكنها، ويتولى دعوة المشاركين فيها، وكم كان يعاني في ذلك من همٍّ وجهد وعناء، وكم كان يلاقي في سبيله من موانعَ وعراقيلَ ومماطلات».
ويؤكد على هذا الإقرار زعيم الأمة بحق ومؤسس الحركة الإصلاحية ورائدها بصدق الشيخ بيوض رحمه الله بقوله: «إن كلَّ ما أنجزته من أعمال في الميدان التربوي والاجتماعي يعود الفضل فيه إلى الشيخ عدُّون، ومن ثمَّ كان يوصي في كل مرة يُجدد فيها مكتبُ جمعية الحياة: غيروا من شئتم إلا الشيخَ عدُّون».
أما رفيق المحتفى في النهضة القرارية، عميد الصحافة الجزائرية، وشيخ البعثات العلمية الشيخ أبو اليقظان رحمه الله، فيسهم بشهادته في حق الشيخ عدون فيقول:
«كان الشيخ عدون من تلاميذ الشيخ بيوض وملازميه طول حياته إلى أن صار يدير باقتدار معهد الحياة، فتخرج منه تلاميذ نبغاء بارعون في كل الميادين، أوتي حظًّا موفورًا من الخلق الكريم، من تواضع وصبر وثقة بالله واتكال عليه وتقوى له وإيمان به، وعزة نفس وهمة عالية ولين عريكة وحسن نية وصفاء قلب وصدق وإخلاص وورع وزهد ومحافظة على سمت السلف الصالح وحزم وعزم واقتدار على ما يُناط به من المهام بأمانة، وجِدٍّ لا يعرف كللا ولا مللا، ولا سأما ولا تململا في مبدئه، وهو بارع إذا كتب لا سيما في المواضيع الاجتماعية والأخلاقية، ويرجع إليه الفضل في تحرير افتتاحيات جرائدنا خصوصًا وادي ميزاب، المغرب، النور، الأمة، والذي يذيل مقالاته بإمضاء «سعيد» فقد ساعدنا بذلك جزاه الله خيرًا مساعدة جليلة.
وتعجبني شهادة غالية نقلها الدكتور صالح الخرفي خريج معهد الحياة، وحِبُّ مدير معهد الحياة، وأحد فحول الشعر العربي في العصر الحديث في كتابه «من أعماق الصحراء» عن الدكتور عبد الكريم خليفة رئيسِ مجمعِ اللغة العربية الأردني بعمَّان تظهر شراسة المعارك التي نشأ في وسطها معهد الحياة والجهود التي بذلها مَن كانوا على قيامه ساهرين، إذ قال:
«معهد الحياة، أحد حصون العربية في مغرب الوطن العربي، حمل لواء العربية لغةِ القرآن الكريم، ونازل الغزاة المستعمرين الذين حاولوا القضاء على هوية الشعب الجزائري البطل، وذلك من خلال محاربة العربيةِ والقضاءِ عليها في صدور أبنائها وعلى ألسنتهم، فخرج هذا الحصن العلمُّي بحمد الله وتوفيقه، وبجهود مؤسِّسيه، والعاملين فيه، من الجلة العلماء ظافرا ترفرف على أسواره رايات النصر، كما رفرفت على حصون العربية لغةُ العروبة والإسلام في أرجاء الوطن العربي» اهـ.
فما زادت شدة المضايق للنفوس إلا نباتا، وما زادت ضراوة المعارك للبنيان إلا ثباتا. ولكأني بأبي الطيب يعنيهم يوم رفع عقيرته مادحًا سيف الدولة وهو يبني قلعته على تخوم الروم وقد حمي الوطيس، وجاد الجند بالنفس والنفيس فقال:
بنَاها فأعلى، والقَنَا يقرِعُ القَـنَا .:. ومـوجُ المنـايَا حولَها متلاطِمُ
أتـَوكَ يَجرُّون الحديدَ كأَنَّمَـا .:. سَـرَوا بِجِـيادٍ مَا لَهنَّ قوائـِمُ
فكيف ترجو الرومُ والرُّوس هَدمَها .:. وذَا الـطَّعن أساسٌ لها ودَعَائِم
كما أن اختيارنا هذا اليومَ لإقامة هذا الاحتفالِ إنما نريد به تخليدَ ذكرى مديرِنا الشهيد خلودَ معهد الحياة العتيد، فتكون ذكراه متجددة في الأذهان ما وطأت قدما عبد رحابه الطاهر، ونهل من معينه الغامر، فيصير ذكره في القلوب مرتبطا بحدث روحي كبير، ارتباط ذكرى الإمام الشيخ بيوض رحمه الله بيوم ختم التفسير، وهو أعظم يوم له في حياته ولا مراء، وأجل مأثرة له في جهاده ولا افتراء، فالمؤسسات تبقى والأشخاص تفنى.
على أن الشيخ عدُّون لم يكن دوره مقتصرًا على مرحلة تأسيس المعهد فقط، بل كان المطور لكل أنظمته الإدارية، وبرامجه التعليمية، وأنشطته الثقافية، فهو المؤسس لجمعية الشباب ناديا أدبيا يتبارى فيها الطلبة على المنابر شعرًا ونثرا، وهو المؤسس لجريدة الشباب التي يتفانى فيها الطلبة على المحابر كتابةً ونشرًا، وهو الوحيد من بين مؤسِّسي المعهد العتيد الذي رابط أطول مدة فيه مدرسا ومراقبا ومديرا، والوحيد ممن مدَّ الله في أنفاسه فدخل العشرين السادسة ليضع بيده الشريفة الحجر الأساسي لمبنى المعهد الجديد، وقد تجاوز من العمر قرنا، فحاز بذلك فضل الحال المرتحل، ويشاء اللطيف الخبير أن يكون آخرَ عملٍ يقوم به الشيخ عدون في حياته تفقُّدُ «مشروع الحياة»، قبل يومين من وفاته، لينام قرير العين، وقد صحب معه الصورة المستقبلية، والنظرة المتفائلة مرتسمةً في هذا المشروع الناشئ الذي به ضمان استمرار السعادة لمن بعده في الحياة.
أيها المحفل الكريم إن تخليدكم هذه الذكرى في يومكم هذا وشهركم هذا وعامكم هذا وفي بلدكم هذا ليفتح للنفس الطموحة مجالا رحبا لحديث الأيام، ويفتق الذهن بأفكار جياشة تستحق منا كل إطناب في الكلام، وتستوجب على كل وفيّ رضع الحياء، وكرع الولاء، ورتع الوفاء أن يقف سرمدًا موليا وجهَه شطر من كانوا له سببًا في الحياة، داعيا لهم بحسن المثوبة وكامل الجزاء، ومنشدًا في غير منَّة ملحمة الخلود، مردِّدًا في غير تكتُّم سيرة غابر العهود، التي عاشها في مض وتعب خيرة الجدود، فكانوا في الوغى صائدي الأسود.
فَصَارُوا دُيونًا للمَنَايَا ومَن يَكُنْ .:. عَلَيه لَهُم دَيْنٌ قَضَاهُ عَلى عُسْـرِ
فَحسبُكَ مِنهُم مُوحِشًا فَقْدُ بِرِّهِم .:. وَحسبُكَ مِنهُم مُسلِّيًا طَلَبُ الأَجْـرِ
ولكن أنَّى يتسنى ذلك الآن والوقت لا يسمح بالمزيد، والكلام مشاع لمن يريد، فحسبي أني قد بلغت من القصد ما أريد، وفي فرصة أخرى سانحة سأعود، إن أنسأ الله في الأجل وقدر بعمر مديد.
غير أني وفي نهاية الكلام، وقبل أن أترك المقام، أريد أن أعرض عليكم جوهرة ثمينة تشيع ضياء لأولي الألباب، استخرجتها من أعماق جريدة الشباب، التي شن الطلبة عليها الإضراب، حتى دسَّاها في الرفوف التراب، فكاد أمرُها أن يؤول إلى يباب، وعلى أنفسنا نلقي بكامل اللوم والعتاب، إنها مقتطفات من مقال كتبه المدير بخطِّ يمينه قبل ثمانين عاما وبالتحديد يوم 14 شعبان 1445هـ/ 17 فيفري 1927م فاسمعوا إليه في اهتمام: «...إنني أجد في نفسي انشراحًا وارتياحًا لا يوصفان إذا رأيتكم في سُلَّم النجاح ترتقون... وللناس فيما يعشقون مذاهبُ، ومذهبي في العِشق نجاحُكم وسعادتُكم... لا يستقرُّ بيَ قرارٌ ولا يطيبُ ليً مقعدٌ إلا مقعدي أمامَكم أستمطرُ عليكم سحائب فكري لإخصاب أرضكم وانتعاشها... إذا علمتم علم اليقين أنَّ ذلك منِّي صدقُ وودادُ، وإخلاص لا تشوبه شائبة رياءٍ وغرضٍ نفساني، وكنتم ممَّن يقر بالإحسان ويعترف بالجميل فإنكم تسارعون في مجازاتي، وتتساءلون عن جائزة تليقُ بي فتمنحونيها جزاءً لخدمتي، وشكرًا لما قمتُ به نحوكم؛ وهنا يجب علي أن أرشدكم إلى الجائزة التي تجازونني بها؛ إذا جئتم بها فقد قمتم بواجبكم وكنتم من الشاكرين ألا وهي العمل بما أقول لكم...
أولا: الإتحاد: لقد تفتَّحت عيونكم في عُشٍّ واحد، ورضعتم من ثدي واحد، وحلقتم في جو واحد، ورتعتم في روضة واحدة، فعضوا على هذه الوحدة بالنواجذ.
ثانيا التخلي عن رذائل الأخلاق كالحسد والحقد والكذب والاحتقار والاستئثار، والتحلي بفضائلها كالحلم والصدق والكرم والنصح والأخذ بيد العار والإيثار.
ثالثا: التفاني في سبيل مهنتكم والتفرغ لها والمثابرة عليها بكل جد، من غَير ضجر ولا ملل، فآفة العلم هي الملل، ومن يعرف المطلوب يحقر ما بذل.
رابعا: صرف الشطر الأكبر من وقتكم في شحن أدمغتكم من مختلف الفنون بقدر استعدادكم ومواهبكم، وفي الاعتناء بالحفظ ومطالعة نفائس الكتب.
خامسا: أرفع أكف الضراعة بالدعاء إلى الله وأبتهل واضرع إليه أن يمدكم بروح منه، ويسدد خطاكم ويلحظكم بعين عنايته، ويوفقكم لما فيه رضاه إنه سميع مجيب».
إيه يا شيخنا المرحوم، ويا أبانا الرحيم، كم كان الرجاء فيك حثيثا لحضور يوم التمام، وكم كان الأمل فيك صادقا لشهود الحفل يُقام، وأنت تدشِّن بيمينك المباركة هذا الصرح العلمي الهام، وتدلف بقدمك الطيبة عتبة هذا الـمَعلَم الديني السامْ، الذي وضعت أسسه في العشرينيات، ورفعت قواعده من جديد وقد تجاوز العمر منك مائة عام. بركة في العمر تالدة، وخَبِيئة من العمل رائدة، زاد ادخرته للخالدة، فنم إلى جوار الصحب آمنا، واستمتع بصفو النعيم في رياض القبر مطمئنًّا، ولتقرَّ عينك بما قدمت، ولتهنأ نفسك بمن خلَّفت، فذكرك صار عمرًا ثانيا في الخالدين، وحمدك أضحى لسان صدق في الآخرين.
ولئن لم يكتب لك شيخَنا حضورُ ذلك اليوم الموسوم، والبقاءُ إلى ذلك الوقت المعلوم، وقد عالجك الأجل المحتوم، وغادرتَ وفي نفسك لهفة وهموم، فثق بأنا على العهد ذائبون، وعلى الدرب باقون، وعلى المشعل محافظون، وللراية السمحاء مُعلُون، وللسيادة القعساء ماضون، وسيكتمل بإذن الله شموخ هذا الصرح، وستـعلو منارته فوق السطح، و سيُنشد أبناؤك الجنود بلحن شجي لحن الخلود، ويؤوبون بصوت ندي أنشودة الحفاظ على العهود، وسيردِّد المعهد صدى اللحن، وترجع الجبال مدى الصوت، فيغشاك لحنًا سنيًّا في قبرك وقبر من تنام بجواره زعيم الأمَّة الشيخ بيوض، وصنوه الشيخ أبي اليقظان، وكل من يرقب بعين بصيرة مسيرة هذا المغوار، ويتابع درب هذا المشوار؛ فالهناء الهناء لك شيخنا، والسعادة السعادة أبانا، لقيانا معك في دار الخلود، هناك يحلو السمر ويطيب السهر في الرياض مع الحور، فتعج الأفئدة بالشكر أبد الدهور.
معهدَ الرُّشدِ لا عدِمتُك صدرًا .:. كم رَعى نَاشِئًا، وأيقَـظ ذِهنَـا
أنتَ في شَاطِئِ العُلُوم مَنَارٌ .:. أنتَ في بَحرِهَا اللآلِئُ تُجْنَى
مُذ ثَمَانِينَ وَالمرَاكِبُ تَرسُـو .:. سُفُنٌ تَختَفِـي فَتحْضُـنُ سُفْنَـا
مَعهَدٌ للشبابِ كُنتَ ومَا زِلتَ .:. شبَـابَا والعُمرُ أوشَـكَ قـرنا
عَدُّونُ ما أنتَ الموسَّدُ في الثَّرى .:. بل أنتَ في دارِ الخُلدِ الخَالِدُ
وَليتَ المنيَّة إذ فَدَت عُمْرًا بِخَارِجَةٍ .:. فَدَت سَعيدًا بِما شَاءَت مِنَ البَشَر
فحفل مبارك أيها المحفل السعيد، وعمر طويل في حسن عمل مديد، وعهد صادق ينفضُّ عنه الجمع رشيد، ويقين تثبت به الأقدام على الصراط والبصر يومئذ حديد، ورضوان من الله أكبر ما نرجو بعده من مزيد.
{وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُومِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّـئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}(التوبة/105).
القرارة يوم الاثنين 30 شوال 1425هـ
13 ديسمبر 2004م

نشر المقال بدورية الحياة، العدد: 09، 1426هـ/2005م، ص254.

اسم الكاتب