تراثنا والمستشرقون(*)
أ/ عمر بن لقمان حمو سليمان بوعصبانة (**)
- إذا أرادت قارتنا السمراء(3) في يوم من الأيام أن تفتخر بريادتها في مصاف الحضارات القديمة فإن أروع الأمثلة التي يمكن أن نضعها في الصدارة هي: حضارة صحراء الجزائر أيام أن كانت مروجا خضراء، وكانت الأمطار بها غزيرة، وأودية الماضي السحيق متدفقة، مثل: وادي ”إغرغار“ العظيم وروافده ووادي ”ميه“، وعلى جوانبها مأوى الإنسان القديم في العهد الباليوليتيكي ناحتا تاريخه على جدران كهوف التاسيلي والهقار.
-إذا أراد مغربنا الإسلامي أن يفتخر أمام العالم الإسلامي بريادته في إنشاء دول إسلامية، قائمة على أسُس حضارية متينة، فإن أسبق الدول نشوءًا: ”الدولة الرستمية“ التي قامت على أرض الجزائر مادَّةً أجنحتها تحت الجنوب التونسي، وفوق جبل نفوسة بليبيا معلنة بذلك ميلاد الدولة الجزائرية لأوَّل مرَّة في بداية تشكُّلها.
-إذا أراد الدعاة الجزائريون أن يفخروا بريادتهم في نشر الإسلام في جنوب غرب إفريقيا بواسطة التجَّار والعلماء، فلا أروع من الحضارة الورجلانية الموجودة، وسدراته الموؤودة التي نشرت الإسلام في تلك الربوع.
فقد فاقت وارجلان بغداد عاصمة الدولة العباسية بمدارسها وعلمائها، وضاهت سدراته حضارة الأندلس بِدُورها وقصورها، فانطلقت منهما ومن تاهرت، كما انطلقت من تميجار(4) ونفوسة طلائع الدعاة إلى دين جديد.
وإنَّ الصحراء الجزائرية لتُعدُّ القلب النابض، الذي مُدَّ في صدر الإسلام بدم الإسلام الصافي، فقد تلقته من أفاضل العرب الفاتحين، فأضفت إليه حرارة الأمازيغ المخلصين، ثم دفعت به مع قوافل التجار في مسالكها، فكانت شرايين الدم الصافي يسري في جسم إفريقيا فغدت قارةً فيحاء بعطر الإسلام، تلهج بأفضل كلمة على الإطلاق وهي:«لا إله إلا الله محمد رسول الله»، فسقط الفاصل الحدودي، والنعرة القبلية، والتفاضل العرقي، فإذا بالمسلمين تتَّحد ألسنتهم وتتوحَّد قلوبهم، وإذا بالأمازيغي يسعى إلى تعلُّم اللغة العربية لفهم دينه في جد واجتهاد، وإذا بالعربي الآتي من الجزيرة العربية يجد أرضا طيِّبة في شمال إفريقيا بعد أن ذاق الصحابةُ الفاتحون الأوائل الشهادة على أرضها، وامتزجت تربتها الطاهرة بدمائهم المباركة الزكية فأنبتت أجيالا لا تعرف غير الإسلام دينا، واللغة العربية لسانًا ، والجزائر الموحدة وطنا وملاذًا.
وكأن بولاية قلب الجزائر - ولاية غرداية - أرادت أن تُذكّر العالم كله هذا اليوم، بأيام عزّها وكرامتها، وأرادت أن تُفهم جميع الناس، أنَّ لا عزة ولا كرامة إلا بالتذكير بالماضي المجيد، ضاربة عرض الحائط كل الخلافات الهامشية مثبتة دعائم الود والتآخي تحت جناح رحمة الإسلام وحده.
ثـــــراثــــــنا:
تراثنا في الحقيقة والواقع يتمثَّل فيما ورثناه من آبائنا وأجدادنا، من عقيدة صحيحة لا تزيغ، وعمل بالأوامر والنواهي الربَّانية، محافظين على ديننا من لدن البعثة النبويَّة، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
غير أن المرسِّخ لعقيدتنا يتمثل في كلمةٍ نقولها، أو أسطر نخلد به آثارنا.
فإذا كان العرس اليوم عرس الوادي السعيد - وادي ميزاب - فلا مندوحة من أن نتكلم عن الروَّاد الأوائل فيه، إذ إنَّ القاصي والداني يبحث عن معرفة آثارهم. ولا يعقل أن يغفل أهالي المنطقة ليعرِّف بهم غيرُهم، فميزاب ذو شِعابٍ، وأهلُ مكَّة أدرى بشعابها.
الكمُّ الهائل للتراث الإباضي المغاربي:
قبل أن ننوِّه بهذا التراث، يليق بنا أن نفهم سبب تعلُّق الإباضية بالتأليف والتدوين، وذلك على شكل وَمَضات وإشارات تُنير الطريق للباحثين الذين يريدون الاستزادة من هذا المنهل الصافي العذب.
إن إباضية المشرق والمغرب يمكن أن نصفهم برواد التأليف والتدوين في الإسلام؛ ونصف مذهبهم بالرائد للمذاهب الإسلامية جمعاء.
فهذا إمامهم جابر بن زيد الأزدي(5) العُماني الجوفي رضي الله عنه من فَرَق؛ قرب نزوى. وهو عربيُّ الأصل عريق المحتد (ولد 18 هـ/ توفي 93 هـ). أدرك عائشة رضي الله عنها وأدرك سبعين بَدريًّا شهدوا غزوة بدر مع الرسول ( فحَوى ما في صدورهم. ويقول عن نفسه: ”أدركتُ سبعين بدريًّا فحويتُ ما في صدورهم إلاَّ البحر“ ؛ يعني به ابن عباس رضي الله عنه .
فكان من رُواة الحديث والثِقات لدى كافَّة علماء الإسلام، وكان من المؤلفين الأوائل في صدر الإسلام. فقد كتب ديوانًا ضخمًا حوى فتاواه ومرويَّاته(6).
ويُعدُّ جابر بن زيد إمام المذهب الإباضي بحق ورائد أئمَّة المذاهب الإسلامية جمعاء(7).
ومن رواد أئمَّة الدولة الرستمية في التأليف بالمغرب العربي من الفرس: عبد الرحمان بن رستم (ت 171 هـ) فقد ألَّف كتابًا ضخمًا في تفسير القرآن الكريم.
وكان الإمام الثاني للدولة الرستمية: عبد الوهاب بن عبد الرحمان بن رستم (ت 208هـ) من الـمُغرمين بحبِّ المطالعة والاستزادة من العلم فقد أرسل إلى أهل البصرة ألف دينار لشراء الكتب، لكن أصحابه رأوا بثاقب فكرهم أن يشتروا بها أقلامًا وحبرًا فنسخوا له بها ديوانا عظيمًا فبعثوا به إليه، فقال: «الحمد لله إذ ليس فيه مسألة عزبت عني إلاَّ مسألتان، ولو سئلتُ عنهما لأجبت قياسًا على نظائرهما ووافقتُ الصواب»(8).
كما دارت حوله حلق العلم ووردت إليه أسئلة من جبل نفوسة بـ”ليبيا“، فأجاب عنها، وسُمِّيت: بـ”نوازل نفوسة“ (9).
وحَذَا حذوَه أئمَّةُ الدولة الرستمية، إذ ألَّف الإمام أبو اليقظان كتابًا عالج فيه مسألة خلق القرآن، والإمام أفلح قبله في فنِّ الجدل، وهكذا ...
أمَّا الريادة من أبناء المغرب العربي من أصل أمازيغي فقد كانت أصلا: لابن سلاَّم اللواتي (ت 273هـ/ 887م) إذ ألَّف كتاب: ”بدء الإسلام وشرائع الدين“. وأظهره حديثا كلٌّ من المحققين: الشيخ سالم بن يعقوب الجربي - رحمه الله - والدكتور فرنر شفارتز الألماني، ووصفاه في المقدمة بأنَّه أقدم مؤلِّف تاريخي للمغرب الإسلامي بأسره، كما وصف: ”تاديوش ليفتسكي“ المؤلف ابن سلام بأنه أقدم مؤرِّخي الإباضية. ووصفه حسن حسني عبد الوهاب: بأنه أقدم المؤرخين الإفريقيين(10).
والذي يدلُّ على حبِّ البربر لتلقِّي العلم، ما كان يفعله: عمر بن يمكتن(11)، حينما كان يعترض السابلة من العرب ليحفظ القرآن الكريم، و كان يتعلَّم منهم الآية والآيتين، وكان ذلك بطريق ”مغمداس“، ولما حفظه أسَّس أوَّل مدرسة لتحفيظ القرآن بمنزل ”إيفاطمان“.
وهكذا ينطلق التدوين والكتابة إلى أن يكثر الطلبة وحلق العلم، فيؤلف: الأشياخ والعزابة الكتب الضخمة والموسوعات الفقهية التي لا تزال إلى حدِّ الآن موزَّعة بين الخزائن الخاصة والعامة ومشتَّتة بين الأقطار العربية والأوربية.
وإذا أردنا أن نقرِّب صورة الكمِّ الهائل للمؤلفات قديمًا على سبيل المثال نلاحظ قول: أبي العباس أحمد بن محمد بن بكر، الذي كان يعيش بين آجلو(12) ووارجلان وبادية بني مصعب(13)، أشكل عليه الأمر في مسألة فقهية ووقع الخلاف بينه وبين أستاذه الشيخ سعدون، فذهب من أجل ذلك إلى مكتبة (ولَّّم) بجبل نفوسة، فوجد فيها أكثر من ثلاثة وثلاثين ألف جزء وصلت من المشرق تخيَّر أكثرها فائدة فقرأها في أربعة أشهر؛ كان لا ينام الليل والنهار إلاَّ ما بين أذان الصبح وطلوع الفجر(14).
كما نجد بين طيَّات الكتب، أيام الحروب العمياء، الأخبار التي تصف كيفية إحراق مكتبة المعصومة من طرف العبيديين إثر سقوط تاهرت سنة 296 هـ، وكيف أُبيدت مكتبة ”درجين“. هذا إن دلَّ على شيءٍ فهو يدلُّ على تراثٍ إسلاميٍّ زاخر، وكيف ضاع بأيدي المسلمين تارة، وبأيدي أعدائهم تارة أخرى.
وإذا أردنا أن نطَّلع على الباقي منه، وعلى ما أُلِّف بعد الرواد الأوائل فعلينا بطيِّ الأحداث والصفحات في وقت لا يمكن فيه سردُ القوائم، إذ أن هذا الأمر يحتاج إلى دراسة متأنية في الموضوع.
بل إنَّ كتب الدارسين وفهارس المحققين قد أبدت الكثير مما ألَّفه هؤلاء الأفذاذ سواء أكانوا من الإباضية، أم من المالكية، أم من الأحناف في القطر الجزائري، وإنَّ مما تزخر به مكتبات ميزاب، ووارجلان، وأدرار، وملوكة، والمطارفة وتمنطيط، وعلى طول طريق القوافل، لمما يحارُ من وصفِه الإنسان.
فهناك مكتباتٌ توجد وسط الصحراء بين كثبان رملية علت على سطوحها الرمال فطمرتها، وتسابقت إليها أسنان ”الأرضة“ فنخرَتها.
وإنَّ موضوع التراث بصفة عامة لَيحتاج إلى تحسيس ذوي الفضل حتى يرقوا به إلى مصافِّ المهتمين بتراثهم في الدول المتطورة.
بعض صانعي التراث:
إضافة إلى الحديث عن الرواد الأوائل فإنَّنا نذكُر بعض المشايخ على سبيل المثال لا الحصر، فكتب السير أغنت بذكر أسمائهم فهم بالمئات إن لم نقل بالآلاف.
فإنَّ الإباضية مع ذلك في المغرب أقلُّ نتاجًا عنهم في المشرق، إذ إنَّ إباضية المشرق وهم عربٌ أقحاح بحكم تضلُّعهم في اللغة العربية وصفاء قرائحهم، ألَّفوا آلاف الكتب والجوامع والموسوعات الفقهية والأراجيز قديما وحديثا(15).
وإذا قلنا إنَّ بربر شمال إفريقيا أقلُّ تأليفا، فقد كان ذلك بحكم كونهم بربرًا، إذ عانَوا في تعلُّمهم اللغة العربية، وإلى عهد قريب لا يزال هناك ما يُؤلَّف بالبربرية ويحتاج إلى ترجمة.
ولكي يؤلِّف بعضهم كان عليه أن يقترب من الأوساط العربية، فهذا الشيخ ”أبوعمار“ سافر إلى تونس قبل أن يبرع في التأليف، وكان له الفضل في إثراء المكتبة الإسلامية بتآليفه، كما أثراها كل من الشيخ أبي يعقوب يوسف بن ابراهيم الورجلاني ( ت 570 هـ)، والشيخ أبي العباس أحمد بن محمد بن بكر (ت 504 هـ) ابن مؤسِّس نظام ”حلقة العزابة“ وغيرهم كثيرٌ في تأليف المئات من الكتب في شتى الفنون التي لها علاقة بالدين والعقيدة من قريب أو بعيد.
وحتى الكتب التي يمكن أن تكون دنيوية بحتة، كما ينظر إليها البعض، فقد نظر إليها الإباضية من زاوية دينية بحتة. لقد كانت بعض كتب العمارة في الإسلام تُعنى بجمال البناء والهندسة المعمارية من أشكال وألوان، بينما كتب العمارة لدى الإباضية تهتمُّ بالجانب الديني البحث من حقوق للجوار؛ من هواء ونور وسترة... فكتاب: ”القسمة وأصول الأرضين“ لأبي العباس أحمد بن محمد بن بكر، يتألَّف من ثمانية أجزاء، فهو خير مثال لذلك(16).
فإذا كانت هناك بعض كتب التاريخ في العالم الإسلامي تخدم ركاب القادة العسكريين أو تمجِّد تاريخهم الذاتي، فإنَّ كتب السير لدى الإباضية تشيد بالعلماء أكثر وتتناول أخلاقهم وسيرتهم وتهتمُّ حتى بالكرامات التي تحثُّ قارئها على التعلُّق بالأخلاق الفاضلة والتأسِّي بهم.
ولقد أحصى بعض المؤلفين التراث الإباضي دون أن يحيط به كله. وذلك مثل ما فعله الشيخ البرادي في كتابه: الجواهر المنتقاة في إتمام ما أخل به كتاب الطبقات(17)، ومثل ما فعله بعض المستشرقين(18).
المستشرقون وبداية التعرف على التراث:
في بداية الكلام عن جهود المستشرقين لا يسعُنا إلاَّ أن نقف في اندهاش أمام ما قاموا به من أعمال جليلة من تأليف وتحقيق وطبع ونشر.
كما ندين لهم بالشكر لحفظهم كثيرًا من الوثائق والمخطوطات من أن تأكلها ”الأرضة“ أو يُفرِّقها الورثة... فعالجوها بالأدوية وحفظوا صورها بالميكروفيلم أو الميكروفيش أو في ذاكرة الحاسوب.
ولكن هذا لا يعني رضاءنا التام عمَّّا قام به القادة العسكريون من سلب لمقوماتنا، وطمس لهويتنا، و ما كان غرضهم أوَّل الأمر إلاَّ دراسة مجتمعاتنا، والتعرُّف على خبايانا حتى يستطيعوا قهرنا وإذلالنا من جهة، والتعرُّف على أماكن الضعف وشقة الخلاف بيننا وبين غيرنا حتى يُوسعوا فيها.
لقد فهمت فرنسا أنَّ ميزاب لا يدين لها بالولاء مثل ما كانت تعتقد من قبل، وأنَّ ميزاب في الحقيقة منبتٌ للمجاهدين، وملاذ للثائرين، ومصنع للأسلحة والذخيرة، ولذلك قرَّرت قهره وإلحاقه عسكريا.
فقبل أن تفعل ذلك رأت أن تتعرَّف أوَّلاً على المزابيين وماذا يعتقدون، وكيف يتصرَّفون؛ فأرسلت العيون إليهم كما أرسلت إلى كل مسالك الصحراء حوله.
فأرسلَت إميل ماسكراي ”MASQUERAY “،(19) في شهر جوان 1878 عينًا وجامعا لما كتبه المزابيون وأسلافهم بأقلامهم. واستطاع أن يطَّلع على بعض المخطوطات وأن يُرحِّلها من ميزاب إلى الجزائر، ولعل ذلك كان في غفلة من أهلها.
وكان أقدمها وأكملها، كتاب: ”السيرة وأخبار الأئمة“ لأبي زكرياء يحي بن أبي بكر الورجلاني ( ت بعد 474 هـ)، وكان اختيار ماسكراي منصبًّا حسبما يبدو على الكتب التي تدرس الحياة الاقتصادية والتاريخية والاجتماعية على الخصوص.
وبعد أن تعرَّفت فرنسا على ميزاب وعلى تاريخه وأهميته الاقتصادية والاستراتيجية، وعلى خطر علمائه ونواياهم ومعتقداتهم، أرسل الحاكم العام بالجزائر تيرمان ”TIRMAN“ رسالة تهديد إلى ميزاب حتى يبرِّر إلحاق المنطقة عسكريا؛ يقول فيها:
«.. لقد أعطى ميزاب منظرًا قاتمًا؛ لقد صار ميزاب ملجأ آمنا لكلِّ المجرمين الذين يلاحقهم قانُونُنا، وصارت أسواقُه مفتوحة لكل المهاجمين من الجنوب، تمدُّهم بذخائر حربيَّة بكثرة… رغم أنَّنا لم نقصِّر عليكم بنصائحنا ولا بتأييدنا المعنوي فإنَّكم لم تريدوا أو لم تستطيعوا !
اليوم وتلبية لنداء المظلومين من هذه المناكر جئنا لاسترجاع النظام والسكينة والأمن عندكم...».
الجزائر: فاتح نوفمبر 1882م
توقيع: الحاكم العام بالجزائر ـ تيرمان ـ
وبهذا أطبق الاستعمار بكلتا يديه على غرداية فأنشأ فيها ثكنة عسكرية تمَّ ربطها بطريق بري وخط هاتفي في نفس الوقت.
وفي ذلك الوقت كانت فرنسا قد أرسلت بعثاتها لوضع يدها على نفائس سدراته(20) ولعلَّ أبرز بعثة هي: بعثة هارولد طاري ”HAROLD TARRY“ عام 1881، للتنقيب عن قصورها الجميلة وعين الصفا ، وقد جلبت لها سيارات حملت أعضاء البعثة وآلات التنقيب مارة وسط العاصمة الجزائرية مُحدثة الذعر والاستغراب لرؤية هذه الآلات العجيبة.
علمت فرنسا أنَّ هذه الأتعاب لن تضيع سُدى فواصلتها إلى سنة 1952 حيث أتت ”مارغريت فان برشم“”M. VAN BERCHEM“ على أغلب اللقى الأثرية وضمَّتها إلى متحف الجزائر ومتاحف فرنسا ربما أيضا إلى منزلها الخاص.
علما بأنَّ فرنسا أيضا في نفس السنة 1881م بعثت لاكتشاف الصحراء الواسعة بعثات انتحارية، وعلى سبيل المثال فقط نذكر رحلة ”فلاتر“ ”FLATTERS“(21)، التي غادرت ورقلة إلى أمجيد 19/01/1881م، فذاقت هذه البعثة وحشية الصحراء وتعرض الطوارق لها، فنفدت مؤونتها ومياهها وأشرفت على الهلاك وتساقط أفرادها قتلا وجوعا، فصار الباقون يأكلون الكلاب التي اصطحبوها معهم، فلما أتوا عليها صاروا يأكلون كلَّ فرد مات منهم مباشرة، فينهشون لحمه قبل أن يبرد، وحينما أتى الناجون بالأخبار تلقَّتها باريس بالأسى من جهة، وبالامتعاض والتقزُّز من جهة أخرى، وهذا ما جعلها تخجل من ادِّعائها نشر الحضارة والرقي، ففشل هؤلاء بينما نجحت وحوش الغاب والحيوانات المفترسة التي تأنف من أكل الجيف، ويقول المثل العربي: «تجوع الحرَّة ولا تأكل بثدييها».
ويريد الحاكم العام التعرُّف على لهجات المنطقة أكثر فيكلف ”رينيه باسيه“ ”BASSET RENE “(22)؛ كي يقوم بجولة في ميزاب، وورقلة، ووادي ريغ، فيستغل زيارته التي قام بها سنة 1885م ويطلع على محتويات المكتبات: بزاوية عين ماضي، وزاوية تماسين ومكتبات ورقلة فيصفها ويعلق عليها.
كما نقل:”مونتيلنسكي“
”C. MOTYLINSKI“(23) نسخة من مخطوط طبقات الدرجيني(24) سنة 1905 م قصد دراسة خصائص المجتمع الإباضي، إذ أنَّ هذا المخطوط أشمل بكثير من سير الأئمة لأبي زكرياء، حيث أن الأوَّل كما أسلفنا عاش حوالي 474 هـ، والثاني حوالي 670 هـ؛ فيكون الثاني قد تحدَّث عن وارجلان وعن بادية بني مصعب ودرس العلاقة بين المنطقتين أكثر.
كما اهتمَّ أيضًا ”بوسترو“ ”BOUSSOUTROT “(25) بتهريب المخطوطات، ومن بينها نسخة أخرى لمخطوطة أبي زكرياء، هرَّبها من ميزاب إلى تونس إبان مشاركته الهجومية على ميزاب، ومن تونس نقلها إلى فرنسا حيث وجدها المحقِّق التونسي: عبد الرحمان أيوب في تركة المستشرق مع مجموعة أخرى من المخطوطات.
وهكذا نجد الاهتمام بهذا الكتاب التاريخي بالغًا، وكما نجد نُسخًا منه لدى المستشرقين في أماكن أخرى من أوروبا وآسيا. نجد نسخة أخرى كاملة وفي غاية الوضوح في مكتبة الهيئة العامة للكتاب بالقاهرة (تحت رقم: 9030 ح) مع مجموعة أخرى من كتب السير.
ولا شك أن كتب السير أفادت جميع الدارسين فيما بعد بأحوال المشايخ وأعمالهم، وطرق تدريسهم، كما أفادت الجانب الاقتصادي، ويسَّرت لمن أراد التوغل في الصحراء التعرُّف على المدن وأحوالها وثرائها وفقرها، وحاجتها إلى واردات بعينها، كما فتحت أعيُن الطامعين على تِبر غانة وأماكن استخراجه، وغير ذلك من الفوائد الجمَّة، سواء أكانت ثقافية أم اقتصادية أم اجتماعية.
كما نجد ”هنري دوفيريي“ ”DUVERIER HENRI“(26) أيضًا يتجوَّل في الصحراء، ويمرُّ بغرداية، ويزور سدراته ويتوغَّل في الصحراء في زيٍّ عربي وهذا ما فعله كثير من أمثاله حتى يندسُّوا في الأوساط التي يريدون التعرف عليها أكثر.
ويذكِّرني التقرب والتزلف أو التنكر عند هؤلاء حتى ينالوا مبتغاهم، ما كان يفعله ”زيغمونت سموجورفسكي“، فأنا أعدُّه أخطر جامع للمخطوطات من أيدي المزابيين.
والحديث عن: ”زيغمونت سموجورفسكي“ و”موتلنسكي“ البولونييَّن، يجعلنا نحار كيف دخل هؤلاء الجزائر في ظل الحكم الفرنسي، وكيف اندسُّوا في الجيش مترجمين تارةً وسيَّاحا أو مبشِّرين تارة أخرى، ولعلَّهم أيضًا يخدمون ركاب الصهيونية العالمية من حيث لا ندري؛ إذ توحي أسماؤهم بأنَّهم من أصل يهودي.
فمن هو: ”زيقمونت سموجورفسكي“ وأين انتهت به الرحلة وبصناديق مخطوطاته ؟.
قبل الحديث عن أعمال ”زيقمونت سموجوفسكي“ والتعريف به نقول إنَّ مجموعة كبيرة من علماء بولونيا وروسيا سبقوه في الاهتمام بالعالم الإسلامي على الإطلاق، فترجموا كتبًا عربية إلى الروسية والبولونية واستفادوا من الموروث الحضاري العربي والإسلامي قبل وبعد سقوط الدولة العثمانية. فأخذوا المخطوطات العربية إلى خزانات عواصمهم، فهذه: سانت بطرسبرغ (أي لينينغراد) تضمُّ مكتباتها العدد الهائل من المخطوطات العربية والفارسية الإسلامية، وكذلك مكتبة المتحف الآسيوي أيضا.
لقد كان هذا كما أسلفنا كله في حال ضعف المسلمين ونهب ثرواتهم، ومن أهمها: مصحف عثمان رضي الله عنه وعليه قطرات من دمه، وهو في صندوق من الزجاج.
كما عني: ”كراتشكوفسكي“ ”KRATCHKOVSKI“ بترجمة القرآن الكريم إلى الروسية، وقد صدرت سنة 1964م(27) ، كما عنيت ”كراتشكوفسكيا“ زوجته بآثار ونقوش حضرموت.
وقائمة العلماء تطول مع ما كتبوه وترجموه، والوقت لا يتَّسع لذلك، علمًا بأن في بولونيا علماء مسلمين، درسوا أيضا تراثهم الحضاري الإسلامي عن أجدادهم.
وعُني: ”شوموفسكي“ ”CHOMOVSKI“ بنشر الأراجيز الثلاث: لأحمد بن ماجد البحار العُماني المشهور(28).
”زيغمونت سموجورفسكي“
”z. SMOGORZEWSKI“ (1884-1931)م:
سافر إلى الجزائر وإلى ميزاب مرتين؛ المرة الأولى كانت سنة: 1913م ، والمرة الثانية كانت سنة: 1926م حينما أحسَّ بدنوِّ أجله. وبفضل التزكية التي نالها ـــ كما قال ـــ من الباروني في القاهرة قبل وفاته: 1914، استطاع أن يستفيد من العُمانيين وعلى رأسهم الشيخ السالمي(29) والمزابيين وعلى رأسهم الشيخ أطفيش (30)، والسيد: داود إبراهيم قاضي غرداية(31)، والسيد: ابراهيم بن بنوح شيخ المسجد الإباضي بالجزائر، الذي سهَّل له التعرُّف على الوثائق النادرة. واستطاع أن يزور مواطن الإباضية بميزاب، والجزائر، ونفوسة، وزنجبار وعُمان.
ونقل ــــ حسب ماقاله ”تاديوش ليفسكي“، في لقاء معه بكركوفيا ــــ مخطوطات نادرة داخل صناديق متعدِّدة إلى (الفوف L VOVE) حينما كانت بولونية قبل سقوطها في الأيادي الروسية إبان الحرب العالمية الثانية، وأن يصطحب معه عربيًّا من تونس قيل لنا إن اسمه: حربي، بعد أن طلب من إبراهيم متياز اليزجني السفر معه ليكون أستاذًا محاضرا بجامعة (الفوف)، فرفض ذلك لعدم قبول والده.
ولقد زار ”زيغمونت“ أيضا وارجلان، وزار قبر أبي عمَّار، ويقصُّ ذلك الشيخ إبراهيم أعزام الوارجلاني (ت 1965 ) - من خلال أوراق بخطِّ يده قائلا: «لقد طلب مني ”زيغمونت سموجورفسكي“ زيارة قبر الشيخ أبي عمَّّار؛ فذهبنا سويا إلى قبره، فجثا على ركبتيه، وخلع قبعته في خشوع لا يتحرَّك، وكان كلَّما ذكره يقول: ”قال أستاذنا“، واعتَقَدَ الشيخ أعزام ذلك منه منتهى الأدب والأخلاق الفاضلة»(32).
قد تكون حقًّا أخلاقا فاضلة إن لم ترتبط بمصلحة خطيرة مثل هذه؛ وهي أخذ المخطوطات؛ ولكن حيث أعقبها عمل كهذا فإنه لا يعدو أن يكون نفاقًا واستغفالا.
ويسافر ”زيغمونت سموجوفسكي“ إلى سوريا، ويُلقى القبض عليه، ويفقد الكثير من مخطوطاته، وحسب ظنه أنها نقلت إلى المكتبة الظاهرية(33).
ويأتي بعده تلميذه ”تاديوش لفيتسكي“ ”LEWICKI TADEUDZ“ ويصف تهريبه للمخطوطات إلى داخل بولونيا أيام الحرب العالمية الثانية قائلا: «جمعتُ كثيرًا من المخطوطات حملتُها معي إلى كراكوفيا، ولقد اختبأتُ أكثر من ثلاثة أيام داخل مواسير المياه قبل أن أنجو من الروس»(34).
ويستفيد تاديوش ليفتسكي أيَّما استفادة من المخطوطات التي نقلها. أمَّا الباقي فيقول ربما قد احترقت باصطلاء الناس بها أيام البرد القارس(35).
وحينما نطَّلع على ما ألفه من كتب ومقالات بالفرنسية والبولونية نلمس الجدية والموضوعية في كتاباته، ولا نجد أدنى تحيُّز أو غمز - حسبما يبدو - .
أضف إلى ذلك ما نلمسه من عمق في التفكير ومقارنات يخرج في أغلبها بنتيجة قلَّما يتفطَّن لها القارئ العادي(36).
وحينما زرناه في داره كان بطيء الخطو يحمل بين يديه المرتجفتين آلته الراقنة فيقول: «أنا أحرِّر كل يوم ثلاث ساعات بنفسي على هذه الآلة، والآن بما أنَّني لا أقوى على السير أكثر من ثلاث لفَّات حول بيتي في الحديقة، لم أترك ما تعودت عليه، وكانت زوجته ليفيتتسكايا أيضا عالمة فقد كتبت عن بعض الدول الإفريقية دراسات سيسيولوجية. وقبل أن نودِّعها أخرجت لنا من دولاب قاعة الاستقبال مصحفين شريفين قالت: «هذا أغلى ما تركه لي والدي قبل وفاته».
وكانت آخر كلمة ”تاديوش لفيتسكي“ قبل توديعنا له: «لا تنسوا إبلاغ سلامي الحار إلى أعضاء حلقة العزابة».
لستُ أدري هل وقعتُ أيضا في الشراك التي وقع فيها الشيخ أعزام من تصديق حسن نوايا هؤلاء؟ وهل يختلف ”تاديوش“ عن ”زيغمومنت“ حيث إنَّه لم يقم بترحيل المخطوطات بل عني بحفظها ودراستها ؟.
ومع ذلك فإنَّ ما وجدت من كتابة على بعض المخطوطات يجعلني ألومه إن لم أتَّهمه أيضًا لعدم إرجاعها إلى أصحابها، حيث كتب عليها: «هذا وقفٌ في سبيل الله لمسجد كذا أو لمكتبة فلان ، لا يجوز إخراجه أبدًا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها».
هكذا تنتابك الحسرة وأنت تُرجع المخطوطات إليهم وهي فلذةٌ من فلذات كبدك، وريحٌ عطرٌ من أريج أجدادك، وكتبٌ فيها آيات بيِّنات، لأناسٍ ليسوا من المطهَّرين، ولا من الأولياء المقرَّبين، وبهذا تترك بطاقة هويَّتك في جيب غيرك، يتصرَّف بها كيفما يشاء !...
ونتساءل إزاء هذا ؟:
1 - أين مخطوط: البراهمي في سلوك المذهب الإباضي، للشيخ إبراهيم بن بانوح الذي ذكره ”جون ليثيو“ ”JEAN LETHIELLEUX “ في كتابه: ”ورقلة مدينة صحراوية“ ”OUARGLA cit sahsaharienne“ وهذا المخطوط المذكور يتحدَّث عن سدراته ويتألَّف من خمسة أجزاء ؟.
2 - لقد زار المستشرق ”زيغمونت سموجورفسكي“ السيد: محمد الباروني في القاهرة حتى يتوسَّط له ـــ حسب قوله ـــ لدى المشايخ المشارقة والمغاربة؛ هل صادف وأن رأى الجزء الأوَّل من كتاب ”الأزهار الرياضية“؟ أم ضاع قبل ذلك التاريخ ؟.
3 - أين كتاب ”تاريخ المغرب“ للشيخ أبي إسحاق إبراهيم اطفيش(37) الذي ذكره في مقدمة كتاب الوضع لأبي زكرياء يحيى بن الخير الجناوني، ألم يطلع عليه أحد ؟.
4 - أين ما جمعت ”مارغريت فان برشم“ من اللوحات الجصية؟ أين ملاحظاتها وأعمالها المخطوطة؟.
5- أين ترِكةُ ”زيغمونت سموجوفسكي“ إذ أنه كان - كما لاحظت - يبيع المخطوطات لمكتبة (الفوف) بالأقساط ليس مرَّة واحدة، بل في أيام متباعدة، وبدراهم معدودة وكان فيها من الزاهدين، وبالعملة البولونية «الزلوطي» أي أنَّه لم يبعها مرَّة واحدة، وهذا يعني أنه كان يبيع حينما يحتاج.
ثم توقَّف البيع. وبالتالي، هل كفته تلك الصفقات وأحجم بعد أن درَّت عليه بالأموال ؟.
أم أنه قد باعها لغير المكتبة التي زرناها، إذ أنَّ ”تاديوش ليفتسكي“ قال بأن المخطوطات كانت في صناديق متعدِّدة ؟.
6 - أين المخطوطات النفيسة مثل تفسير أبي يعقوب الورجلاني، وكتابه التاريخ الكبير لسدراته ووارجلان ووادي ريغ ؟.
7 - أين المخطوطات التي جمعتها أخت: ”جون دوني بوسترو“ القاطنة بجنوب فرنسا ؟ وهل حلَّت المشكلة العائلية بينهما، حتى يُفصحا عمَّا عندهما من المخطوطات من تركة أبيهما: ”جون أوغست بوسترو“”JEAN-AUGUSTE BOUSSOUTROT“ ؟.
8 - أين مخطوط ”الأنساب“ الذي أعطاه أحد شيوخ مسجد حادور لأحد الآباء البيض للاطلاع عليه ولم يرجعه إليه ؟ وهل يليق بأب مسيحي زاهد أن يستولي عليه ؟.
9 - لقد أعطى شيخ أنقوسة لـ”هارولد تاري“ مخطوطتين مهمتين تضمَّان تاريخ سدراته كما قالت ”مارغريت فان بارشم“(38)، أين هاتان المخطوطتان ؟.
هل هناك طريقة للتعرُّف على أماكن تركات هؤلاء مع وجود الأنترنت ووسائل الاتصال الحديث ؟.
كلُّ هذا ممكن إن خلصت النيَّات والعزائم والعمل لوجه الله تبارك وتعالى.
للتذكيــــر:
1 - للجزائر على طريق التجارة مكتباتٌ ضخمة علتها الرمال.
2 - وجنوبًا في موريتانيا ومالي آلاف المخطوطات طواها الإهمال.
3 - وفي تركيا تحت الأرض أنفاق على جانبيها المخطوطات بالكلومترات.
4 - وفي اليمن عُثِر في سقف مسجدٍ عتيق على مصندقات بها عدد هائل من المخطوطات.
5 - في روسيا، ألمانيا، فرنسا، بولونيا، إيطاليا، تشكوسلوفاكيا، إسبانيا، إنجلترا وغيرها... بها من المخطوطات الإسلامية ما يندهش لعدِّها ووصفها الإنسان.
هل فكَّر العالم الإسلامي باسترجاعها وبعقد مؤتمرات تراثية كلَّ عام على غرار الأوبك المهتم بالذهب الأسود؟ ألا نفكِّر في الذهب الأبيض النوراني الخالد ؟.
أين الحل ؟ :
والآن وقد أتينا إلى نهاية العرض بقي أهمُّ شيء على الإطلاق، وهو كيف نتصرَّف نحن الخلف إزاء ما تركه السلف ؟
ونقول أوَّلاً:
1 - هل عَمَلُ أفرادٍ يفي بالمقصود، أليس هذا عمل جمعيات ثقافية ؟ أليس هذا عمل دولة ؟.
2 - أين دولتنا الفتيَّة من مدينة سدراته؟، تلك المدينة التي ما إن سمعت بها فرنسا، و ما إن وضعت أقدامها على الرمال الصحراوية المحرقة حتى سخَّرت لها أحدث السيارات، في وقت ينعدم فيه البنزين، والإسفلت، وحفارات المياه للكشف عن ”عين الصفا“ بسدراته.
وأتت امرأة ضعيفة وقهرت الرمال وحملت صناديق الألواح الجصيَّة إلى حيث ندري ولا ندري، ومنذ سنة 1952م إلى حدِّ اليوم لم يحرِّك أحدٌ ساكنا !!!
ألا يمكن أن تتأسَّى دولتنا الفتية في ظلِّ العزة والكرامة، واسترجاع تراثنا الضائع بعمل هؤلاء الأجانب الغرباء ؟.
3 - ألا يمكن لدولتنا على ضوء حنكة السياسيين المثقفين أن تنشئ وزارة للتراث على غرار بعض الدول الإسلامية الرائدة في هذا المجال ؟(39).
هذا كلُّه لا يعني أن يبقى الشباب الطموح يستجدي الدولة، في وقت ربَّما هي بحاجة فيه إلى إرساء قواعدها، وترميم جدرانها. فعلى كل مستطيعٍ أن يسبق الصوت شرقًا، وشعاع الشمس غربًا، مُنفقًا ما جمع، وباذلا شبابه وكهولته للبحث عن قطرات عرقٍ سقطت من جبهة جَدِّه من أجل إعلاء شأنه.
إنَّ النوايا الطيبة موجودة ولله الحمد، بقي لنا أن نسأل الله الهداية والتوفيق، فهما كفيلان للوصول بنا إلى أعلى المراتب وأحسن النتائج.
{وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}.
(التوبة 105)
(
والحمد لله رب العالمين.
المراجـع
أ ـ بالعربية:
1-أحمد بن سعيد (أبو العباس) الدرجيني: «طبقات المشائخ بالمغرب»، تحقيق: ابراهيم طلاي، مطبعة البعث. قسنطينة. الجزائر د. تا.
2-اسماعيل العربي: «الصحراء الكبرى وشواطئها». المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر . 1983م.
3-جمعية التراث (د. محمد ناصر، وآخرون): «دراسات وابحاث عن الإباضية». بيبلوغرافيا. غرداية. مرقون. 15 جوان 1989م
4-الحبيب الجنحاني: «دراسات مغربية في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي للمغرب الإسلامي»، دار الطليعة ، بيروت ، لبنان. 1980م.
5-يحي بن أبي بكر (أبو زكرياء): «كتاب السيرة وأخبار الأئمة» ، تحقيق عبد الرحمن أيوب، الدار التونسية. سنة: 1405 هـ/1985م.
ب ـ بالفرنسية:
1- BASSET . RENE: Les manuscripts arabes des bibliotheques de Zaouia de Ain Madhi. Et Temacine et de Ouargla et d Adjedja. Alger - I.A.O.F. 1887.
2- LETHILLEUX . JEAN : Ouargla Cite Saharienne, des Origines au debut du XX Siecle. Paris, Paul Geuthner, 1983.
3- LEWICKI . TADEUDZ: Etudes magribines, Soudanaises. Edition Scientifique de Pologne.Varsovie. 1976.
ج ـ مـقــابــلا ت:
1-تاديوش ليفتسكي -كراكوفيا ، بولونيا 1989م.
2-فرنر شفارتز -ألمانيا الغربية، 1989م.
--------------------
الهوامش
*- أصل هذا البحث محاضرة أُلقيت بقاعة ابن خلدون بالعاصمة الجزائرية بمناسبة ملتقى ألفية بني مزغنة وبني ميزاب، تحت شعار القافلة الثقافية والاقتصادية الغرداوية بمحافظة الجزائر الكبرى، من 01 إلى 05 جويلية 1999.
**- أستاذ بقسم التاريخ والحضارة الإسلامية، جامعة وهران.
3- صادف تاريخ إلقاء هذه المحاضرة انعقاد المؤتمر الخامس والثلاثين لمنظمة الوحدة الإفريقية بالجزائر.
4- تميجار: قريةٌ بجبل نفوسة، وُلد فيها الشيخ: علي بن يخلف بن يخلف التميجاري، واشتهر: بأنه أدخل ملك مالي الإسلام وتبعه شعبه وكان ذلك سنة: 575 هـ/80 ـ 1179 م، ينظر الدرجيني: الطبقات، ج2 ، ص 517.
T. Lewicki , Les Historiens … p.23.
5- انظر: يحي محمد بكوش، فقه الإمام جابر بن زيد. ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب 4/12. الذهبي، تذكرة الحفاظ 1/23. ابن حبان ، الثقات 6/230 . من مجلة الحياة، عمر أحمد بازين ، الإمام جابر بن زيد ص 136 .
6- انظر كتاب: فقه الإمام جابر بن زيد، يحي بكوش ط/2 ـ 1988، ص:11 .
7- إذا رتَّبنا أئمة المذاهب زمنيا يكون ترتيبهم كالآتي:
أ ـ جابر بن زيد، إمام المذهب الإباضي 18 ـ 93 هـ .
ب ـ واصل بن عطا، إمام مذهب الواصلية 80 ـ 171 هـ.
ج ـ أبو حنيفة النعمان، إمام الحنفية 80 ـ 150 هـ .
د ـ مالك بن أنس، إمام المالكية 93 ـ 179 هـ.
هـ ـ محمد بن إدريس الشافعي، إمام الشافعية 150 ـ 204 هـ.
وـ أحمد بن حنبل، إمام الحنابلة 164 ـ 241 هـ.
8- أبو العباس أحمد الدرجيني ، طبقات ج1 ـ ص 57 .
9 -ينظر كتاب: مسائل نفوسة ، للإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمان بن رستم، تحقيق: ابراهيم طلاي، المطبعة العربية، غرداية .
10 - ابن سلام ، الإسلام وتاريخه من وجهة نظر إباضية، المقدمة تحقيق: الشيخ سالم بن يعقوب، د. فرنر شفارتز ص6.
-حسن حسني عبد الوهاب، ورقات، قسم 1 ، ص 80. المقدمة.
11- ينظر: سير الشماخي ص: 142 ، طبعة حجرية.
12- بلدة أعمر حاليا وهي تابعة لولاية ورقلة (وارجلان).
13- القبيلة التي تسكن شبكة وادي ميزاب.
14 - الدرجيني ، طبقات ، ج2 ، ص 445.
15 - على سبيل المثال نذكر الشيخ محمد بن شامس البطاشي، الذي توفي السنة الماضية، فقد ألف في الفقه أرجوزة تبلغ 124 الف بيت، وسألت يومًا ابنه وقد كان أحد طلبتي بعُمان عن حاله فقال: لقد كلَّت حافظته الآن ولا يحفظ أكثر من ثلاثمائة بيت في اليوم فقط...!!!
16 - يُنظر: أبو العباس، القسمة وأصول الأرضين، تحقيق: الشيخ بكير بن محمد الشيخ بالحاج، د. محمد ناصر، ط: 2 ، نشر: جمعية التراث، القرارة، غرداية، 1418 هـ/1997م.
17 - ولقد قامت أيضا جمعية التراث بالقرارة مشكورة، بعمل جبَّار فقد أحصت أكثر من 13 مكتبة خاصة بوادي ميزاب تضمُّ أكثر من ثلاثة آلاف (3000) مخطوط نفيس، وبقي الكثير ينتظر المزيد من الجهد.
18 -ينظر:
MOTYLINSKI , Les livres de la secte Abadite I.A.O. Alger 1885.
19 -ينظر:
MASQUERAY , E. Les chroniques du Mzab 1878.
20 - تبعد سدراته عن وارجلان بـ: 14 كلم، بها آثار إسلامية رائعة خُربت سنة: 626 هـ ، على يد ابن غانية الميورقي، وهي الآن مغمورة بالرمال.
21 - ينظر تفاصيل الرحلة من كتاب الصحراء الكبرى وشواطئها، لإسماعيل العربي، م.و.ك. الجزائر، 1983 ، ص: 100 ـ 107 .
22 - BASSET RENE , Les Manuscrits arabes des bibliothèques de zaouia de Ain Madhi et de Tamacine et de Ouargla et D adjadja , Alger I.A.O. 1886.
23 - موتيلنسكي: مترجم في الجيوش الفرنسية من أصل بولوني.
24 - هو أبو العباس أحمد بن سعيد الدرجيني، عاش إلى ما بعد 670 هـ ، له كتاب: طبقات المشايخ بالمغرب يتألف من جزئين، حققه الأستاذ: طلاي ابراهيم ، مطبعة البعث قسنطينة.
25 - جان أوغشت بوسترو، Jean Auguste BOUSSOUTROT ولد في الجزائر العاصمة سنة: 1852 م، شارك في المعارك قرب ميزاب أفريل سنة 1881 م وفي نفس السنة شارك في احتلال تونس 1881م مع الجيوش الفرنسية واستقر بها إلى أن قضى نحبه 1937 م. ينظر مقدمة: عبد الرحمان أيوب، سير أبي زكرياء.
26 - ولد هنري دوفريي سنة 1840 في باريس زار الجزائر 1857 أول مرة، ثم الصحراء، وتعلم لغة التوارق: تماشق، والكتابة التيفيناغية. وفي سنة 1859 زار الجزائر مرة أخرى ومنها إلى غرداية واتجه إلى المنيعة، واستفاد من أوراق المكتشف الألماني بارث، ومات منتحرًا، وله صورة بالزي العربي.
27 - هو كراتشكوفسكي اغناطيوس (1883م ـ 1951م). لقد سبقه العالم بوزاكي بن الحاج يعقوب بوزاكي في بولونيا إلى ذلك سنة 1858م.
28 - عاينتُها في مكتبة لينيغراد.
29 - هو الشيخ نورالدين أبو محمد عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي - رحمه الله - ولد ببلدة الحوقين 1286 هـ/1868م، وتوفي سنة 1332 هـ/1914 م، من مشايخه: الشيخ راشد بن سيف اللمكي، وعبد الله بن محمد الهاشمي، ومن تلاميذه: الإمام محمد بن عبد الله الخليلي، الإمام سالم بن راشد الخروصي. ينظر: مقدمة منظومتي أنوار العقول وكشف الحقيقة.
30 - هو الشيخ أمحمد بن يوسف اطفيش اليزجني ـــ رحمه الله ـــ قطب الأئمة، ولد في سنة 1237 هـ - ت 1332 هـ /1818- 1914م. من مشايخه: أخوه الأكبر: إبراهيم بن يوسف، الحاج أمحمد بن عيسى ازبار، تبلغ مؤلفاته أكثر من ثلاثمائة مؤلف.
31 - سماه د. الحبيب الجنحاني : بمحمد بن إبراهيم بوفارة، القاضي الإباضي بغرداية. ينظر: د. الحبيب الجنحاني، دراسات مغربية في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي في المغرب الإسلامي، دار الطليعة، بيروت، ط/1 ، 1980 ، ص، 98.
32 - ورقات بخط المؤرخ الشيخ أعزام الوارجلاني.
33 - ولقد مررت بدمشق إلى سلطنة عُمان ( ترانزيت ليوم واحد؛ شتاء 1997م)، قصدت المكتبة الأسدية حيث ضُمَّت المكتبة الظاهرية إليها فوجدت في قوائمها ستَّ مخطوطات إباضية، لم أتمكن من تصويرها أو رؤيتها لضيق الوقت، وربما هي من مقتنيات زيغمونت… .
34 - لقاؤنا معه في منزله بكراكوفيا سنة 1989م مع السيد: الحاج سعيد محمد، والحاج الناصر مختار.
35 - ولحسن الحظ وجدناها سليمة، بعد التقصي الشاق والمضني، كما ندين بالفضل للأستاذ: إبراهيم بن يحي ناصر، موظف بالسفارة الجزائرية بموسكو، ولا ننسى فضل السفارة الجزائرية على رأسها سعادة السفير: الحاج محمد يعلى.
36 - M. CANARD., Les travaux de T.Lewicki. R.A. vol. 103, Alger 1959.
وينظر أيضا: محمد عيسى موسى (المدير السابق للمكتبة الوطنية الجزائرية)، مقال: الإباضية في أعمال المستشرق البولوني تاديوش ليفتسكي ، مجلة عالم الكتب، مج/ 5 ، ع/1، 1984م.
37 - هو أبو إسحاق إبراهيم بن الحاج محمد اطفيش، ولد سنة 1886م ببني يزجن، وتوفي سحر يوم 20 شعبان 1385 هـ الموافق: 13 ديسمبر 1965م ـ رحمه الله ـ ترك آثارا جليلة، وخصه د. محمد ناصر بكتاب كامل، عنوانه: الشيخ إبراهيم اطفيش في جهاده الإسلامي. جمعية التراث، القرارة. م.و.ف.م. رغاية ، الجزائر 1991م.
38 - M. V. BERCHEM deux compagnes de fouilles a SADRATA 1951 – 52 p. 124.
39 - وزارة التراث بسلطنة عمان، قامت بأعمال جليلة، من طبع للمخطوطات، وترميم للقلاع والحصون، ولقد ميَّزت هذه الأعمال الجريئة السلطنة الفتية بطابع خاص.
نُشر المقال بدورية الحياة، العدد: 08، الصادر في رمضان 1425هـ/ نوفمبر 2004، ص: 180.