خصم الأوراق التجارية
(دراسة اقتصادية شرعية)
الدكتور: سليمان ناصر
أستاذ بكلية العلوم الاقتصادية وعلوم التسيير
جامعة وارجلان
مقدمـة:
يستخدم التجار ورجال الأعمال في معاملاتهم التجارية اليومية صيغاً وعمليات مصرفية عديدة، إلاّ أن من بين هذه الصيغ ما يتم تطبيقه بشكل أكبر، ويتم التساؤل عن الرأي الشرعي فيها بسبب شبهتها والبديل الشرعي لها، و لعل من أهم تلك الصيغ المصرفية إثارة للجدل خصم الأوراق التجارية بصفتها صيغة تمويل قصير الأجل للنشاط التجاري أو الصناعي، فما هو الخصم؟ وكيف يتم في معاملات البنوك؟ وما سبب ربويته؟ وما هو البديل الشرعي له بالنسبة للتعامل بالكمبيالة أو السند الإذني؟ وكيف يمكن تفاديه عند التعامل بالشيك؟. ذلك ما سنحاول الإجابة عنه من خلال هذا البحث المختصر.
تعريف الخصـم (L'éscompte):
الخصم يعني أن يقوم العميل الحامل للورقة التجارية بتظهيرها تظهيرًا ناقلاً للملكية إلى البنك قبل حلول أجلها، في مقابل أن يعطيه البنك قيمتها بعد أن يخصم من هذه القيمة الأجر الذي يستحقه عن العملية ويتكون من ثلاثة عناصر:
1ـ الفوائد المستحقة عن قيـمة الورقة التجارية في الفترة من ميعاد عملية الخصم إلى ميعاد عملية استحقاق الورقة وتُحسب بمعدل يسمى بسعر الخصم.
2ـ العمولة: مبلغ يتقاضاه البنك حسب قيمة الكمبيالة وقدر المخاطرة والمدة، وأحيانًا لا تكون لها علاقة بهذه الأخيرة.
3ـ مصاريف التحصيل: وتختلف باختلاف البنوك والأنظمة الداخلية لها ومكان الوفاء...الخ.
وقد يُضاف إلى هذه المصاريف رسم أو ضريبة مثل الرسم على القيمة المضافة (T.V.A) عندنا في الجزائر، و تسمى هذه المصاريف مجتمعـةً بالآجيو (Agio).
أما الأوراق التجارية التي تتعامل بها البنوك فهي:
أ ـ الكمبيالة (La traite) أو (La lettre de change): وتسمى أيضًا السّفتجة، وهي أمر صادر من شخص يسمى السّاحب (Tireur) إلى شخص يسمى المسحوب عليه (Tiré) بدفع مبلغ من المال عند الإطلاع أو في تاريخ معين إلى شخص ثالث يسمى المستفيد (Bénéficiaire).
ب ـ السند الإذني (Le billet à ordre): وهو تعهّد كتابي من شخص بأن يدفع مبلغًا من المال إلى شخص آخر في تاريخ معين، وهو في الأصل ورقة مدنية، لكنه يصبح ورقة تجارية إذا كان أحد طرفيها تاجرًا أو كان موضوعها عملية تجارية.
وكلّ من الكمبيالة والسند الإذني عبارة عن ورقة ائتمان قابلة للتداول عن طريق التظهير (Endossement) أي التوقيع على ظهر الورقة.
جـ ـ الشيك (Le chèque): وهو أمر صادر من شخص وهو المحرّر إلى شخص آخر أوجهة معينة بدفع مبلغ من المال بمجرد الإطلاع إلى شخص ثالث وهو المستفيد.
د ـ سند إيداع البضاعة (Le warrant): وهو الوثيقة التي تسمح برهن البضاعة مقابل الحصول على قرض، ويكون ملحقًا بوصل إيداع البضاعة في المخازن العمومية، وقد يتحول إلى ورقة تجارية بالتظهير والقابلية للخصم.
وهناك أدوات أخرى قد تُطبق عليها عملية الخصم مثل السندات خاصة منها الحكومية. وقد كانت الأوراق التجارية منذ نشأتها أداةً للتحويل، ومنذ منتصف القرن التاسع عشر أصبحت تطـبَّق عليها عملية الخصم والتي أصبحت أهم ميكانيزم لتحريك الحقوق التجارية (1).
وقد ساعد على انتشار عملية الخصم في العصر الحديث ما تتميز به من مزايا تحققها لطرفي العلاقة، فبالنسبة للمؤسسة التي تتمتع بسمعة حسنة وحالة مالية جيِّدة فإنها تجد في خصم أوراقها التجارية الطريقة المثلى لتغذية خزينتها والقيام بأعمالها، كما أن تكلفة هذه الطريقة تكون أقل من تكلفة الطرق الأخرى لتحريك الحقوق التجارية، وبالنسبة للبنك تعتبر هذه العملية مجزيةً خاصة إذا توفرت الثقة الكافية لأنها تكون عادة لأجل قصير، حيث يستطيع البنك أن يعيد خصم الورقة لدى بنك آخر أو لدى البنك المركزي بتكلفة أقل.
وفي مقابل ذلك فإن العملية لا تخلو من بعض الأخطار، فعملية الخصم تعني تقديم البنك قرضًا لعميله على أن يُدفع في تاريخ الاستحقاق من طرف آخر، لذلك تطلب البنوك عادة شروطًا معيّنة في الورقة التجارية حتى تقبل خصمها كأن تكون مقبولة من المسحوب عليه، أو أن يكون أجلها لا يتجاوز مدة معينة، أو أن تحمل توقيعين على الأقل أوثلاثة، أو أن يكون مكان الوفاء بها هو أحد فروع البنك، وقد تستمهل البنوك العميل زمنًا قبل أن تصدر قرارها بقبول الخصم تتحرّى فيه عن الموقعين عليها.
ففي فرنسا مثلاً نجد أن كل ورقةٍ تجارية حُرِّرت في فرنسا، وموقّعة بثلاث توقيعات، ولها أقل من 90 يومًا من التداول، تمثل ورقة قابلة لإعادة الخصم لدى البنك المركزي الفرنسي(2).
يبقى أن نشير إلى أن الأوراق التجارية الأكثر قابلية للخصم هي: الكمبيالة والسند الإذني، أما الشيك فهو وسيلة سحب من الحساب أي وسيلة دفع في الحال وليست أداة ائتمان أي دفع مؤجل، ولكن بعض الممارسات التجارية والمصرفية في بعض الأقطار تسمح بأن يكون استحقاق الشـيك بعـد فـترة معيـّنة من الزمن، وعنـدئذ يصبـح أداة ائتمان – أي دين مؤجل الوفاء – قابلة للتداول، أو أن يكون تحصيل الشيك يستغرق مدة طويلة نسبياً لا تتماشى وسرعة المعاملات التجارية كما في بعض البلدان مثل الجزائر، و في كلا هاتين الحالتين يصبح قابلاً للخصم(3).
الرأي الشرعي في عملية الخصم:
إن الجانب الشرعي لعملية الخصم قد أثار جدلاً كبيرًا ولا يزال عند الفقهاء، وهذا رغم وضوح الطريقة التي تتم بها العملية.
لقد أجاز بعض الفقهاء عملية الخصم على أساس أنها حوالة بأجر، والحوالة هي تحويل الدين من ذمة الأصيل إلى ذمة الكفيل المحال عليه على سبيل التوثق به (4). وهي جائزة عند الفقهاء بالإجماع وذلك استنادًا إلى ما رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:" مطل الغني ظلم، وإذا أُتبع أحدكم على مليءٍ فليتبع"(5) .
لكن الردّ على هذا الرأي هو أن الحوالة الجائزة يجب ألاَّ تتعارض مع محظور شرعي والذي يتمثّل هنا في عدم التساوي بين الدّين المحال به والدين المحال عليه، فالورقة التجارية تمثّل أداة تحويل لنقودٍ خطية أو كتابية، والمال الذي يتحصل عليه الخاصم هو نقود ورقية أو خطية أيضاً، وبالتالي فالعملية هي بيع نقد آجل بنقد عاجل أقل منه، لذلك فالخصم إذا تمّ بنفس العملة ففيه ربا الفضل والنسيئة، وإذا تمّ بعملة أخرى ففيه ربا النسيئة، ولكنه ربا في كل الأحوال.
وهناك من أجاز الخصم على أساس أنه بيع الدين بالنقد لغير المدين، والذي أجازه المالكية وفي المشهور عند الشافعية. ولكن المتأمل في رأي من أجازوا هذه العملية يجد بأنهم وضعوا لها شروطًا عدة، والذي يهمنا من هذه الشروط هو:
ـ أن يكون الثمن من غير جنس الدّين أو من جنسه مع التساوي حذرًا من الوقوع في الربا(6).
وهذا الشرط لا يتوفر في عملية الخصم كما رأينا.
وهناك من أجاز الخصم على أساس أنه وكالة بأجر، والوكالة هي إقامة الإنسان غيره مقام نفسه في تصرف جائز له حال حياته... والوكالة شرعًا جائزة سواء أكانت بغير أجر ـ وذلك هو الأغلب ـ أم كانت بأجر (7) .
وهذا الرأي أيضًا لا يمكن أن نستسيغه، لأننا إذا اعتبرنا أن الخاصم للورقة التجارية يوكّل البنك في تحصيل هذه الورقة في تاريخ الاستحقاق مقابل أجر وهو الآجيو، فقد رأينا أن هذا الآجيو يتكون من عدة عناصر أهمها: الفائدة والعمولة ومصاريف التحصيل. فإذا اعتبرنا العمولة هي أجرة البنك، فماذا نعتبر الفائدة ؟ خاصة وأنّ كلاً منهما محدد بنسبة معينة مع العلم أن هذه الأخيرة هي أكبر بكثير من الأولى. كما أن الوكيل (البنك) يقوم هنا بدفع الدين قبل أن يقوم بتحصيله.
وأخيرًا هناك من أجاز عملية الخصم قياسًا على قاعدة:"ضع وتعجّل" والتي شرحها ابن رشد قائلاً:" أما ضع وتعجل فأجازه ابن عباس من الصحابة وزفر من فقهاء الأمصار، ومنعه جماعة منهم عمر من الصحابة ومالك وأبو حنيفة والثوري وجماعة من فقهاء الأمصار، واختلف قول الشافعي في ذلك فأجاز مالك، وجمهور من يُنكر ضع وتعجّل أن يتعجّل الرجل في دينه المؤجل عرضًا يأخذه وإن كانت قيمته أقل من دينه. وعمدة من لم يجز ضع وتعجّل أنه شبيه بالزيادة مع النظرة المجتمع على تحريمها، ووجه شبهه بها أنه جعل للزمان مقدارًا من الثمن بدلاً منه في الموضعين جميعاً، وذلك أنه هنالك لما زاد له في الزمان زاد له عوضه ثمنًا، وهنا لما حطّ عنه الزمـان حطّ عنه في مقابلته ثمنًا. وعمـدة من أجازه ما رُوي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر بإخراج بني النضير جاءه ناس منهم فقالوا: " يا نبي الله إنك أمرت بإخراجنا ولنا على الناس ديون لم تحل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«ضعوا وتعجلوا» (8) .
لكن الردّ على هذا الرأي هو أن من أجاز هذه القاعدة رأي فيها نفع الطرفين: الدائن بتعجيل حقه والمدين بإبراء ذمته، أما في الخصم فلم تبرأ ذمة المدين بل تغير دائنه فقط، والدائن الجديد عادةً هو البنك(9) .
كما أن هناك من يرى أن قاعدة:" ضع وتعجّل " قول غير صحيح، فلم يثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم شيء في هذا، وإنما هو خبر غير صحيح الإسناد (10).
وبالإضافة إلى هذا كله فإن عملية الخصم بالنسبة للمصرف تعتبر قرضًا بفائدة، وكل قرض جرَّ نفعًا فهو ربا، والخاصم للورقة شريك في الإثم.
ومن خلال كلّ ما سبق يتبيّن لنا بأن الخصم عملية ربوية وهي حرام بيّن رغم بعض الآراء التي تحاول إجازتها بأسباب ومسمّيات مختلفة.
البديل الشرعي لعملية الخصم في حالة التعامل مع البنوك الإسلامية:
يمكن للبنك الإسلامي أن يتعامل مع الورقة التجاريَّة أو أن يدفع قيمتها قبل تاريخ الاستحقاق على أحد وجهين (11):
1 ـ أن يدفـع قيمة الكمـبيالة كاملة ويتَّفق مع المدين على أن يكون المبلغ الذي قام البنك بسداده بمثابة تمويل يشارك المدينَ في ناتجه على شروط أحد العقود الصحيحة في الإسلام، وهو الاقتراح الذي تقدَّمت به الدراسة المصريَّة لإقامة نظام العمل في البنوك الإسلاميَّة سنة: 1391هـ 1972م.
2 – إذا كان المستفيد من الكمبيالة عميلاً للبنك وله حساب جار فيه فإنَّ البنك يستطيع أن يصرف لهذا المستفيد قيمة الكمبيالة كاملة بغير أن يخصم من قيمتها ما تخصمه البنوك الأخرى عن مدَّة الانتظار وليس في ذلك غبن على البنك، وتحقيق ذلك أنَّ البنك يستثمر الحساب الجاري لهذا المودع ولا يؤدِّي إليه أي عائد فلماذا لا يصرف كمبيالة إلاَّ بعد خصم فائدة من قيمتها؟، وهو الاقتراح الذي قدَّمه المرحوم الدكتور محمَّد عبد الله العربي.
وبهذا فإنَّ شرط جواز هذه العمليَّة في البنك الإسلامي يكون مرهونًا بثلاثة شروط:
أ ـ أن يكون للعميل المستفيد من الكمبيالة حساب جار في البنك.
ب ـ أن يكون رصيد هذا الحساب في المتوسِّط السنوي لا يقلُّ عن ثلث أو نصف قيمة الكمبيالة التي تُقدَّم للبنـك لصرفها، وذلك حتَّى لا يُساء تقديم الكمبـيالات للبنوك لدفع قيمتها بكثرة قد تعرقل سيولة رصيدها النقدي.
جـ – أن يُرفق بالكمبيالة الفاتورة أو المستند الدّال على موضوعها ضمانًا للجدِّية.
و يجوز للبنك الإسلامي في هذه العملية أن يخصم عمولة تكون بمثابة أجر على القيام بالعملية ولتغطية المصاريف الإدارية الخاصة بها.
وهناك طريقة أخرى يطبّقها بنك البركة الجزائري وتكون أيضا على أحد وجهين (12):
ـ إمـَّا بالمرابحة: حيث يقبض البنك الورقة التجاريَّة ويسأل التاجر عن السلعة التي يرغب في شرائها بقيمة هذه الورقة فيشتريها ويبيعها له مرابحة على أن يكون معدَّل ربح البنك مساويًا تقريبًا لسـعر الخصم السائد في السوق، وهذا بضمان الورقة التجاريَّة.
فإذا سدَّد التاجر قيمة السلعة قبل تاريخ استحقاق الورقة أُعيدت له، وإذا لم يسدِّد صُرفت الورقة التجاريَّة في تاريخ الاستحقاق وسُدِّد بها هذا الدين.
ـ وإمـَّا بالسَّلم: حيث يقبض البنك الورقة التجاريَّة بعد أن يسأل التاجر عن السلعة التي يرغب في شرائها بقيمة هذه الورقة، فيعطيه هذا المبلغ على أساس أنـَّه رأس المال السّلم والبضاعة هي المسلَّم فيه، فيشتريها التاجر لحساب البنك ثمَّ يأمره هذا الأخير ببيعها بيعًا بالوكالة على أن يكون معدَّل الربح مساويًّا تقريبًا لسعر الخصم السائد في السوق.
فإذا سدَّد التاجر هذا المبلغ إلى البنك قبل تاريخ الاستحقاق أُعيدت له الورقة، وإذا لم يسدِّد كانت الورقة التجاريَّة ضمانًا لسداد الدين في تاريخ الاستحقاق بعد صرفها وتحصيلها.
وقد أثارت قضيَّة تحديد سعر البيع بعد تحديد هامش الربح للتاجر حفيظة بعض الفقهاء حسب مسؤولي بنك البركة الجزائري.
لكن المشكل في نظرنا ـبعد استعراض هذه الاقتراحات هو أنَّ حاجة التاجر إلى خصم الورقة التجاريَّة لا يكون دائمًا لتمويل عمليَّة معيَّنة أو شراء سلعة بذاتها، فقد يكون لتغذية السيولة الآنية في خزينته الخاصَّة، مـمَّا يجعل اقتراح الدكتور العربي بضمان الحساب الجاري هو الأصلح للتطبيق.
كيف يتم خصم الشيكات في البنوك غير الإسلامية ؟
إن البديل الشرعي الذي اقترحناه لخصم الأوراق التجارية لا يمكن تصوّر تطبيقه إلاّ في البنوك الإسلامية، كما أنه متعلق بالسفتجة والسند الإذني، أما الشيك فلا يُتصور أن يقدّمه المسلم إلى البنك غير الإسلامي إلاّ على سبيل التحصيل لا الخصم. لكن مع ذلك ونفياً لأي لبس أو جهالة فإن خصم الشيكات في البنوك غير الإسلامية يتم بالشكل الآتي:
ـ لا يتم خصم الشيك من طرف البنك إلا بطلب من العميل لأنه بمثابة قرض، كما أنه لا يُوافَق عليه للعميل إلا بعد تقديم ملف طلب قرض dossier de crédit .
ـ يُمنح للعميل وصلاً بإيداع الشيكات Avis de dépôt لدى البنك الذي يتعامل معه كإجراء أولي، وذلك إذا لم يبلغ العميل البنكَ برغبته في كيفية التعامل مع هذه الشيكات هل هي عل سبيل التحصيل أم الإيداع، وهو الوصل الذي يبيّن أرقام الشيكات ومبالغها مع تاريخ تقديمها إلى البنك.
ـ إذا تقدم العميل بطلب خصم للشيكات المدفوعة للبنك فإنه يُمنح وصلاً بالقرض Avis de crédit مبيناً كل التفاصيل المتعلقة بالعملية، فبالإضافة إلى المعلومات التي رأيناها في وصل الإيداع فإنه يبيّن تاريخ استحقاق كل شيك date de valeur مقابلاً لتاريخ تقديمهاdate d'opération، وهو ما يعني أن المدة الفاصلة بين التاريخين تمثل عدد الأيام التي تُحسب على أساسها الفوائد والتي تُطرح من قيمة الشيك.
ـ بما أن الشيك ليس له تاريخ استحقاق، وبما أن الشيكات تكون صادرة من بنوك مختلفة ومتواجدة في أماكن متعددة، فإنه يُحدَّد لها تاريخ تقديري حسب طبيعة كل منها، فعلى سبيل المثال فإن التواريخ المطبقة بهذا الشأن لدى البنك الوطني الجزائري BNA هي كما يلي:
الـحـالـة
المـدة التقـديـرية
قابض الشيك ومحرّره يتعاملان مع نفس البنك أو بنكين مختلفين ولكنهما موجودين في نفس المدينة.
05 أيام
القابض والمحرر يسكنان مدينتين مختلفتين ويتعاملان مع بنكين مختلفين ولكن بنك القابض له فرع في مدينة المحرر.
10 أيام
القابض والمحرر يتعاملان مع بنكين مختلفين ويسكنان مدينتين مختلفتين، ولكن بنك القابض لا يوجد له فرع في مدينة المحرر. مثلاً: القابض يتعامل مع BNA القرارة والمحرر دفع له شيك لـ BADR الحجيرة، وبما أنه لا يوجد فرع لـ BNA في الحجيرة فإن BNA القرارة سوف يحصّل هذا الشيك عن طريق BADR القرارة بعد أن يخصمه للقابض.
15 يوماً
المصدر: وثيقة شروط البنك Conditions de banque الخاصة بالبنك الوطني الجزائري والتي دخلت حيّز التطبيق في: 02/02/2005.
تجدر الملاحظة هنا إلى أن هذه المدد تحتسب بعد مرور يوم (24 ساعة) على تاريخ تقديمها إلى البنك للخصم وهو ما عبّرنا عنه سابقاً بـ date d'opération، وهي العادة المطبقة في البنك الوطني الجزائري وفي كثير من البنوك.
كيف نتفادى خصم الشيكات في حالة التعامل مع بنك غير إسلامي ؟
يجب على المتعامل المسلم بالشيكات مع بنك غير إسلامي أن يراعي في تعامله ما يلي:
ـ أن لا يقدم الشيكات إلى البنك إلاّ على سبيل التحصيل وإن طالت مدته، ولا يطلب خصمها وإن كان مبلغ الخصم زهيداً، وقد تبيّن لنا أن المبلغ المخصوم رباً محرماً لا لبس فيه ولا غموض.
ـ قد تقوم بعض البنوك بإضافة مبلغ الشيك إلى حساب العميل لديها، ويبدو هذا المبلغ المضاف كاملاً دون خصم لكن سحبه قبل تاريخ الاستحقاق قد يؤدي إلى خصمه، فيجب على العميل في هذه الحالة أن يراعي تاريخ استحقاق الشيك، وإذا تطلّب الأمر عليه أن يطّلع على جدول هذه التواريخ الخاص بالبنك الذي يتعامل معه كما هو موضح سابقاً.
ـ يتعيّن على العميل أن يضع حداً أدنى للرصيد (يُترك له تقديره) في حسابه الجاري لدى البنك لا ينزل عنه عند السحب، وذلك حتى لا يضطر إلى سحب قيمة الشيك المحصّل قبل تاريخ الاستحقاق إذا كان حسابه لا يحتوي على غير قيمة هذا الشيك، وكان العمل في البنك يتم بالنظام المذكور سابقاً.
نذكّر في الأخير بأنه سعياً من السلطات إلى تحديث أنظمة العمل في جهازنا المصرفي؛ فمن المحتمل أن تُلغى طريقة خصم الشيكات مع بداية سنة 2006 بحيث لا يتم تقديمها إلاّ على سبيل التحصيل، مع تحديد مدة قصوى لهذا التحصيل لا تتجاوز الخمسة أيام مهما كانت طبيعة الشيك، كما أن عمليات المقاصة Compensation التي تجري بين حسابات البنوك لدى البنك المركزي سوف تكون مرتين عوض مرة واحدة، وعندها قد ينتفي أهم عذر لمتعاملينا عند اللجوء إلى خصم الشيكات وهو التأخر في تحصيلها.
الخاتمة:
إن الثراء والخصوبة اللذين يتميز بهما الفقه الإسلامي يجعلانه قادراً على مسايرة المستجدات في الحياة المعاصرة، وكفيلاً بإيجاد البدائل الشرعية للمعاملات المحرّمة و منها خصم الأوراق التجارية كما رأينا من خلال هذا البحث، وهذا من ثراء الإسلام وقابليته للتطور، وصلاحيته لكل العصور والأمصار.
لذا نرى أن من واجب التاجر أو رجل الأعمـال المسلم أن يتحـرى الحلال في معاملاته التجارية والمصرفية، وأن يطالب بتطبيق الصيغ الشرعية في تعاملاته مع البنك حتى ولو كان بنكاً إسلامياً، فقد تحدث من هذه البنوك بعض التجاوزات وهي عن غير قصد غالباً، ولهذا يجب أن يكون لدى المتعامل الاقتصادي المسلم الحد الأدنى من الثقافة الاقتصادية الإسلامية.
مراجع البحث:
الكتب:
1ـ ابن رشد: بداية المجتهد ونهاية المقتصد، مطبعة الاستقامة، القاهرة، 1371هـ1952م.
2ـ د. أحمد عبد العزيز النجَّار: المدخل إلى النظريَّة الاقتصاديَّة في المنهج الإسلامي، (بدون دار النشر ولا تاريخ).
3ـ د. شاكر القزويني: محاضرات في اقتصاد البنوك، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1989م.
4ـ د. علي أحمد السالوس: أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار، دار الثقافة، قطر ـ دار الاعتصام، القاهرة، 1990م.
5ـ د. محمد صلاح محمد الصاوي: مشكلة الاستثمار في البنوك الإسلامية وكيف عالجها الإسلام، دار الوفاء، المنصورة/ مصر، 1410هـ 1990م.
6ـ مصطفى عبد الله الهمشري: الأعمال المصرفية و الإسلام، مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، القاهرة، 1405هـ1985م.
7ـ د. وهبة الزحيلي: الفقه الإسلامي وأدلته، ط1، دار الفكر، الجزائر، 1412هـ1992م.
8 - Bruno MOSCHETTO et Jean ROUSSILLON: La banque et ses fonctions , (Que saisـje?), P.U.F, Paris, 1988.
الوثائق:
*-وثيقة شروط البنك Conditions de banque الخاصة بالبنك الوطني الجزائري BNA والتي دخلت حيّز التطبيق في: 02/02/2005.
المقابلات:
*-ناصر حيدر (مدير مركزي ببنك البركة الجزائري): لقاء معه في مكتبه بالمديرية العامة للبنك، بالجزائر العاصمة، بتاريخ: 25 / 03 / 1997م.
--------------------
الهوامش
- (1) Bruno MOSCHETTO et Jean ROUSSILLON: La banque et ses fonctions , (Que sais-je?), P.U.F, Paris, 1988. ., p : 49.
- (2) Bruno MOSCHETTO et Jean ROUSSILLON : La banque et ses fonctions , op.cit..p : 49.
(3)- د. شاكر القزويني : محاضرات في اقتصاد البنوك ، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1989، ص : 95.
(4)- د. وهبة الزحيلي : الفقه الإسلامي وأدلته ، ط1، دار الفكر، الجزائر، 1412هـ1992م ، ج: 5 ، ص : 162.
(5)- رواه أحمد وأصحاب الكتب الستة . ( المليء : الغني ، أُتبع : أُحيل ).
(6)- مصطفى عبد الله الهمشري : الأعمال المصرفية و الإسلام ، مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، القاهرة، 1405هـ1985م ، ص : 191.
(7)- المرجع السابق ، ص : 187.
(8)- ابن رشد : بداية المجتهد ونهاية المقتصد، مطبعة الاستقامة، القاهرة،، ج : 2 ، 1371هـ1952م، ص : 142 ، 143.
(9)- د. محمد صلاح محمد الصاوي : مشكلة الاستثمار في البنوك الإسلامية وكيف عالجها الإسلام، دار الوفاء، المنصورة/ مصر،1410هـ1990م، ص: 471.
(10)- د. علي أحمد السالوس : أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار ، دار الثقافة ، قطر – دار الاعتصام، القاهرة ، 1990م، ص: 172.
(11)- د. أحمد عبد العزيز النجَّار : المدخل إلى النظريَّة الاقتصاديَّة في المنهج الإسلامي، (بدون دار النشر ولا تاريخ) ، ص : 167، 168.
(12)- ناصر حيدر (مدير مركزي ببنك البركة الجزائري):لقاء معه في مكتبه بالمديرية العامة للبنك بالجزائر العاصمة، بتاريخ : 25 / 03 / 1997م.
نشر المقال بدورية الحياة، العدد: 09، 1426هـ/2005م، ص105.