شوارد أفكار جالت بخاطري لما تلقيت رسالة من ولدي يروي فيها أحواله وهو يتخطَّى عقبة يصعب تخطِّيها على الكثيرين من أمثاله الطلبة، وذلك صعوبةُ اختياره للجامعة والشعبة...
فكتبتُ إليه الجواب؛ منه أقتطف بعض ما جادت به قريحتي من نصائح، أهديها لكل شاب مسلم رجاء أن ينتفع بما هو صالح فيها ويَدَعَ غير ذلك.
... كل من أراد أن يصبح مرموقًا ويبلغ مستوى أعلى بإمكانه تحقيق أهدافه بتطوير صحَّته الجسدية والنفسية والخلُقية، لكن شريطة أن يحذر من بناء أسوارٍ وهمية حول نفسه !
أنَّ سور الصين العظيم الذي يحوي 25 ألف قلعة، ويمتد على طول 3000 كلم، لما يزيد على 2000 سنة خلت، وفَّر حماية تامَّة ضد هجمات الأعداء، لكن في الوقت ذاته منع حضارة من أعرق الحضارات في العالم من التوسُّع والانتشار؛ ففي القرن الثالث قبل الميلاد بلغت الصين حدَّ الاكتفاء الذاتي تمامًا، لكنها حرمت العالم من الاستفادة من تقدُّمها الباهر في ميادين الطباعة، والنسيج، والمعادن، والمتفجرات، وأدوات الفلك، والأدوية، والتوابل...
لكن الشعوب الأخرى، اكتسبت مع الزمن نفس العلوم وطوَّرتها بما حدا بإمبراطور الصين - منعًا لتسرُّب كنوزه العلمية والحضارية - إلى حرق آلاف الكتب والمؤلَّفات !
إنَّ كل إنسان إمبراطور مثل إمبراطور الصين ! إنه إمبراطور يتربَّع على عرش أفكاره وعواطفه وقناعاته وطموحاته...
كم من ناسٍ بنوا حول أنفسهم أسوارًا وهمية حجزت عنهم التطور والانبعاث، والكتب التي لا يقرؤها هؤلاء الناس هي بمثابة الكتب التي أحرقها الإمبراطور سواء بسواء.
إذن فلتعمل على بناء ذاتك بما تتحصل عليه من معارف، وتطوِّر من قناعات، وابدأ بناء نفسك من الداخل ثم اطلب المساعدة من الخارج.
ابحث بنفسك عن طريق النجاح وستجده حتمًا، ثم سِر فيه واثقًا متفائلاً، وصابرًا مثابرًا !
ولتجد المساعدة من الخارج لا بدَّ أن تبحث عنها حولك.
أمَّا من الداخل: فابدأ بتغيير شخصيتك باكتساب طبائع جديدة وأفكار صحيحة عمَّا حولك من معارف ونظريات... واسأل نفسك:
* هل أقمتَ حول نفسك أسوارًا حجبت عنك نور التفكير والتغيير وتركتك تتخبَّط في الأوهام؟
إذا كان كذلك فاعمل جادًّا على إزالة تلك الجدران وتحطيمها إلى الأبد، سيساعدك على ذلك معرفة قدراتك ومؤهِّلاتك، وسترى أنَّها كثيرة وقويَّة وفعَّالة، وإنَّك تستطيع أن تحقِّق بها المستحيل بحول الله.
إنَّ الفشل من أقوى الحوافز إلى النجاح، شريطة تحويل الأفكار السوداء القاتمة إلى أفكار نيِّرة إيجابية دافعة إلى العمل بجدٍّ لتحقيق ذلك النجاح، تمامًا كبطل الملاكمة ـــ الذي هُزم في بطولة العالم ـــ وهو ”loyal Patterson“، وتناقلت الصحف خبر هزيمته وأنَّه يستحيل عليه ــــ نظرًا لسنِّه ــــ أن يسترجع لقبه مرَّة أخرى، فكان ذلك حافزًا له على مضاعفة الجهود ليُتوَّج بلقب بطل العالم في عامه المقبل، وأثناء لقائه الصحفيين قال:
«إنَّ كاميراتكم لن تستطيع تصوير الشيء الأهم: إنَّه التفكير الإيجابي الطموح الذي أملكه».
من المفيد جدًّا أن يتأمل المرء وضعيته إزاء المستقبل، وإزاء الحياة، ومهما تكن هذه الوضعية، ومهما تكن الظروف، فإنَّ أيَّ إنسان بإمكانه أن يكون ما يريد أن يكون هو، وبعون الله.
إنَّه كالرُّبان (قائد السفينة) الذي يحدِّد وجهته ويقرِّر على أيِّ رصيفٍ يرسو، وأثناء عبوره عباب البحر قد يتعرَّض للعواصف الهوجاء، والأمواج العاتية، لكنه لا يترك الدفَّة أبدًا، بل يُحكِم القبض عليها ويكافح حتى يصل إلى برِّ الأمان وإلى الوِجهة التي حدَّدها قبل انطلاقه.
إذن كلُّ شيءٍ تحدِّدُه قوَّة الإرادة، والشجاعة الكافية، والاستعانة بالله..!!
إنَّه من المآسي الحقيقية أن تجد امرأً مؤهَّلاً من جميع النواحي، لكنه يفقد شيئًا واحدًا وهو الأساس: قوَّة الإرادة..
وهذه القوة لا تُعطى بل تُكتَسب، من داخل النفس أوَّلاً، ثمَّ من المحيط: من القرناء ومن الكتب التي نقرأ فيها كيف نبني شخصيتنا ونكتسب أحسن العادات ونحقِّق أسمى الغايات. مع اليقين أنَّ قيمة القرين الصالح، والكتاب المفيد، تكمن في المسارعة في التطبيق، وإلاَّ فإنَّ الأحلام والمنى رؤوس أموال المفلسين.
ويأتي قبل ذلك وبعده، ارتباط الإنسان بربه، والدعاء...
إنَّ الدعاء سرٌّ من أسرار الله وهو يفعل الأعاجيب، ويحوِّل الضار إلى نافع، والعسير إلى يسير.
تذكَّر جيِّدًا أنَّك نتاج نمطك الوراثي، ومحيطك، وبنية جسمك، وعقلك الظاهر، وعقلك الباطن، وتجاربك في الحياة، ووضعيتك بالنسبة لأسرتك، ومجتمعك، والعالم من حولك، والطاقاتِ الكامنة فيك سواء علِمتها أم لم تعلمها.
كل هذه العوامل بإمكانك التأثير عليها والاستفادة منها والتحكُّم فيها؛ وبإمكانك إعطاء معنى لأفكارك والتحكُّم في عواطفك وتوجيه مسارك المستقبلي.
إنَّها قناعتي، وستقنع بها بمجرَّد أن تفهم هذه المعاني وتعمل على تطبيقها. وبمجرَّد أن تفعل ستتعلَّم كيف تكتسب المعارف الضرورية، وستتوجَّه أفكارك نحو الخير في عزمٍ وتفاؤل، وسيتغيَّر مجرى حياتك. وستحوِّل أفكارك عمَّا يعيقك ويثبِّط عزائمك إلى ما يفيدك ويرفع من شأنك. بذلك تتخطَّى مشاكلك، وتغيِّر من قناعاتك الداخلية وتكتسب الإيحاء النفسي العميق الذي يوعزك إلى فعل الخيرات، وتوقِّي الشرور والسيئات.
إنَّ الوازع الداخلي أقوى من كل الحواس الخارجية، من سمع، وبصر، ولمس...
إنَّ العقل الباطن ينمِّي فينا قوى خارقة تمكِّننا من السيطرة على نفوسنا في كلِّ حين.
فهناك ثلاث أنواع من الإيحاءات:
* الإيحاء الخارجي.
* الإيحاء الذاتي النابع من الوعي.
* الإيحاء النفسي الباطن المنبعث من اللاوعي.
وممَّا سيساهم في تكوين هذا الإيحاء الأخير الإكثار من ذكر الشيء؛ فالذي يذكر باستمرار بينه وبين نفسه أنَّ ذلك الشيء حرامٌ لا ينبغي فعله... وأن ذلك الشيء ضروري واجب لا بدَّ من مجاهدة النفس على فعله... ويكرِّر ذلك، يكتسب هذا النوع من الإيحاء. فإذا ما سولت له نفسه فعل الحرام انبعث من قرارة نفسه هذا الإيحاء ليمنعه... وإذا ما تكاسل عن الواجب والضروري أوعز إليه الإيحاء بفعل الواجب، وهكذا...
وسيساعد على تكوين هذا الإيحاء حُسن التدبُّر في الأمور وعواقبها؛ فالذي يتدبَّر في عاقبة الطعام اللذيذ الضار - كمريض السكَّري مثلاً - لا بدَّ وأن يمتنع عنه، لأنَّه يذكِّر نفسه دائمًا بمرارة المغص والآلام المبرحة والأدوية، وأعراض المرض من جفاف الحلق وصداع الرأس والإعياء...
إن من يُقنِع نفسه بهذه الحقائق ويكرِّرها، يكتسب الإيحاء الذي يكبح رغبته العارمة في تناول السكَّريات... وقس ما لم يُقَل على ما قيل.
إذن؛ كرِّر مع نفسك: ”سأعمل وسأنجح“، ”سأتغلَّب على مشاكلي“، و”سأكتسب قوَّة الإرادة“.. كرِّر ذلك مرارًا كلَّ يوم، وبعمق وإيمان، وسترى كيف تتغيَّر أحوالك، وتكتسب الإرادة التي بها تقف بصمود أمام الرغبات المهلكة.
إنَّ العالم برمَّته ما اكتسب قيمته ومزاياه إلاَّ بفضل الناس الذين يقفون في وجه شهواتهم السيئة ويمنعونها، بل ويقضون عليها مع مرور الأيام!
بل كم من ناسٍ بلغوا أسمى مراقي العز والشرف والنجاح، وكان سبب رقيِّهم شعورُهم بالذنب ورجوعُهم إلى الجادَّة في تحدٍّ وإصرار.
ومهما يكن الشخص فإنَّه لا بدَّ أن يقضَّ مضجعه شعوره بالنقص، وهذا الشعور بالذات هو الذي يدفعه نحو الكمال. وكم من أعمال جليلة قدَّمها أناسٌ عظماء عبر التاريخ، كان حافزهم شعورُهم بالنقص، لكن شعورهم كان إيجابيًّا أنتج عملاً وسباقًا نحو الخيرات، لا شعورًا سلبيًّا، سالبًا للإرادة، مكرِّسًا لليأس والقنوط.
إذن كلَّما شعرت بنقصٍ فلتعلم أنَّك تتحرَّك نحو الكمال، وسَتُعمِل كلَّ إمكاناتك حتمًا لبلوغ ما تصبو إليه.
وأخيرًا؛ لبناء الشخصية لا بدَّ من العمل.
وللمحافظة على الصحَّة لا بدَّ من العمل.
ولاكتساب الرزق الحلال لا بدَّ من العمل.
ولاكتساب معارف جديدة، والرفع من المستوى العلمي لا بدَّ من العمل.
ولتلقي التجارب والخبرات المفيدة ... لا بدَّ من العمل !
وهذا العمل يصبح متعة لا مشقَّة، بمجرَّد أن تفهم هذه المعاني، وتعمل على تطبيقها.
وفَّقك الله بني وفتح عليك وأعانك.
أبوك الداعي لك بالخير
باحمد
العاصمة يوم: 06 مارس 2003
والحمد لله رب العالمين.
نُشر المقال بدورية الحياة، العدد: 08، الصادر في رمضان 1425هـ/ نوفمبر 2004، ص: 245.