أبقاه الله ذخرًا وسندًا للأمَّة الإسلامية
للشاعر: د/ محمد صالح ناصر

ملاحظة:
نظم الشاعر هذه القصيدة قبل وفاة الشيخ سعيد بن بالحاج شريفي (الشيخ عدون) رحمه الله يوم الثلاثاء 19 رمضان 1425هـ/ 2 نوفمبر 2004م (فريق الموقع)

أبتــاه...

أبتاه مهما حلَّقتْ بالشعر أخيِلتي فدون سَماكَ آفاقٌ عليـَّة
مهما تسامَى الشِّعرُ لن يَرقَى إليكَ مُعلِّمي فَلأنتَ أشرَفُ أفضَليـَّة
مهما تُطاوعُني القوافي لن تُعبِّر أو تُصوِّر ما يَجيشُ بأصغَـريَّة
أنا في مَغَانِيكَ ازدهى رِيشِي فطارَ بِيَ الجناحُ إلى السمَاءِ الجامِعـــيَّة

إن ينطلِق قَلمِي، فإنَّ الفضلَ فيه مُلقِّني يَومًا حُروفَ الأبجـَـديَّــة
والنخلةُ الفيحاءُ غَرسُكَ والِدِي ووقارُ صوتِك لم يَزَل في مَسمَعَــيــَّة
أنَا في رياضِ المعهدِ الغنَّاءِ سَاجَلْتُ الهذيلَ حمائمَ الشِّعرِ الشَّجِيَّـة
كَم لذَّ لِي في أيكِه سَجْعُ الحَمَائِمِ وهِيَ تَهتِفُ بِالأصَالَةِ عَبقَرِيَّـة
يَا مَعهَدًا ذِكراهُ رغمَ تَعاقُبِ الأَعوامِ تَنبِضُ في صَمِيمِ القلبِ حَيــَّة
وَالذِّكرياتُ كَنُورِ وَجهِكَ أشرَقَتْ في النَّفسِ تَقبِسُ من أُبُوَّتِكَ الوَفـيَّة
وتَلُوحُ مِن عَينَيكَ أَنوارُ التُّقَى فتُضيءُ في دربِ الحياةِ لَنَا الطَّــويَّة
يَا لَلأَحادِيثِ العِذَابِ تَفيضُ مِن أَعمَاقِ نَفسِكَ بِالهُدى أَبدًا سَخِـيَّة
الوعظُ عِندَكَ ليسَ قولاً، إنَّه مُثُلٌ تجسَّد في سُلُوكِكَ سَرمَـدِيَّة
والجِدُّ عندَكَ في التَّعلِيم فطرةٌ مَوصُولَةُ الأنفَاسِ صُبْحًا بِالعَشِــيـَّة
علَّمْــتَنا ألاَّ نَرَى غير السَّماء تَديُّنًا، وتَسَاميًا فوق الدنــيَّـة
وتَطلُّعًا للعلم لَيسَ بِمُنتَهٍ، مَا لَم يُشوِّه مِن أَصَالَتِنَا الغَنِـيَّـة
لقَّنتَنَا قِيمَ الصَّلاة فَحوَّلتْ مِنَّا النفوسَ مَآذنًا شَعَّتْ سَنِـيَّة
عَوَّدْتَنَا فَرضَ الجماعَةِ، فانصَهَرنَا في الجماعَةِ لا نَدِينُ بِطَائِفِيَّة
فَتَّحتَ أَعيُنَنَا بِنُورِ الفجرِ فَانْجَابَتْ دَيَاجِي كُلِّ مُشكِلَــــةٍ عَصِـيـَّة
وَأَضَأْتَ مِن نُورِ الكِتَابِ طَريقَنَا فتَوَجَّهَت نَحوَ المعَالِي مَسجِـدِيــــَّة
وَتَوحَّدَت خَطوَاتُنَا نَحــو الغدِ البَسَّامِ نَمضِي في طريقٍ سُندُسيَّــــة
الدِّينُ أرضَعَنَا فَآخَى بَينَنَا والدِّينُ لِلأفكَارِ رَابِطَةٌ قَــوِيَّـة
حَتَّى عَصَاكَ لِمَن عَصَاكَ تَسِيلُ إِشفَاقًا فَيرتَدِعُ الضَّمِيرُ وَلا أَذِيَّة
في كُلِّ قَلبٍ مِن بَنِيكَ مُسَجَّلٌ ”إنِّي شَرِيفٌ“ لاَ أَبيتُ عَلى الدَّنِــــيَّة
بِكَلامِنَا لَفْظٌ مُفِيدٌ، أو عِظَاتُ النَّاشِئِينَ سَمَتْ إلى أُفُقٍ عَلِـيَّة
العُرسُ عُرسُكَ أيَّةُ حَفْلَةٍ مَهمَا احْتَفَتْ سَتَظَلُّ رَمـــزًا أو تَحِـيَّة
مَهما احتَفَيْنَا أو أَشَدْنَا لَن نَفِي لِمُعلِّم الأَجيَالِ حَقَّ الأبْجَدِيَّة
أَرَأيتَ أَفضَلَ أو أَجَلَّ مِنَ الَّذي يَبنِي النُّفُوسَ لتَبلُغَ الرُّتَبَ العَلِيَّــة
يَبنِي النُّفُوسَ بِعَقلِهِ وَبِقَلبِهِ، مَنْ ذَا يُقَـدِّرِ في البُنَاةِ لَـهُ المزيَّـة
سِتُّونَ عَامًا يُنشِئُ الأجيَالَ في حِضنِ الجزائِر بِالكِتَابِ محــمَّدِيَّـة
الفارِسُ المجهُولُ أنتَ تَصُولُ سِرًّا في سَبِيلِ الله تَسْتَبِقُ الــسَّرِيَّة
مِائَةٌ خُطَاكَ وأنتَ تَحضِنُ في النَّوادِي رَايَةَ القُرآنِ خَافِقَةً عَلِيَّة
مِائَةٌ وَخَطْوُكَ في سَبيلِ الله قُرآنٌ وَسُنَّةُ أَحمَدٍ نَبَتَت قَوِيَّة
الضَّادُ عَهدُكَ كَم نَشَرتَ لهُ المدَارِسَ للشَّبِيبَةِ تَحمِلُ الفُصحَى قَضِـيَّة
جَلَّ الَّذي أعطَاكَ فِكرًا نَيِّرًا، وَبَصِيرَةً في العِلمِ شَعَّتْ جَابِــريَّة
وَعَقِيدَةً سَمحَاءَ مِن حَوضِ النَّبيءِ كُؤُوسُ شِرْعَتِهَا تَفِيضُ مُنىً طَلِـيَّة
مِائةٌ وَمَا تَشكُو الحيَاةَ مَسَرَّةً، وَمِنَ الشَّبابِ مَن يُصَوِّحُ سَـوْدَوِيّـَة
كَالطِّفلِ قَلبُكَ بِالبَراءَةِ مُفعَمٌ، وَالشَّيبُ يُهدِيكَ التَّجَارُبَ عَبقَــرِيَّة
وَقَوافِلُ الأجيالِ كَم وَرَدَتْ بِحَوضِكَ تَنْهَلُ الفُصحَى كُؤوسًا أَحمَــــدِيّـَة
وَفي كِلِّ شِبرٍ مِن بِلادِي أَوفِيَاءٌ لِعهدكَ الزَّاكِي تَضُمُّهمُ حميـَّة
الضَّادُ في لَهَوَاتِهِم، والبَربَرِيَّة في لِبَانِ الأُمَّهَات لهم سَجيَّة
عَشِقُوه وَحْيًا سَلسَبِـــيلاً مُتْرَعَ الحَسَنَاتِ عَن رَبِّ البَــريَّة
وَكلامُ رَبِّ العالمينَ هُدىً وَبُشرَى لِلخَلائِقِ رَحمَةً فَاضَتْ سَنِــيـَّة
جَلَّ الذي أعطَاكَ مِنْ بَرَكَاتِهِ، وَأفَاضَ كأسَ الخَيرِ حَولَك حلقــيَّة
لَقَّاكَ مِن رَبِّي نَعِيمٌ دَائِمٌ في جَنَّةٍ أفيَاؤُهَا أَبَدًا سخيَّة
أَبَتَاهُ، مَهمَا حلَّقَتْ بِالشِّعرِ أَخْيِلَتِي فَدُونَ سَمَاكَ آفاقٌ عَلِيَّة
أَهدَيْتُ شِعرِي بَاقَةً لَكَ يَا أَبِي.. هَلاَّ قَبِلْتَ مَع اعتِذَارَاتِي الهَدِيَّة؟
حَسْبِي شَفِيعًا أَنَّنِي مِن رَوضِكَ الفَيْنَانِ أَقطِفُ بَاقَةً لَكَ شَاعِريَّة
الجزائر يوم: 07 جوان 2004
نُشرت القصيدة بدورية الحياة، العدد: 08، الصادر في رمضان 1425هـ/ نوفمبر 2004، ص: 241.

اسم الكاتب