د. محمد زغينة - جامعة باتنة
أ ـــ المفهوم والمصطلح:
«المحاورة: هي المجادلة، وتدور حول اعتقادات وقناعات معينة، وتتميز بطابع التضاد، معتمدة في ذلك على تعارض المعايير القيمية أدبيًّا»(1).
فالحوار إذن: تبادل الكلام بين اثنين فأكثر، وهو نمط تواصلٍ، حيث يتبادل ويتعاقب الأشخاص على الإرسال والتلقي(2). بينما يرى الدكتور شوقي عبد الحكيم صاحب موسوعة الفلكلور والأساطير العربية أنَّ «الثنائية في تراثنا: مؤثر آري؛ فارسي، وهي مأخوذة من الصراع المتصل بين إله الخير ـــ في المجوسية ـــ أهوزمزدا، وإله الشر إهريمن، وكان هذا منذ أكثر من أربعة آلاف عام»(3).
وتذهب بعض الآراء إلى أنَّ الحوار، أو الثنائيات أبعد من ذلك إذ تعود إلى اليونان بل إلى أسطورة الحسين والأصيل، وأسطورة نعناعة، والإله والحمار، مرورًا بصراع إبراهيم عليه السلام والنمرود، بل أعمق من ذلك إذ تمتدُّ إلى حوار ابني آدم عليه السلام قابيل وهابيل(4). وعلى العموم فإنَّ الحوار أسلوب حضاري في التعامل والإقناع، ووسيلة استخدمها القرآن الكريم، كما التجأ إليها الكثير من العقلاء.
ب ـــ الحواريات الثنائية «المناظرات» عند أبي اليقظان:
هذه الحواريات الثنائية التي صب فيها أبو اليقظان فكره وأدبه الإصلاحي يمكن تصنيفها في خانة المناظرات، لأنَّها تشبه المناظرة حسب أحمد الشايب الذي يعرِّفها بقوله: «ضربٌ من الكلام يشترك فيه اثنان على الأقل، يحاول كلُّ منهما إثبات رأيه وإبطال رأي خصمه بالحجَّة والبرهان»(5).
وهذا ما نلمسه في حواريات أبي اليقظان التي يُجري فيها حوارًا بين شيئين أو قيمتين أو مؤسَّستين، أو شخصين، أحدهما ـــ عادة ـــ يمثل الماضي والآخر يمثل الحاضر، أي أنَّ أحدهما يمثل السلبية والآخر يمثل الإيجابية. ويحاول أبو اليقظان عن طريق هذا الحوار معاضدة «الإيجابي» لترسيخه في المجتمع، وقطع دابر «السلبي»، أو ألاَّ ينتصر للمتحاورين وذلك بأن يدع أحدهما يعترف بذلك، أو يحاول أن يوفِّق بين حسنات هذا، وحسنات ذاك، ثم تكون النهاية بالتكامل.
وهذه الحواريات عبارة عن حشد من المعلومات المتراكمة عبر التاريخ حول القصية التي حولها المتحاوران أو المتناظران. والمتأمل في الأدب الجزائري الحديث يجد أن بعض الأدباء قد كتبوا هذا النوع من الأدب كما يقول الركيبي: «بالنسبة للنثر فإنَّنا لم نعثر على هذا الشكل الأدبي قبل مناظرة الشيخ عبد الرحمن الديسي(6)، التي أطلق عليها: مناظرة بين العلم والجهل، على أنَّنا لا نستبعد إطلاقًا أن يكون هناك من كتب مناظرات قبل هذا الأديب»(7)، وهذه المناظرة كانت من ألطف أدبه(8). وإذا عدنا إلى القواميس الأدبية فإنَّنا نجدها تعرٍّف هذه الظاهرة أو الفن الأدبي: «المناظرة نوع من المحاضرة يشترك فيها اثنان أو أكثر ويتَّخد كلٌّ موقفًا معيَّنا يدافع عنه بالأدلَّة والبراهين، ويحاول قدر استطاعته ومهارته أمرين واضحين: تأييد رأيه، وتخطئة رأي الفريق الآخر»(9). كما أنَّ هذه المحاورات تشبه ما يسمى بالمناقشة (Discussion) أو المجادلة التي تعني «مجادلة في موضوع وبحث يشترك فيه خصمان على الأقل، يكونان عادة غير متَّفقين على رأي واحد عند الانطلاق، وقد تنتهي المناقشة إلى موقف مشترك، أو يبقى كلٌّ من المتجادلين محتفظًا بقوله وبرأيه»(10).
أمَّا إذا تأملنا الأدب العربي فإنَّنا نجد أنَّ المناظرات من أهم الفنون النثرية، إذ ازدهرت في القرن الثاني للهجرة بسبب المتكلمين وبخاصة المعتزلة الذين اتَّخذوا الجدل والمناظرة وسيلة للدفاع عن آرائهم ومنهجًا لنشر مبادئهم(11).
والمناظرة لها تاريخ أبعد مـمَّا يمكن ان نصل إليه، ولعلَّ أقربها إلينا محاورات الفلاسفة اليونانين، ولكننا نكتفي بهذا القدر إذ أنَّ المناظرة قديمة قدم الإنسان نفسه، ولذلك اشتهرت في القرون الوسطى في الأدب الغربي(12). كما أنَّ هذا النوع يمكن أن يشبه كذلك بعض رسائل الجاحظ الجدلية(13)، ولهذا أطلقنا عليها «الحواريات الثنائية»، أو المناظرات، لأنَّها نوع من الجدل الذي يدل عند جمهور الفلاسفة على مخاطبة بين اثنين يقصد كلٌّ منهما غلبة صاحبه بأيِّ نوع اتَّفق من الأقاويل(14). ويلتجئ الكتَّاب إلى الجدل لأنَّه في رأيهم أكثر إقناعًا من الشعر والخطابة، وأفضل ما تثبت به الأمور النظرية. ومهما يكن فإنَّ الحوار هذا نجد له شبيهًا في الأدب العربي قديمه وحديثه، ومن ذلك مقالة لميخائيل نعيمة على لسان رئيسي الملائكة والشياطين(15).
وأمَّا في الأدب العربي القديم فإنَّنا نجد كثيرًا من هذا النوع لدى أدباء عصر المماليك في كتاب محمود رزق سليم «عصر سلاطين المماليك»(16)، والذي أطلق عليه الموازنات والمفاخرات، ويُعرِّفها بهذا التعريف: «الموازنة أو المفاخرة نعني بها مقالة مسطورة على نمط ما رأينا في المقالات والرسائل، غير أنَّها تفترق عن المقالة بأنَّ موضوع الوصف فيها اثنان أو أكثر، يتبادل الحديث عنهما أو منهما، ويتناوب بالتتابع، وكثيرًا ما يكون الحديث فيها حوارًا ومناظرة على لسان الأداتين أو الشيئين اللذين هما موضوع الحديث والوصف، فيتكلَّم كلٌّ منهما على نفسه مبينًا إحدى محاسنه وخصوصياته ويشيد بها ويصفها وصفًا جميلاً مؤثرا، وهدفه الفخر والبروز والتغلب على خصمه... وقد يقلب إحدى محاسن خصمه عيبًا، ومن هنا تثور الحماسة ويندلع لهيب المفاخرة بين المتخاصمين، ويردُّ الآخر بدوره، فيشيد بخصوصية أخرى من خصوصياته، ويبالغ في وصفها إبرازًا لمحاسنها، ويجمل في تصويرها، وينعي على زميله عيبًا آخر من عيوبه، وهلمَّ جرًّا، حتى تنتهي المفاخرة والحوار بمصالحة بين الطرفين، أو يتغلب طرفٌ على آخر»(17).
غير أنَّ الكاتب لا يلبث أن يناقض نفسه في الجزء السادس إذ يقول: «رأينا في الأبواب السابقة ألوانًا من المناظرات وهي المحاورات المعقودة بين اثنين أو أكثر من الأدوات أو الأشخاص أو الأشياء الأخرى، وذلك كالموازنة بين السيف والقلم، والمحاورة بين الأزهار...»(18)، ويرى عبد القادر دامخي أنَّ هذا الفن اشتهر به الأندلسيون حتَّى نُسب إليهم(19). إلاَّ أنَّ الحقيقة تقول: «إنَّ الأمم عرفت هذا النوع من قبل وسمَّته محادثة أو محاورة أو مناظرة أو مناقرة، وقد يكون الأندلسيون قد تأثروا بمحاورات الغربيين في القرون الوسطى»(20). ومهما يكن فإنَّ الحواريات يمكن اعتبارها مناظرات لأنَّها تأخذ طابع الجدل والمنطق، وحشد الأدلة والبراهين، والتحليل والتعليل، رغم التجاء الكاتب فيها إلى إبراز مشاعره عن طريق المتحاورين، وإلى الخيال وحسن التصوير والتخييل، والميل إلى الأحاسيس والهواجس.
ومن أهم الحواريات في نثر أبي اليقظان:
بين الماضي والحاضر(21)، بين العلم والمال(22)، بين القهوة والمسجد(23)، بين الشدة والرخاء(24)، بين الحانوت والمدرسة(25)، بين القوة والحق(26)، بين الجريدة والجواق(27)، بين شيخ وشاب(28).
وهي حواريات أو مجموعات تمثل الحداثة أو التقليد، أي أنها عبارة عن طرح سنني بين القديم والحديث، بين الروحيين والماديين الذين لا يعتبرون القيم الروحية ولا يعترفون بها، وهذه المجموعة تحتوي على محاورات: الحانوت والمدرسة، والمسجد والقهوة، لأنَّ هذه المؤسسات الاجتماعية تتصارع من أجل التحكم في سير المجتمع، فالحانوت يمثل التجارة والجاه والمال.. بينما تمثل المدرسة ـــ في عرف الناس ـــ لا شيء، لأنَّها ترمز إلى الكتابة والقراءة، وربما إلى قراءة القرآن على الأموات والتمائم التي يأتي بها «الطالب» أو حفظ المتون والجدل، مـمَّا يؤدي إلى الفاقة. أما المسجد فيمثل الربانية والتقوى والعبادة والأخلاق ـــ أي المثالية الدينية ـــ بينما لا تمثل القهوة سوى الإفلاس وسوء الأخلاق وضياع الوقت، هذا من حيث الوجهة الأولى، أمَّا وجهته المتحررة فتعكس الحقائق حسب المتحاور الأول: فتكون القهوة أفضل من المسجد لأنَّها تمثل الاجتماع والتحرُّر. أمَّا المجموعة الثالثة فهي مجموعة القيم والمثُل «العلم والمال، القوة والحق»، وهذه المجموعة هي من أهم الأمور التي يحدث صراعها في المجتمع ـــ من جميع الوجوه ـــ فالعلم والمال مسألة كبرى يحدث حولها النقاش ويشتدُّ، وبذلك يصبح العلم يمثل النور والإيمان والحق والعدل واليقين، بينما لا يمثل المال سوى الفساد والتعجرف والاستطالة، وقد يكون كل شيءٍ في نظر الناس، ويصبح العلم لا شيء، وهكذا حسب مقاييس المجتمعات ورأيها العام، وهذا ما سنراه من خلال هذه المحاورات.
1 ـــ محاورة الجريدة و”الجوَّاق“(29):
هذه المحاروة أجراها أبو اليقظان على النحو التالي:
«الجريدة: أنا متعة النفس، وغذاء الروح، وأنيس الجليس، والنحلة السارحة بين الرياض والمروج، أنقل من هنا وهنا أريج النواوير والرياحين لتغذية الأرواح بالعسل المصفى لشفاء أسقام الأشباح.(30)
الجوَّاق: دعي عنك أيتها الجريدة التافهة، هذه المفاخر الفارغة، والخيلاء الكاذب أمامي، فأنا الذي أروِّح عن النفوس همومها، وأنا الذي أدخُلُ مِنَ الآذان بغير استئذان، فأضرب على أوتار القلوب، وأهزُّ أعصاب النفوس، وأترك الجوارح ترقص من تلقاء نفسها، فلا يخفق دوي الصداح إلاَّ وأترك الأفراد والجماعات نشوى بخمري الحلال(*)، وسحري الخلاب للنفوس والعقول»(31).
هكذا يرى الجواق أنَّه أحق بالشكر لأنَّ الأديبَ أرهَفُ الناس نفسًا، وأقدر على تصوير إحساس القرويين تجاه الجواق، ولهذا تكون هذه المحاورات «تنزع نزعة أدبية عمادها الوصف وحسن التشبيه لإبراز الجميل أكثر مـمَّا تنزع نزعة فكرية عمادها سلامة المنطق وقوة الحجَّة ووضوح الدليل والرغبة في الإقناع»(32). وهذا ما نراه في قول الجواق: «أنا الذي أخذت من الحمام هذيله، ومن البلبل تغريده، ومن الهزار صدحه، ومن العصفور زقزقته... فإذا ركبت بنان اللاعب كما يركب العندليب متون الغصون، فهناك حدِّث عن السحر الحلال ولا حرج، سيما إذا كانت أصابع البدوي هي التي تلعب بي أمام خيمته في ذلك الجو الرقراق والفضاء الواسع، والهواء الصافي اللامع حيث جمال الطبيعة جالس على عرشه، والفطرة الصافية متكئة على أريكتها»(33).
بهذه الروح الرومانسية يحلق أبو اليقظان في سماء عاشقي الناي لأنَّ الأديب دقيق الحس، قوي الشعور بما يعتلج في النفوس من الآلام، وما يختلج في صدورهم من أحلام. وهذه في حقيقة الأمر من أهم خصائص أدب الجدل الذي يمتاز بالفصاحة الأخَّاذة، والبيان الرفيع، والعقل الناضج، والحكمة الصافية التي كانت تجري زلالا ذلولا على ألسنة القوم، فضلاً عن سرعة البديهة في الرد والقدرة على الإفحام والمحاورة(34)؛ لأنَّ أبااليقظان يحاول من خلال هذا الأسلوب جذب القارئ إليه ليغرس فيه ما يريد، ولذلك تراه يردُّ على لسان الجريدة بقوله: «كفى كفى أيُّها الجواق من هذا الهدر، وهذا الهذيان، أنت تفتخر بمحاسن غيرك، وأنا أفتخر بمحاسن نفسي، أنت تفتخر بالهواء الفارغ، أو الشقاشق الجوفاء... وهل أنت إلاَّ كنعيق الغراب لا يُحسُّ له صدى إلاَّ في خربات الجعل، ومستنقعات الخرافات والأوهام، أما أنا فبين أيدي الملوك والأمراء، وبين أعين العلماء والعظماء، كفاك ذُلاًّ ومهانة أنَّك لا توجد بين القصور وعرصات العروش، ولكنك لا توجد إلاَّ في المداشر والقرى والأكواخ والخيام..»(35).
يتضح لنا أنَّ أبااليقظان ينحاز إلى الجريدة على أنَّها وسيلة من وسائل تفاهم الأمم، وينعي على الجواق أنَّه آلة من آلات التخلف والجهل، ولا يزدهر رواده إلاَّ في مستنقعات الجهل، وبيئات الأوهام، ومجالس الخرافات، وأعراس البدو، ويجعل الجريدة ميزة من مميزات المجتمعات الراقية، وأنَّ الجواق سمة من سمات المجتمعات المتخلفة، وبذلك يقول أبو اليقظان على لسان الجريدة مخاطبًا الجواق: «لو كان فيك أدنى فائدة لما رغبت الطبقات الراقية عنك، وأقبلوا إليَّ، ولما زهدوا فيك ورغبوا فـيَّ»(36).
ولكن الجوَّاق لا يستسلم لمثل هذا المنطق، إذ يرى الأفضلية تعود إلى شعبية كل واحد، ولذا يطلب من الجريدة مناظرة واقعية، لتكون هذه المناظرة حية في أسواق المدينة وبين روادها لتتأكَّد الجريدة أنه أكثر شعبية وأرسخ قدمًا في ذهن العامة منها. يقول أبو اليقظان على لسان الجوَّاق: «مهلا أيتها الجريدة فقد تطاولت عليَّ كثيرًا بما أجحفت من حقي بلا اكتراث، وبلا مبالاة، فإذا أردت حقيقة الواقع، فهيَّا بنا نأخذ الميزان من شهود العيان، ليقف الصحافي، وصاحبي الجواقي أمام دكان تاجر أو صانع مقهى أو أي مجمع كان، وليأخذ كلٌّ منهما في ترويج بضاعته بـما أوتي من بلاغة وسحر بيان، ثم ننظر كم يلتفُّ حول الصحافي من الأفراد، وكم يلتفُّ حول الجواقي من الأتباع والجماهير»(37).
غير أنَّ أبا اليقظان يرى أنَّ هذا المنطق مقلوب، وأنَّ حكمه لا قيمة له، ولا أساس له من الصحة، لأنَّه من البله الحكم على الشيء بكثرة الملتفين حوله من الغوغاء وسواد الناس؛ إنَّما العبرة بما يقدمه الشيء للأمة من فوائد. ولذلك كان الرد على لسان الجريدة بكل استخفاف قائلة: «عجبًا غرورك؟ فمتى صحَّ الاستدلال بإقبال عامَّة الجهلة والأميين على الشيء؟ وهل قيمة الشيء الحقيقية بنفعه الجزيل الذي اعترف به الدين والعقل والعلم أم بإقبال الدهماء من العامة؟»(38).
هكذا يكشف أبو اليقظان عن وسائل الاحتجاج عنده وهي: والدين والعقل والعلم؛ هذه الثلاثية الخطيرة التي يريد أن يبديها لنا عن طريق هذه المحاورة بين قيمتين مختلفتين أو بين رؤيتين مختلفتين: رؤية سواد الأمة، ورؤية العلماء الأجلاَّء.
وحين يصل الحوار بينهما إلى قمة الجدل يتدخَّل العقل الذي هو الوسط بين الدين والعلم، وبين الداعية والمجتمع، فينهي الحوار لصالح الجريدة، بقوله: «لقد سمعتُ تحاوركما، ووعيتُ مغزاه، وعندي أنَّ الحقَّ أحقُّ أن يتَّبع، ولا دليل البتة للجواق على فضله لأجل إقبال العامَّة والأميين عليه، وإنَّما الفضل كلُّ الفضل للجريدة وإن أدبر الجمهور عنها؛ مادامت تخدمه خدمة صادقة بكل وفاء»(39).
من خلال هذا الحوار نستنتج أنَّ الهدف من هذه المناظرة هدف تربوي إعلامي اجتماعي؛ إذ يهدف الكاتب من ورائه إلى كشف بعض المظاهر الاجتماعية التافهة التي تنال حظًّا وافرًا من أفراد المجتمع، وأصبحت كأنها حقيقة ثابتة نتيجة لترسبات تاريخية طويلة، مـمَّا أفسد الذوق الاجتماعي العام، فانحرف من جرَّائها تفكير الأمة، وانقلبت موازين المجتمع، وأصبح الباطل حقًّا، والحقُّ باطلاً، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنَّ أبا اليقظان يريد أن يرسِّخ مفاهيم جديدة مثل حبِّ الجريدة، والاهتمام بها، وإحلالها محلَّها الذي يليق بها، لا أن ينظر إليها الناس على أنها سبب كلِّ بلاء، فيتهرَّبون منها كما يتهرَّب المجرم من صحيفة أعماله يوم القيامة. ومنها إحلال طرق قياس جديدة ليست هي طرق الغوغاء والدجَّالين الذين قتلوا العقل والدين الصحيحين في الأمَّة بخرافاتهم، وأقيستهم الممجوجة. ومن جهة ثالثة فإنَّ هذا الحوار دعوة إلى الحداثة والنهضة بطريقة غير مباشرة، وذلك بإبراز المعايير الاجتماعية التي أفسدت المجتمع ووقفت حجر عثرة أمام تقدُّمه.
إنَّ هذا النص هو حوار أفكار؛ لأنَّ أبا اليقظان يحاول أن يمكِّن فكرة ويستأصل فكرة أخرى، بطريقة جدلية لا بطريقة فنِّية أو وعظية أو إرشادية؛ مـمَّا يدل على أنَّ الكاتب وعى الواقع وابتعد عن لغة الإصلاحيين الوعظية التي تعتمد أسلوب الترغيب والترهيب، وذلك باعتماده على المفاضلة المنطقية العقلية، لا عن طريق المغالطات المنطقية، مـمَّا جعله صاحب فكر جدلي منطقي من حيث المصدر الذي يستقي منه هذا الإصلاح، والهدف الذي يرمي إليه وهو التحرر من كثير من المفاهيم الجامدة التي أدت إلى انكماش المجتمع وانزوائه وموته الحضاري.
كما أبرز لنا هذا الحوار كيف تتصارع الأفكار في المجتمعات المنحطَّة، وكيف تكون المعايير، وكيف تسود الأحكام المسبقة فيه، وكيف تنتشر المغالطات المنطقية، ولذلك يقول الجواق للجريدة: «... وهنا حدِّث عن السحر الحلال ولا حرج، ولا سيما إذا كانت أصابع البدوي هي التي تلعب بي أمام خيمته..»(40).
فمثل هذه الأحكام المسبقة تلحق ضررًا كبيرًا بالمجتمع، وتصبغه بصبغة المسلمات بالأحكام المسبقة ـــ وإن كانت خاطئة ـــ مـمَّا أدى بأبي اليقظان إلى أن يعالجها معالجة واقعية عن طريق الحوار، لأنَّ الأفكار الفاسدة أصبحت حجر عثرة أمام المصلحين لا يمكن تجاوزها إلاَّ بعد سحبها من أذهان أفراد المجتمع، وهذا يحتاج إلى الوقت والوسيلة والرجال، وهو ما يؤمن به أبو اليقظان الذي يسلِّم بنظرية الإفراغ والإملاء، التي يوضحها في مكان آخر حين يقول: «العلم كالعسل، لا يوضع إلاَّ في إناء نظيفٍ، وإلاَّ سرى الوسخ إلى العسل فأفسده»(41).
فهو يؤمن بتنقية النفوس أوَّلاً من الزيغ والضلال والعادات الفاسدة، وإعداد الفرد لتلقي العلوم الصحيحة، وهذا لا يتم إلاَّ عن طريق غسل الأمَّة من الأدران التي علقت بها من جرَّاء ما مرَّت به من انحطاط.
فأبو اليقظان لم ينظر إلى الإصلاح على أنه مشكلة اجتماعية أو سياسية فقط، وإنما نظر إلى الإصلاح من خلال إصلاح الفرد وبنائه بناء إسلاميا متكاملاً، بغرس العقيدة غرسًا صحيحًا صالحًا لكل زمان ومكان، لأنَّ منهج الإفراغ عنده مبني على بناء الفرد من الداخل ، ولذلك ركَّز على العقيدة قبل غيرها بمحو الشوائب الأخلاقية ومحاربة البدع والخرافات، وهذا يشبه ما ذهب إليه الطيب العقبي حين قال: «وخواص كلِّ أمَّة هم المسؤولون عن دهمائها، والمكلَّفون بإرشادها وهدايتها إلى ما فيه خيرها وسعادتها»(42).
كما أنَّ الالتجاء إلى مثل هذه الحواريات منهج وعاه أبو اليقظان واختاره عن دراية لأنَّ الأمَّة إذا أصيبت في عقيدتها تسمح بانتزاع روحها منها ولا تسمح بانتزاع عقيدتها من بين جنبيها(43). ومن هنا كانت بعض فئات الأمة تحارب المصلحين اعتقادًا منها أنَّهم على باطل، وهذا ما جعل أبا اليقظان يتتبع مسارب الجهل إلى جسم الأمَّة محاولاً مكافحته بأساليب عقلية علمية، لأنَّه يؤمن بأنَّ هذا هو الذي يقلِّص الجهل وينشر أنوار العرفان(44).
ولعل كل ذلك هو الذي جعله يناقش في جريدة النور كثيرًًا من هذه القضايا مناقشة حوارية بعد أن اكتسب تجارب في الإصلاح والاجتهاد وما جابهه به الأعداء؛ فكان هذا الحوار نوعًا من الأسلحة الأدبية التي جابه بها الواقع لأنَّ «الأشكال الأدبية تظهر لحاجة ملحة في نفس الكاتب من أسباب ظهور هذا اللون أو ذاك جديدة للتعبير بعد أن يملَّ الناس الطريقة المألوفة في عصر الأديب، فتصبح لا تثير في النفوس انفعالاً، وكذلك السياسة تلعب دورًا في وجود شكل معين غير معروف من قبل للضغط ومصادرة الرأي»(45).
وخلاصة القول فإنَّ هذه الحواريات كانت وسيلة للتعبير عن الواقع الاجتماعي وتبيانًا للصراع بين الصحيح والفاسد من القيم وإبراز الازدواجية التي طبعت الحياة في الواقع الجزائري.
وتمتاز هذه الحوارية بالإطالة والاستقصاء، والإصرار على جمع الأدلة وتتبُّع الحقائق ورصدها، وسرد المواقف وحصرها، والإكثار من الحجج والبراهين، وكأنَّما تهيَّأت له أدوات الخطيب والمؤرِّخ والفقيه.
ولعل الإطالة وكثرة الشرح والتفصيل تعود إلى هذا الركام المتنوع الذي ترسَّب في أعماقه، أو تعود لطبيعة الجدل الذي سيطر على كلِّ هذه الحواريات. ورغم هذه الإطالة يظلُّ متمكنا من أسلوبه الذي وزعه بين تصوير وتقرير بطبيعة هادئة، فكان منسقا بإيقاع صوتي متميِّز وكأنني به الجاحظ(46).
ومن خلال أسلوبه تبدو لنا مصادر ثقافته، ومناهل فكره التي تنوعت؛ فإذا هو أديب ناقد يجمع بين شواهد الأدب القديم، وشواهد الأدب الحديث، وإذا به فقيه من طراز متميِّز، متمكِّن من عرض الحدث، وتناول الموقف في ثوب اللفظ المنتقى، والمعنى الجيد، والنسيج الهادئ؛ فكانت عنايته باللفظ والمعنى على درجة من خصوصية الأداء بما يكفي للكشف عن تمكُّنه من لغته على أهمِّ مستوياتها، وذلك على منوال القدماء، وبخاصة كتَّاب العصر العباسي.
2 ـــ محاورة الشدَّة والرخاء(47):
في هذه الحوارية يحاول أبو اليقظان أن يبرز أنَّ المحن هي محك الشعوب، ومحرِّكُها للنهوض؛ إذ لولاها لركن الناس إلى الدَّعة والكسل، ولذلك نسمع هذا الحوار:
«الشدَّة: أنا نذير من النذر الإلهية، وشواظٌ من غضبه ونقمته نحو البشرية المتمرِّدة، بعثني الله إليها في أحوال خاصَّة وظروف استثنائية لتذكيرها في ما هي عليه من العتو والغي والطغيان، عسى أن ترعوي وتنزجر فتثوب إلى رشدها وتعود إلى صوابها.
الرخاء: إليك عني يا هذه، فأنت دليل الغضب، وأنا دليل الرحمة، أنت جحيم العذاب، وأنا نعيم الثواب، شتان ما بين هذا وذاك؛ أنا أبو الضعيف والفقير واليتيم والمسكين، ورفيق العامل الحازم، والتاجر النشيط، والفلاح المجاهد، وسمير الملوك والأمراء والأغنياء، وأنت معول الهدم، ونذير الخراب، فبك أصبحت الدنيا مقفرة، والقصور متدهورة، والقرى خالية، والبلاد خاوية على عروشها، لم يسلم منك لا الملوك ولا الأمراء، ولا الأغنياء، ولا العمال، والتجار والفلاحون، بله الفقراء والمساكين، وكفاني فضلاً عليك ما شهد الله تعالى على نفسه: ”رحمتي سبقت غضبي“(48).
الشدَّة: لقد تطاولت عليَّ يا هذا، وأطنبت في منَّتك ومزاياك، وأسهبت في مثالبي ومساوئي، ونسيت أنِّي لم أكن لأخرب عمرانًا أو لأهدم حضارة إلاَّ وأنت الذي وضعت في أساسها ”ديناميت“ التخريب، فبفضلك يتيه البشر، وبسببك يطغون، وفي حضيرتك يعبثون ويتمرَّدون، فأنا أصلح منهم ما أفسدت، وأقوِّم ما أعوجت، ومنزلتي منهم منزلة الطبيب، ونسبتك منهم نسبة باعث العلَّة ومنعشها...
الرخاء: مهلا أيَّتها الطامَّة، فلقد أسرفت في الكلام، وتطاولت في هذا المقام، إنَّ عهدي هو عهد ازدهار الحضارة، ونضوج المدنيات، وازدهار العمران، فالمؤسسات في حضانتي تُشاد، والجمعيات في رعايتي تُنشأ، والمدارس في حضيرتي تؤسس...»(49).
وهكذا يستمر هذا الحوار في أخدٍ ورد إلى النهاية، حيث يتدخَّل الرخاء قائلاً: «أعترف بفضلك عليَّ أيتها الأزمة، فأنت المؤسسة، وأنا المكمِّل، وأنت الغارسة وأنا المستثمر، ولكن أرجو من الله أن يقصِّر من عمرك ويُطيل بقائي»(50).
ففي هذا الحوار يكشف لنا أبو اليقظان عن شخصيته الموسوعية، كما يكشف لنا عن ثقافته الجدلية، وعن فكره ومفهومه للإصلاح، ونظرته إلى الشدَّة والرخاء.
وعلى العموم فهذا الحوار بين الشدة والرخاء، يكشف لنا الفكر الإصلاحي عند أبي اليقظان؛ الذي يؤمن بأنَّّ التقدم الحضاري وليد الحاجة وأنَّ الرخاء إذا طالت حدَّته أدَّى إلى الانحطاط، إذا أمعن مترفو الأمَّة في ترفهم.
كما يوضح لنا هذا الحوار أنَّ الشدائد محكُّ الرجال، وأنَّ الشدة والرخاء متعاقبان وضرورة حتمية اجتماعية، لأنَّ الشدة تدفع إلى العمل، والرخاء يدفع إلى الحضارة، إذا لم ينحرف المجتمع بسبب الرخاء، ومن هنا فكلَّما انحرف الناس كانت الشدة لإعادتهم إلى النهج القويم.
فالشدة والرخاء رذيلتان، والأجدر أن نجد الفضيلة بينهما، وهذه الفكرة خلاصة حوارياته، إذ أنَّ الشدة والرخاء، والعلم والمال، والحاضر والمستقبل، والمدرسة والحانوت، والشباب والشيوخ... ما هي إلاَّ ثنائيات الحياة، بجميع مشاربها، ولذا يرى أنَّ الوسط بين هذه الثنائيات هو الحلُّ للقضاء على هذا الصراع الثنائي، لأنَّ الشطط إلى جهة أو إلى أحد الطرفين يؤدي بالضرورة إلى الانحراف الاجتماعي، ومن ذلك فإنَّ الشدَّة رغم ما فيها من إيقاظٍ للشعوب، وتحريك للهمم، إلاَّ أنها إذا طالت أدَّت إلى الاستعباد، ومن هنا لا بد من التوازن بين هذه الثنائيات، وهذا ما سنراه في حوارية العلم والمال بكلِّ وضوح.
3 ـــ محاورة العلم والمال(51):
يبرز لنا الكاتب في هذه الحوارية الجانب السلبي للعلم والمال في حالة الشطط، وذلك من خلال حوار طويل في حلقتين متتاليتين، بعدها يتدخل الكاتب مباشرة، ويحسم الخلاف بينهما بطريقة التوفيق؛ يقول: «إنَّ لكلٍّ منكما محاسن ومثالب، إلاَّ أنَّ محاسن العلم أكثر، ومثالب المال أعظم وأخطر، وأرى في كلٍّ منكما شدَّة احتياجه إلى الآخر، وبقدر تآلفكما تظهر محاسنكما وتتوفر، وبقدر تنافركما تبدو مساوئكما وتتعدَّد، فلا مناص لكما إذن من عقد الخناصر بينكما على الصدق والإخلاص والولاء، وتوزيع الأعمال الكبيرة بينكما، فالعلم يتولَّى وضع الخطط، وحسن الرعاية والتدبير، والمال يتولَّى تنفيذ الأعمال وإنجازها، فيعيش كلٌّ منكما وفي قوَّته قوة الآخر، ويطير بالجناحين: المادي والأدبي إلى شواهق العزِّ والكمال»(52).
هذه هي مهمة العلم والمال في بناء المجتمع، فبالعلم نخطط وبالمال ننفِّذ لأنَّهما جناحا النهضة الأدبية والمادية، ورغم أنَّ المال له سلبيات كثيرة إلاَّ أنَّها تصير حسنات حين يسيِّره العلم، فحياتهما لا تتم إلاَّ بالتعاون والتعاضد والتكاتف، كما يذهب إلى ذلك أبو اليقظان.
وإذا تأملنا هذه المناظرة نجد فيها حشدًا من الأدلَّة وكأنَّها مناظرة فقهية مـمَّا يجعل الحوار يفقد معناه الأدبي، مـمَّا يحوِّلها إلى صورة من صور التكلُّف والصنعة، فتكون أقرب ما تكون إلى أسلوب المقامة؛ لأنَّ أبا اليقظان أبرز فيها ثقافته المالية والعلمية والدينية، وألمَّ بمعظم الأدلة التي تُساق في هذا المجال، كما يبدو، وكأنَّها وسيلة من وسائل إقناع أصحاب الأموال بالمشاركة والمساهمة في المشاريع الاجتماعية الإصلاحية بجانب العلماء العاملين في حقل الدعوة؛ ولذا يقول على لسان المال مخاطبًا العلم: «أفتُنكر أنَّك أصبحت الآن أداة تدمير وتخريب للعالم بما يتوصل بواسطتك علماء الكيمياء من الاكتشافات والاختراعات المهولة من الغازات السامَّة والمواد المفرقعة والقنابل المدمِّرة الفتاكة ببني الإنسان؟»(53).
إنَّ هذه المناظرة تطرح أزمة العالم المعاصر التي تتحكم فيها تقنيات الذرَّة والأسلحة الفتاكة بأنواعها المختلفة وبخاصة الجرثومية؛ فهي إشكالية الفكر الحديث، ومدار النقاش العالمي؛ إذ يرى البعض أنَّ العلم هو معجزة العصر ـــ إن لم يكن معبوده ـــ إذ يمكن للإنسان أن يشقَّ طريقه نحو الحضارة الحقَّة، وأنَّ الخوف والفزع من (غول) العلم سيزولان متى عمل الإنسان بقواعد العلم وأخلاقياته؛ وهذا ما نراه في إجابة العلم للمال بقوله: «مسكين أنت أيها المال، تسوق بجهلك من النصوص والأدلَّة ما لا يفيدك، ولا ينهض بحجَّتك، وربما عاد عليك بالمضرَّة. إنَّ ما أوردته من النصوص في النعي عليَّ ـــ على زعمك ـــ إنَّما هو في النعي على ترك العمل بي، وهل يذم ترك العمل بي إلاَّ لما لي من الفضل والمكانة العليا؟»(54).
ومهما يكن فإنَّ هذه تساؤلات مطروحة في مجال النقاش العالمي، ولذلك نرى المال يقول للعلم: «أفتُنكر أنَّك اليوم الشباك الوحيد في أيدي أصحابك لإغواء العقول الراكدة، واقتناص الأمم والشعوب الغافلة، فانزعج بسببك الآمنون في أوطانهم، بل وفزعت بذلك حتى الطيور في وكناتها، وسباع الفلا في مغاورها»(55)، ولكن العلم يجيب المال ويفنِّدُ ادِّعاءه بأنَّه صار ضارًّا للإنسانية، فيقول له: «إنَّ ما ادَّعيته من أني أصبحت الآن أداة تدمير وتخريب، فذلك ليس عائدًا عليَّ في شيء وإنَّما عائد على جهلهم بكيفية استعمالي والاستفادة بي، فالعار على الجهل وترك العمل المفيد بي، لا عاري في كلِّ حال»(56).
فهذه المناظرة تشتدُّ أحيانًا بين المتحاورين إلى حدِّ الصراع المسرحي الذي ينمي الفكرة ويطور الحوار ـــ كما رأينا سابقًا ـــ وقد يكون الحار فيها فاترًا أحيانًا، وبخاصة حين يلتجئ الكاتب إلى السرد. وعلى العموم فإنَّ هذه المحاورات هي نظرة الكاتب إلى الحقائق والقضايا الاجتماعية والسياسية والعلمية، لأنَّ أبا اليقظان أديب فكرة وصاحب قضية، ولذلك نراه دقيق الملاحظة، عميق النقاش، صادق التصور، واضح المعالم، ولذا كان ذلك الحوار السابق انعكاسًا لحالته النفسية، ولونًا من ألوان الاعتراف بإشكالية الفكر المعاصر، والصراع بين الثنائيات الخطيرة في واقعنا المعيش، لأنَّ أبا اليقظان كان مصلحًا يحمل في ذهنه مشروع أمَّة أتى عليها الانحطاط، محاولاً إحياءها وإقناعها بالعلم والمال معا، وما إلى ذلك، وهو ما سنراه في الحوارية الآتية أيضًا.
4 ـــ محاورة الظهور والخمول(57):
في هذه المحاورة يشتدُّ الصراع بين فكرتي الإصلاح والجمود، إذ يكون الحوار وسيلة من وسائل وصف الظهور أو الخمول، فنرى مثلاً الظهور يميل إلى التسرُّع والعجرفة، أمَّا الخمول فيميل إلى الدَّعة والغفلة، مـمَّا يبرز لنا بأنَّ المقصود به هم الطرقيون الذين يذعنون لكلِّ شيءٍ، بينما أولئك المصلحون فهم الروافض الذين لا يعترفون إلاَّ بما هو ثوري تحرُّري، مـمَّا يحمل المناظرة إلى واقع آخر، وإلى تصوُّرين آخرين للحياة والوجود وتديُّنين؛ جمودي ومثالي، بل تصور عقلي إلى حدِّ الشطط، ولذلك نرى الخمول يقول للظهور: «أنا أنسُ العلماء، وسمير الأدباء، وبهجة العباد وخلوة الزهَّاد... أنا لباس الفقراء، وكهف المساكين، وملجأ العجزة، وجمال الفتيات، وزينة النساء»(58).
فهذه الظاهرة التي يحاول أبو اليقظان تضخيمها لاستئصالها وجدت بسبب تضافر عوامل كثيرة أهمها: عصر الانحطاط، والتديُّن التقليدي، والجمود المنحرف في بعض مظاهره بسبب فعل رجال بعض الطرق، وكذلك الدجَّالين.
مـمَّا دفع أبا اليقظان إلى محاولة إيجاد حلٍّ عن طريق الحوار لأنَّه مستساغ لدى الناس بعد أن عمَّهم اليأس، وغزاهم الخمول، ولفَّهم التواكل، مـمَّا جعل الجميع جثَّة هامدة لا قيمة لها، ولا مبادئ ولا ردَّ فعل اجتماعي أو سياسي. ولذلك نرى الظهور يردُّ على الخمول بقوله بعد أن سمع قول الخمول السابق: «أعوذ بالله السميع العليم منك يا طالع النحس،
ويا رائد الشقاء والبؤس، ويا علَّة كلِّ هوان،
ويا سبب كلِّ خسران وحرمان»(59). لأنَّ أبا اليقظان يؤمن إيمانًا صادقًا بأنَّ الجدَّ والعمل هما أساس النجاح في كلِّ المشاريع الاجتماعية،ولذلك يسخر من هذا التفكير الأجوف الأخرق، الذي لا يمت بصلة إلى الفكر ”الرجولي“ فيقول على لسان الظهور رادًا على مزاعم الخمول: «فأين أنت أيها المخنَّث وقت طلوع شمس الإسلام، وظهور الدين الحنيف في أرجاء المعمورة؟ ومن ذا الذي حمل سيوف الجهاد، ورفع أعلام الانتصار، ونشر ألوية الدين ما بين الصين والأندلس؟».
إنَّها أسئلة تكشف لنا عن فكر أبي اليقظان، وعن وجهة أدبه عمومًا، إذ أنَّه يدعو إلى الفعالية في جميع ميادين الحياة، ويرفض تلك الأساليب الانطوائية التي كانت سببًا هامًّا في انحطاط الأمَّة الإسلامية، وتخريبها من الداخل بكل وسائل التثبيط، مـمَّا جعل أفرادها ينعزلون ويعيشون مستوحشين، في عزلة تامَّة، كالمسجونين أحيانًا، حتى أصبح العالم في هذه الأمَّة قانعًا بالقابلية للاستعمار، «وهو لا خيرًا جلب له ولا لأمَّته، ولا ضرًّا دفع... حتى صار مضرب المثل، وأصبح الناس يتندَّرون بالمسلمين قائلين: ”أوَلَم أقُل لك دع عنك المسلم، وألم أحذرك من كلِّ ذي برنوس؟!!“»(60).
هكذا يرى أبو اليقظان ظاهرة الانحطاط والانكماش حين يشعر المرء بالمنبوذية فيتعدى الإحباط إلى الزي، وهذه كارثة عظمى لم ينتبه إليها كثير من العلماء المسلمين المصلحين، ولذلك يركز أبو اليقظان على الفعالية في العمل الحركي، لأنَّه يراها هي التي مكَّنت الأجداد من الانتشار من الجزيرة العربية إلى الصين وإلى الأندلس، وهذا لا يكون عن طريق الخنوع والخمول، وادِّعاء الزهد، والتديُّن الممقوت عن طريق التظاهر، ولذا صبَّ أبو اليقظان فكرته هذه في هذه الحوارية، لأنَّه يؤمن بالجدل والمناقشة، كما أنَّ هذه الأفكار تشف لنا عن حنكة وتجربة الكاتب في الحياة لأنَّ الناس لا يؤمنون إلاَّ بما يقنعهم، ولا يتَّبعون إلاَّ ما يشدُّهم إليه، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنَّ أبا اليقظان يحاول أن يناقش هذه الأفكار السقيمة ـــ الخمول ـــ مناقشة علمية رصينة منطقية باعتماده على مبادئ وأدلة مسلَّم بها.
لأنَّه يرى هذه الأفكار التي عششت في المجتمع وجعلت منه جثة مريضة تتقبل كلَّ الأوضار والأوبئة، ومنها قوله: «الظهور يقصم الظهور» و«كن حلسًا من أحلاس بيتك» و«عليك بخويصة نفسك» و«كُل الحشَف والبس القشَف وارقد على الخُرشف»(61).
كلُّ هذه الأفكار لا تدعو إلاَّ إلى الخمول وسلب طاقات الناس، وتحويلهم إلى مجموعات من العبيد، إنَّها أفكار تدعو إلى الغفلة والانتكاس، كما تدلُّ على جهل القائلين بها من بعض الزهَّاد. فالنصُّ إذًا يصوِّر الصراع بين الفكر الإسلامي التحرُّري والفكر الطرقي الانطوائي، ولذا يخاطب الظهور الخمول قائلاً: «لـمَّا أصيب البشر بك وتطبَّعوا بطباعك من الخنوثة والأنوثة، وأصبحت أنت المتحكم في مقدورات الأمم والشعوب، جاء عصر التدلِّي والتدهور والسقوط والاضمحلال، حيث جريت في مفاصل حياة الأمم الدينية والدنيوية جريان الموت من عروق جسم المريض، وهم لا يزالون يعانون آلامًا وأسقامًا من جرَّائك»(62).
كما أننا نلاحظ أنَّ هذا الحوار، هو حوار القيم، من حيث الزمان والمكان أو ما يسمى بصراع الأجيال، وهذا ما يدل على أنَّ أبا اليقظان كان واعيًا بصراع الأفكار، مدركا لخطورتها، مـمَّا جعله يبسطها بهذه الطريقة الحوارية، بكل جلاء ودون مواربة، وهذا في حدِّ ذاته نوعٌ من تسمية الأشياء بأسمائها، وليس تحويمًا حول هذه الأفكار، لأنَّ أبا اليقظان يؤمن بالقطع في الشيء مباشرة، وليس بالتحويم حوله، فهو القائل: «الدواء الناجع لا يكون ولن يكون بالدهن على الوبر، وإمراره على ظهر الجرح، فإنَّ هذا لا يزيد المرض إلاَّ خطورة واستفحالاً، فهلاكا وموتًا، وإنَّما يكون بسبر غور الجرح وتطهيره بأنواع المطهِّرات وإزالة ما فسد منه، ثم وضع الدواء عليه، وتضميده، وهكذا المرض الاجتماعي إنَّما تكون مداواته بالجهر والصراحة، ولكن بالحكمة والسداد»(63).
وهذا الصراع هو ما سنراه بكل وضوح أيضًا في محاورة بين الماضي والحاضر.
5 ـــ محاورة بين الماضي والحاضر:
وتدور هذه المحاورة حول اعتبار الماضي هو سبب الفضائل ومصدر الحضارة والأعمال الشريفة، بينما لا يمثل الحاضر بالنسبة إليه سوى المساوئ، والمخازي، والانحراف. وبينما يرى الحاضر عكس نظرة الماضي، إذ يرى أنَّه صاحب رسالة ثورية تحرُّرية، إذ يمثل سوى قبسة من قبسات العلم، والنور، فهو روح جديدة مـمَّا فتح المجال على يديه للاكتشاف والاختراع والتقدم بأنواعه المختلفة، وأنَّه القاعدة لكل هذا، ولذا يقول الحاضر:
«صه يا أيها الناقص، وأطرق كرىً، فأنا ما جئتُ إلاَّ لأتمِّم نقصك، وأستُرَ عيوبك، جئت لأفكَّ أسرى جمودك، وأطلقهم من سجن العبودية والتقليد إلى فضاء الحرِّية، والتقيُّد بما أفيضه عليهم من أنوار العلوم والعرفان، وأمدُّ إليهم من هدايا المخترعات والاكتشافات المدهشة، ما سخَّروا به البرَّ وطأطأوا إليهم رأس الهواء...»(64).
بينما يردُّ الماضي على هذه الأفكار ردًّا مقذعًا، متعلِّلاً بأنَّ هذه العلوم والمعارف ما هي ثمار العلوم العتيقة، وأنَّها لولا الماضي لما كانت لتوجد في العصر الحاضر، يقول: «مهلا يا هذا، ودع عنك الطيش والغرور، واعرف من هو مصدر نعمتك، ومنبع ما تدَّعيه من أنوار العلم وأشعَّة العرفان، تمنُّ عليَّ بما يحقُّ أن أمُنَّ به عليك، وتعيِّرني بأشياء هي ألصق بك مني، أولا تعلم أنَّه بعلومي الغزيرة الدافقة وبحكمتي العالية تسنَّى لك أن تكون تلميذا نبيها، ومفكِّرًا بارعًا، فلولاي لكنت الآن من الجهلة الأغبياء، ثمَّ بعد هذا تنكَّرت لي»(65).
من خلال هذه المحاورة نطَّلع على فكر أبي اليقظان الذي يؤمن أنَّ الماضي قاعدة للحاضر، وأنَّ الحياة تقتضي الأصالة والمعاصرة، أي أنَّ الإنسان لا يتقدَّم ولا يتحضَّر إلاَّ إذا تمسَّك بفضائل ماضيه، وأخذ محاسن حاضره، ولهذا نجد الماضي حين يردُّ على الحاضر يرى أنَّ المقلد الحقيقي هو الحاضر الذي ذهب كلَّ مذهب في التقليد، متناسيًا أصالته، غير مدركٍ لذلك إلاَّ عندما يأتي المستقبل، وحينئذ يجد نفسه ماضيًا، ولا تنفعه حاضريَّته.
كما أنَّ الماضي يرى ما يسميه الحاضر بالجمود هو جمود تمسُّك بالأصالة، وتمكين للفضيلة، وإرساء لروح العقل، فهو جمود على الصدق والإخلاص، والأمانة والوفاء، والمروءة والحياء، جمود على عدم الانفساخ والتهوُّر، إنَّه جمود حكمة ورويَّة في تغليب الحقيقة على الخيال، والعقل على الطيش، وهذا خير من تذبذب الحاضر واندفاعه، وخلاعة سلوكه، ولذا يخاطب الماضي الحاضر بقوله: «إليك عنِّي أيها الحاضر، اختف عن مكاني هذا، وابتعد عن محضري، ولا تجاورني فتمسخ كلَّ ما بي من الفضائل، وجلائل الأعمال، بمساوئك وقبائح أفعالك»(66).
ويضيف قائلاً: «تعيِّرني بالجمود والعكوف على القديم، وتناسيت أنَّك أشدُّ جمودًا وأقبحه، وسيأتيك تلميذك المستقبل بعد حين، فهنالك تعرف معنى الجمود، نعم أنا جمدت لكن جمدت على الدين، جمدت على مكارم الأخلاق، جمدت على الصدق والإخلاص... جمدت على عدم الاندفاع وراء الأهواء، والاستهتار بالموبقات، والانهماك في المكايد، أمَّا أنت فإنَّك جامدٌ وجامدٌ جدًّا، جمدت عمَّا جاءت به الأنبياء والرسل من قِبَل الله من الإيمان الصحيح والشرائع الحكيمة، وانقبضت نفسُك عمَّا تأمر به العقول الراجحة، والأذواق السليمة من الأوصاف الأدبية العالية»(67).
ولكن الحاضر لا يقبل ذلك فيردُّ عليه قائلاً: «لقد تطاولت أيُّها الشيخ الهرم، وأطلت في الكلام، تفتخر عليَّ بفضائلك وعلومك الغزيرة وهدوئك وسكونك، وتناسيت ما كنت عليه من الجهل المطبق، والظلام الحالك، والفوضى وسوء النظام والعكوف على الخرافات والأوهام، ولئن كان لك فضلُ السبق في مبادئ العلوم فإنَّه لا يستر عنك فضيحة الجمود، والكسل والتواكل...».
ويبقى التناقض؛ كل واحد منهما يحاول أن يبرهن أنَّه أحق من صاحبه إلى أن يتدخل العقل، الذي يقرر أن الماضي اشتطَّ في محاسنه، وأن الحاضر غالى في محاسنه أيضًا، ويجب على الاثنين أن يتَّحدا وأن يتخلَّيا عن غطرستهما وأنانيتهما لصالحهما، فيقول: «إذ من الواجب لكما لجمع شملكما، وتوطيد العلائق الودية بينكما والمحافظة على تلك الصلة الكبرى التي تربط بينكما أن يعترف كلٌّ منكما بفضل الآخر، ويتخلَّى عن مساوئه، وهنالك تعيشان وراية المحبة والوئام ترفرف على الجميع»(68).
هكذا يحاول أبو اليقظان أن يربط الحاضر بالماضي؛ الأصالة بالمعاصرة، لأنَّ الماضي عنده قاعدة الانطلاق، والحاضر نافذة نطلُّ من خلالها على العالم، ولذا فالحاضر يتمِّم الماضي، فهو يأخذ بأخلاقية الماضي وتقنية الحاضر، لأنَّ أبا اليقظان رجلٌ يؤمن بتلاقح الأفكار وتكامل الأجيال، فالماضي عنده لا يمثل إلاَّ القيم والفضائل، والحاضر وليد المخترعات والعلوم المختلفة، ولذا فهما يحتاجان لبعضهما، وكأنَّ الماضي هو الروح، والحاضر هو البدن؛ وهذان لا يتَّحدان إلاَّ إذا طهَّرا نفسيهما مـمَّا علق بهما من شوائب الماضي ومثالب الحاضر.
وبهذا يبدو لنا أبو اليقظان رجلاً محافظًا على التراث، مصرًّا على إحيائه والتمسك بما فيه من قيم نبيلة، ومسايرة الحاضر، والأخذ بالعلوم العصرية، وذلك بتحديث المعرفة ووسائلها، ومن هنا فهو رجلٌ محافظ متفتح في الوقت نفسه، فهو رجل عقل ودين يبحث عن الوسطية في كلِّ شيء.
فهذه الحواريات أو ”المناظرات“ هي توفيق بين شيئين أو قيمتين متكاملتين، لأنَّ المجتمع جعل إحداهما تتغلب على الأخرى، لذا يحاول أبو اليقظان أن يعيد الأشياء والقيم إلى نصابها بعد استعراض رأي المجتمع فيها، ولعلَّ هذا يتجلَّى بكل وضوح في حوارية الحانوت والمدرسة(69)، وكذلك حوارية المسجد والقهوة(70)، والقوة والحق(71). ونركز في هذا التحليل على حوار المدرسة والحانوت.
6 ـــ محاورة المدرسة والحانوت:
هذه الحوارية اجتماعية، لها قيمتها الاجتماعية والأدبية والتاريخية، يقول الحانوت: «أنا معدن المال، ومنبع الكمال، وكعبة الآمال، وقبلة النساء والرجال، في حضانتي تشبُّ الأطفال والصبيان، وبين جدراني يطوف الفتيان والشبان، وإليَّ يركع الكهول، ويحجُّ الشيوخ في سائر الأحيان، بفضلي بُنيت القصور وشُيِّدت الدور، ورحمت القبور، وملكت القلوب، وحصل ما في الصدور..»(72).
نرى أنَّ هذا الرأي هو رأي التجار الذين يؤمنون بأن الحانوت هو أساس بناء المجد الاجتماعي، لأنَّ التجارة توفر المال، وبالمال نستطيع أن نشتري ما نريد، ونستطيع أن نتقدم وأن نتحضَّر، وهذا الرأي فيه شطط، لأنَّ التجارة أو الحانوت لابدَّ لها من علمٍ ومعرفة، وإلاَّ كانت تجارة يخبط أصحابها في تيه وعماء، أذًا لا يمكن أن توجد تجارة ناجحة بدون مدرسة، ولذا ترى أبا اليقظان ينقل لنا الرأي الآخر، وهو رأي المدرسة قائلاً: «أنا مهبط العلم والحكمة، أنا كعبة الأدب والفضيلة، أنا فجر الهداية، ومنبع النور، أنا مهد الصبيان، وروضة الأطفال، وأستاذ الشبان، وتاج الكهول، ومفخرة الشيوخ، أنا مستشفى العقول، وطبيب حاذق لكلِّ مريض ومعلول، من حجري امتدَّت أشعة الاختراعات والاكتشافات، وبفضلي حلَّق الإنسان في الهواء، وغاص تحت الماء، وطوى الأرض في الظلماء»(73).
فهذه رؤية المصلحين والعلماء والمثقفين، الذين يؤمنون بأنَّ العلم هو مفتاح كلِّ الأمور، وبذلك يجب أن يكون البذرة الصالحة الأولى في كلِّ المشاريع، ولكل الأعمال، لأنَّه قبسة روحية تحرِّك الهمم، وتفتح عيون البشر على الحكمة وحسن التخطيط.
وإذا أمعنَّا النظر في هذه الحواريات عمومًا وفي هذه خصوصًا نرى أن هذه الحواريات تحمل قيمة تربوية تثقيفية تطويرية للمتلقي، فهي تفتح النوافذ على الآفاق أمام الناشئة، وتزودهم بمادة علمية أدبية اجتماعية هامَّة، كما تُطلع الناس على تلك الآراء الجدلية، وعلى تلك الثقافة العربية الإسلامية، وتراكماتها عبر العصور الثقافية في الأدب العربي، مـمَّا يكوِّن في النشء والأفراد عمومًا روح التحليل والتعليل والموازنة، واكتساب آلية المناقشة والحوار والجدل عمومًا، ومعرفة الواقع بكل تناقضاته وزيفه وسقمه وحقائقه، ومما فيه من شروح مضللة، مـمَّا يحتِّم على المصلح إعادة تشكيل هذا الواقع، ولعل ذلك ما يقوم به أبو اليقظان من خلال هذه المناظرات.
وفي هذه الحوارية تقول المدرسة للحانوت: «أتفخرين بأنَّك معدن المال، والمال لا يحصل إلاَّ بي، ولا يُكسب إلاَّ بإشارتي، ولا يُدَّخر إلاَّ بإرشاداتي، أفتظنين أنك بدوني يَعمُرُونَك؟ وبِسِوَايَ يُديرونك؟ كلاَّ وألف كلاَّ!!!.
أولا ترين ما حاق بكِ من الخراب والدمار عندما تركني أبناؤكِ، وأهملوا شأني في السير بكِ؟ فلو اتَّبعوا آرائي ووقفوا عند حدودي ومعالمي، فهل يصلون بك إلى ما وصلوا إليه من التباب والهلاك؟»(74).
بينما ترى الحانوت أنَّ رواد المدرسة هم الغفلة والفقراء والبلهاء ! الذين لا حظَّ لهم ولا فضل ولا قيمة، فحيثما كانوا كان الفقر والبؤس والشقاء، ولذا فهم يفرون منها إلى الحانوت، مهد الأموال والأحلام، وهذا ما نقرأه في السطور التالية على لسان الحانوت: «إنَّك مقرُّ الفقر ومثابة التعاسة، وعنوان البؤس والشقاء، ولو وجد الناس فيكِ بغيتهم وزهور مُناهم لما تركوكِ وأعرضوا عنكِ، وفيهم من قطع إليك مراحل من الطريق، وبذل آلافًا من الأموال التي هي من عرق جبيني، وعندما يئس منك وخابت آماله فيك، ووجدكِ مـمَّا لا يسمن ولا يُغني من جوع، عاد إليَّ ورجع إلى حِجري تائبًا من غلطته، وهو في أقصى ما يكون من القصور والفتور، وآويته فهاهو أصبح من أرباب الآلاف وملاَّكي القصور، ولو لم يفعل ذلك لبقي من البائسين أو المخنَّثين»(75).
إنَّه الواقع المر، حين يهون العلم ويهوي علماء الأمة حتى يصبحوا لا يساوون شيئًا في نظر أصحاب الأموال، إنَّه الحس المأساوي الذي عشش في ذهن أبي اليقظان، وجعله يتألَّم من هذا الوضع المقلوب، إذ يصبح العالم مخنَّثًا لا لعلمه وإنَّما لقلَّة ذات يده، إنَّها لفتة من أبي اليقظان عظيمة أذ يحاول أن يستلَّ من أذهان العامَّة والخاصَّة هذه التصورات اللاإنسانية، تصورات الماديين التي تتنافى ومجتمعنا الإسلامي.
ومهما يكن فإنَّ هذا رأي اجتماعي له دوره، وقيمته عند الذين يرون أنَّ العلم لا يقدِّم إلى الإنسان ما يحتاجه من المال، ولا يفرِّج كربة، وبخاصة حين نرى أرباب التجارة والحِرَف أصحاب مكانة رفيعة في المجتمع، بل استطالوا في بناء القصور والدور، بينما نرى المعلمين في ذلٍّ ومهانة، إذ لا يستطيعون أن يحصلوا على قوت يومهم، فيعتقدون أنَّ العلم والمعرفة وسطٌ للفقر والبؤس، وأنَّ التجارة هي أساس الحياة والملك والغنى والتقدُّم، ولذا فهم يوجِّهون أبناءهم إلى التجارة بدل التعليم، أو الالتزام بالمدرسة في إطار تعليم الطفل شيئًا معيَّنًا من العلم ليلتحق بالحانوت بعد ذلك. وهذا الرأي يرفضه أبو اليقظان كمصلح رفضًا باتًّا، إذ يقول على لسان المدرسة: «وأيُّ عزَّة لك؟ وأيُّ مفخرة في ولد كان في مقدِّمة أقرانه لديَّ، وفي صفوف الناجحين بين أقسامي، يصبح لديكِ في مؤخِّرة الأميين من أبنائك، يتولَّى الكنس والطبخ والغسل وما إلى ذلك؟ وهل بعد هذه المهانة من هوان؟ وهل بعد هذه الخسارة من خسران؟... فالذنبُ في هذا ليس ذنبي، ولكن ذنبك إذ أغريتِهم بزخارفك الخلاَّبة، ومناظرك الجذَّابة، وإذا كان لك من شكٍّ في ذلك فانظري بين ذلك البائس وبين من أتمَّ دروسه تحت رعايتي».
يتَّضح لنا عن طريق هذا السرد للصراع الفكري الاجتماعي معاناة الأديب، ومدى امتداد تجربته في عمق الواقع بكلِّ تناقضاته وتحوُّلاته، ومدى انعكاس ذلك على تفكير السواد الأعظم من الأمة، وتلك مهمة الفنان الأديب الذي يوغل في الواقع، وينفذ إلى أعماقه ليصوره، خاصَّة إذا رآه مهزوزًا محشوًّا بقيم شاذَّة تقلقه، وهذا ما نراه حتى آخر هذه الحوارية، التي يفضِّل في آخرها أبو اليقظان المدرسة على الحانوت، رغم دعوته إلى تكاملهما؛ حيث تعترف الحانوت بنفسها بفضل المدرسة فتقول: «حقًّا أيتها المدرسة، لقد تراءى لي من بيانك الساحر وجه الحقِّ والصواب، ولاح لي نور الحقيقة وجوهر اللُّباب، فإليك يرجع في سير الأمم والأفراد في الصراط المستقيم، ولكن لا غنى لك عنِّي في تشييد خُططك وبرامجك، فهيَّا بنا نتَّحد ونتعاون، والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه»(76).
إنَّ هذه الحواريات عمومًا هي عبارة عن رموز لقضايا اجتماعية أرَّقت الكاتب، وهي أفكار تروج في المجتمعات العربية عمومًا، وتكرَّرت مناقشتها في الحياة اليومية للمواطن منذ أمد بعيد، ولمَّا حاول المصلحون إعادة القطار إلى جادَّته وقفت هذه الإشكاليات أمامهم حجر عثرة، مـمَّا استلزم من أبي اليقظان أن يناقشها بأساليب مختلفة؛ ومن هذه الأساليب أسلوب المناظرة أو المحاورة، لأنَّ الحوار محبب إلى النفوس، مشوِّق لها، ومثيرٌ للعامَّة، ووسيلة أكثر نجاعة من المقال الجاد، أو المقال الساخر ـــ ربما ــ حسب فهم أبي اليقظان. وكلُّ ذلك ليُزيح الستار عن الرأي الاجتماعي العام، والرأي الاجتماعي الآخر، ولذلك ظهرت لنا رؤية الكاتب وبان اتجاهه الفكري الإصلاحي، كما كشفت هذه الحواريات عن ثقافة الكاتب وعن مدى استيعابه للتراث خاصَّة، وهذا ما لمسناه في آراء الرموز المتحاورة في أدلتها الجاهزة أحيانًا، وسبل احتجاجها. كما نلاحظ دور العقل في هذه الحواريات، إذ أصبح هو المسير والحكم والسلطة الترجيحية، لأنَّ العقل لا يمثل في الحقيقة إلاَّ أصحاب النهى الراجحة، والعقول الكبيرة، والمنطق السليم، وبذلك استطاع أن يلتزم بمنهج معين في هذه المناظرات، كما استطاع أن ينقل إلينا الواقع بطريقة بسيطة لا تحتاج إلى جهد كبير من طرف المتلقي، وبمادة علمية دسمة مـمَّا جعل هذه المناظرات وسيلة لإيصال معلومات معينة إلى الأمة، وإن كان حوارها لا يرقى إلى أسلوب الحوار المسرحي أو القصصي مثلاً، لأنَّه أميل إلى أسلوب المقامات من حيث حشد الألفاظ والمحسنات البديعية، ومن ذلك السجع والجمل المتساوية، يقول: «أنا أنسُ العلماء، وسمير الأدباء، وبهجة العبَّاد، وخلوة الزهَّاد، أنا مهد الراحة، وفراش العافية، ووسادة الهناء، وغطاء السكينة، مهيَّأة لمن يريد النعاس...»(77).
ومثل هذا الأسلوب نجده في معظم مناظراته، إذ يلتجئ إليه أبو اليقظان من حين إلى آخر لكنه لا يلتزمه، ومن ذلك مناظرة الحانوت والمدرسة التي يقول فيها: «أنا معدن المال، ومنبع الكمال، وكعبة الآمال، وقبلة النساء والرجال، في حضانتي تشبُّ الأطفال والصبيان، وبين جدراني يطوف الفتيان والشبان، وإليَّ يركع الكهول، ويحجُّ الشيوخ في سائر الأحيان، بفضلي بُنيت القصور وشُيِّدت الدور، ورحمت القبور، وملكت القلوب، وحصل ما في الصدور..»(78).
كما يلتجئ فيها أبو اليقظان إلى تكرار حرف معيَّن أو كلمة لإحداث الجرس الموسيقي الذي يبحث عنه، من مثل قوله: «أعوذ بالله السميع العليم منك يا طالع النحس، ويا رائد الشقاء والبؤس، ويا علَّة كلِّ هوان، ويا سبب كلِّ خسران وحرمان»(79). أو قوله في مناظرة القهوة والمسجد، إذ يقول على لسان القهوة: «أنا سلوة النفس، وراحة البدن، فإليَّ يهرعون، وبين جدراني يستريحون، وعلى كراسيَّ يتجاذبون أعنَّة الحديث في كلِّ ما يهمُّهم من الأمور، ويتبادلون كؤوس الأنس والبهجة والحبور»(80)، أذ نرى كيف يحاول إحداث جرس موسيقي هو أشبه ما يكون بالقافية.
وقد يلتجئ فيها إلى الترادف أو الكلمات المتقاربة المعنى، وخاصة الأفعال والمصادر المتقاربة الحدث لإيجاد نوع من الموسيقى والتلوين الداخلي للنص، ومن ذلك قوله: «فأين أنت أيها المخنَّث وقت طلوع شمس الإسلام، وظهور الدين الحنيف في أرجاء المعمورة؟ ومن ذا الذي حمل سيوف الجهاد، ورفع أعلام الانتصار، ونشر ألوية الدين ما بين الصين والأندلس؟»(81)، وحين نلاحظ أسلوب أبي اليقظان وهو يحشد الألفاظ المتقاربة المعنى نحسُّ بتوالد الأفكار وتضافرها، مـمَّا يجعل الجمل تتوازن، والموسيقى تترى متصاعدة، وهذه خاصية عامة في أدبه، كما تعتمد على الخيال وحسن التعبير.
كما نلاحظ اهتمامه بالتقاط الأمثال والحكم من المجتمع؛ إذ إنه يحوِّل أسلوبه الجميل الرصين إلى أسلوب قريب من أساليب العامة، ومن ذلك قوله: «يا لطيف، ”حوالينا ولا علينا“(82) لقد سردت عليَّ سلسلة من آثارك وأعمالك وحسناتك ومزاياك وبيَّنت مساويك وما قيل فيك إنَّ الظهور يقصم الظهور(83)، فهل تتجاهل ما ورد في ذكري والحث على اتخاذي شعارًا من سادتنا العلماء من قولهم: ”كن كابن لبون لا ضرع يُحلَب ولا ظهر يُركب، كن حلسًا من أحلاس بيتك، عليك بخويصة نفسك، كل الحشف والبس القشف، وارقد على الخرشف..»(84).
إنَّ هذا التراكم في الأمثال العربية والعامية يوحي بأنَّ أبا اليقظان لا يهدف من وراء ذلك إلاَّ لسرد فكرة هؤلاء المشعوذين بأسلوبهم، مـمَّا حوَّل أسلوبه ــ أحيانًا ــ إلى أسلوب أشبه بأسلوب أولئك الأيمة الذين لا يعرفون إلاَّ الأساليب التقليدية التي تعتمد الحشو، وحشد الأدلَّة والبراهين. ولعل هذا يعود من جهة أخرى إلى أنَّ المناظرة تقتضي ذلك؛ لأنَّ من اهم خصائصها حشد الأدلة والبراهين لإقناع الطرف الثاني، وهذا ما نراه في الحواريات إذ تمتاز بذلك الحشد الهائل من المعلومات، وبخاصة حين تتحول إلى مناظرة بين المصلحين وأعداء الإصلاح، إذ يكثر فيها أدلة الطرفين من جميع الوجوه ويبرز حُججهم، ثمَّ يفنِّد كلَّ ذلك ويحاول إقناع الأمة بصحَّة رأيه.
ونرى أحيانًا أنَّ أسلوبه يتحول أحيانًا إلى أسلوب واعظٍ مسجدي، إذ يُكثر من إيراد الأدلة من القرآن الكريم، والسنة الشريفة، فتتراكم وكأننا نقرأ خطبة جمعة كتبها بعض أيمة عصور الانحطاط، ومن ذلك قوله: «أيها الجاهل لا تتجرأ على الشريعة الغرَّاء، فإنَّ الله يقول: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}(85)»(86).
ومهما يكن فإنَّ هذه المناظرات تمتاز بالمبالغة والاعتداد بالنفس والشطط في وصف محاسن المتحاور، كما «ينقلب أسلوبها إلى نمط من الأساليب الخطابية قوامه الدفاع والمجادلة والمحاججة وسَوق البراهين، ومحاولة التأثير، والوصول إلى الكسب والانتصار ، وفي سبيل ذلك قد تُقلب الحقائق، ويُزوَّق الباطل، ويُبهرج الزيف، وتروق التهويلات، ويسرح الخيال الشعري بسرحاته الممتعة، ويعود بكل تصوير مبتكر، وتعبير جميل»(87). وهو ما رأيناه في بعض السرحات الخيالية في الجوَّاق والجريدة، والمدرسة والحانوت.
وعلى العموم فإنَّ هذه الحواريات الثنائية تدلُّنا على ثقافة أبي اليقظان وعلى ثقافة عصره، كما تكشف لنا عن الأسلوب النقدي الذي اتَّبعه أبو اليقظان ودافع عنه ومكَّن له.
ونستنتج أنَّ أبااليقظان قد التزم بالواقعية الأسلوبية أحيانًا، إذ كان لا ينطق المتحاور إلاَّ بلغته، وثقافة حرفته، وكلُّ ذلك بحوار هادئ في معظم الحالات، وبلغة جاهزة في معظمها، فهي مرة الجدل في العصر العباسي ـــ بخاصة ـــ ولهذا السبب اتَّسم أسلوبه بالجدل والاحتجاج،والتحليل والتعليل والإقناع.
أمَّا من حيث البناء الفني:
فإنَّ هذه المناظرات يختلف بعضها عن الآخر، ففي كلِّ مناظرة يتبع المؤلف بناء معيَّنا، بحيث تلاحظ في حوار المدرسة والحانوت ـــ مثلاً ـــ أنَّ أبا اليقظان يعطي نتيجة الحوار مسبقًا، ثم يورد الحوار من البداية، فبناء هذه الحوارية يشبه بناء بعض أنواع الروايات والمسرحيات الحديثة. وهناك مناظرات أخرى تبتدئ بالحوار الذي يفضِّله، وتنتهي بعد تدرُّجها في الحوار باعتراف أحد المتحاورين بفضل محاوره، كما في الشدَّة والرخاء، إذ يعترف الرخاء بفضل الشدًّة. أمَّا في بعض المناظرات الأخرى مثل مناظرة الخمول والظهور، فإنَّ الكاتب لا يتدخَّل مباشرة، ولكنه يتدخَّل عن طريق شخصية العقل الذي يُصدر حكمه لصالح أحد المتحاورين، وقد يتدخَّل الكاتب صراحة كما في حوارية العلم والمال، ويدلي برأيه الذي يراه صائبًا.
وأمَّا الشخصيات فلم تُستخدم في الحواريات أكثر من ثلاث شخصيات، حيث تتحاور شخصيتان، وفي الأخير تتدخَّل الشخصية الثالثة، أو قد لا تتدخل إذ تعترف إحدى الشخصيتين بأهمية الأخرى.
وعلى العموم فإنَّ أفكار هذه الحواريات أو المناظرات واضحة متسلسلة، مأخوذة من الواقع المعيش، ومستلَّة من التاريخ الجدلي عند المذاهب الفقهية والكلامية، وعند المعتزلة خصوصًا. أمَّا من حيث الأسلوب فإنَّ هذه الحواريات تمتاز بوضوح الأسلوب وبقصر العبارات عمومًا، والمسجوعة من حين إلى آخر، وفيها التجاء إلى المحسنات البديعية. وهي من حيث المعنى والمبنى تكشف لنا عن ثقافة العصر، وعن أمراض الأمَّة، وعن أهم المسائل التي يدور حولها الحوار والنقاش، أي ـــ قضايا العصر ـــ، كما تُبرز لنا ثقافة الكاتب الأديب، ومدى التزامه بقضايا وطنه، وما يهدف إليه في سبيل إصلاح هذا المجتمع، كما تمتاز بالتهويل والشطط في كثير من المواقف الجدلية، ومراعاة الترتيب المنطقي للأفكار ومقام المجادل والـمُناظر، وتشخيص الموضوع الذي يتحاور حوله هذان المتناظران.
ـــ انتهى ـــ
--------------------
الهوامش
1)- سعيد علوش: معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة، مطبوعات المكتبة الجامعية، الدار البيضاء، المغرب. 1984، ص: 35.
2)- انظر: المرجع السابق نفسه، ص: 46.
3)- شوقي عبد الحكيم: موسوعة الفلكلور والأساطير العربية، ص: 274.
4)- المرجع السابق نفسه، ص: 274 ـــ 280.
5)- د/ أحمد الشايب: الأسلوب، دراسة بلاغية تحليلية، مكتبة النهضة المصرية، ط7، 1979، ص: 100. وانظر كذلك: د/ عبد العزيز عتيق: الأدب العربي في الأندلس، دار النهضة العربية، بيروت، ط2، 1976، ص: 496.
6)- انظر حياته عند عمر بن قينة: الديسي حياته وآثاره وأدبه، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1977.
7)- د/ عبد الله الركيبي: تطور النثر الجزائري الحديث، ص: 108.
8)- انظر عمر بن قينة: الديسي حياته وآثاره وأدبه، ص: 40.
9)- جبور عبد النور: المعجم الأدبي، ص: 266، 267.
10)- المرجع السابق، الصفحة نفسها.
11)- د/ محمد عبد الغني الشيخ: النثر الفني في العصر العباسي الأول، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1983، ص: 64.
12)- د/ ناصر الحاني: المصطلح في الأدب الغربي. منشورات المكتبة العصرية، بيروت، ط 1968، ص: 16.
13)- انظر: الجاحظ: الرسائل، تحقيق عبد السلام هارون، دار الجيل، بيروت، 1991، ص: 42 ـــ 27.
14)- انظر: أبو الوليد بن رشد: تلخيص كتاب أرسطو طاليس في الجدل، تحقيق محمد سليم، الهيئة المصرية للكتاب، مصر، 1980، ص: 05، 06.
15)- انظر: د/ عبد الكريم الأشتر، النثر المهجري، ص: 85، 86. نقلا عن ميخائيل نعيمة «مرداد» الفصل الرابع عشر.
16)- انظر: محمود رزق سليم، عصر سلاطين المماليك، المجلد الخامس والسادس، في النثر الفني، مكتبة الآداب ومطبعتها، الجماميز، مصر، 1955. ص: 261 ـــ 264... الخ.
17)- انظر: المرجع السابق، ص: 261.
18)- المرجع السابق، ص: 261.
19)- دامخي عبد القادر: النثر الفني في الأندلس في القرن الخامس الهجري، رسالة ماجستير، جامعة دمشق، 1987، ص: 128.
20)- انظر: د/ ناصر الحاني، المصطلح في الأدب الغربي، ص: 16.
21)- أبو اليقظان: النور، عدد 02، 22/09/1931.
22)- المصدر السابق، عدد 03، 29/09/1931.
23)- المصدر السابق، عدد 54، 25/10/1932.
24)- المصدر السابق، عدد 53، 18/10/1932.
25)- المصدر السابق، عدد 55، 01/11/1932.
26)- المصدر السابق، عدد 57، 06/11/1932.
27)- أبو اليقظان، البستان، عدد 01، 27/04/1933.
28)- أبو اليقظان، المغرب، عدد 03، 10/06/1930.
29)- أبو اليقظان: البستان، عدد 01، 27/04/1933.
*)- السحر الحلال، مناظرة مشهورة لجلال الدين السيوطي، وأسماها رشق الزلال من السحر الحلال. انظر محمود رزق سليم، عصر سلاطين المماليك. ج5، ص: 283.
31)- المرجع السابق.
32)- محمود رزق سليم: عصر سلاطين المماليك، مج 6، ص: 06.
33)- أبو اليقظان: البستان، عدد 01، 27/04/1933.
34)- انظر: د/ مصطفى الشكعة: الأدب في موكب الحضارة الإسلامية، كتاب النثر، الدار المصرية اللبنانية، ط3، 1993، ص: 29.
35)- أبو اليقظان: البستان، عدد 01، 27/04/1933.
36)- المرجع السابق.
37)- المرجع السابق.
38)- المرجع السابق.
39)- المرجع السابق.
40)- المصدر السابق.
41)- أبو اليقظان: جريدة البصائر ”الأولى“، سنة1، عدد1 الجمعة 27/09/1935. الجزائر. ص: 05.
42)- الطيب العقبي: هل نحن في حاجة إلى الإصلاح اليوم؟ السنًّة، عدد 03/24/1933.
43)- أبو اليقظان: جريدة البصائر الأولى، سنة 01، عدد 01، الجمعة 27/09/1935، الجزائر، ص: 05.
44)- المرجع السابق، الصفحة نفسها.
45)- د/ عبد الله الركيبي: النثر الجزائري الحديث. ص: 108.
46)- انظر: د/ عبد الله التاطوي: مستويات الحوار في العصر العباسي. ص: 81 وما بعدها.
47)- أبو اليقظان: ”النور“، عدد: 53، 18/10/1932.
48)- حديث متفق عليه.
49)- أبو اليقظان: ”النور“، عدد: 53، 18/10/1932.
50)- أبو اليقظان: ”النور“، عدد: 53، 18/10/1932.
51)- أبو اليقظان: ”النور“، عدد 06، 20/10/1931.
52)- أبو اليقظان: المرجع السابق.
53)- أبو اليقظان: المرجع السابق.
54)- أبو اليقظان: المرجع السابق.
55)- أبو اليقظان: المرجع السابق.
56)- أبو اليقظان: المرجع السابق.
57)- أبو اليقظان: ”النور“. عدد 58، 22/11/1932. وقد رجَّحت أنَّ المقالة لأبي اليقظان لأنَّها غير موقعة في الجزء الثاني الصادر في عدد 06، 06/12/1932. كما أنَّ أفكارها هي أفكار أبي اليقظان.
58)- أبو اليقظان: المرجع السابق.
59)- أبو اليقظان: المرجع السابق.
60)- أبو اليقظان: وادي ميزاب، الثقة بالنفس، عدد 17، 21/01/1927.
61)- أبو اليقظان: بين الظهور والخمول، ”النور“، عدد 58، 22/11/1932.
62)- أبو اليقظان: ”النور“، عدد 60، 06/12/1932.
63)- أبو اليقظان: ”وادي ميزاب“، عدد 102، 18/09/1928.
64)- أبو اليقظان: بين الماضي والحاضر، ”النور“، عدد 02، 22/09/1931.
65)- أبو اليقظان: المرجع السابق.
66)- أبو اليقظان: المرجع السابق.
67)- أبو اليقظان: المرجع السابق.
68)- أبو اليقظان: المرجع السابق.
69)- أبو اليقظان: ”النور“، عدد 55، 01/11/1932.
70)- أبو اليقظان: ”النور“، عدد 54، 25/10/1932.
71)- أبو اليقظان: ”النور“، عدد 57، 15/11/1932.
72)- أبو اليقظان: ”النور“، عدد 55، 01/11/1932.
73)- أبو اليقظان: المرجع السابق.
74)- أبو اليقظان: المرجع السابق.
75)- أبو اليقظان: المرجع السابق.
76)- أبو اليقظان: المرجع السابق.
77)- أبو اليقظان: ”النور“، عدد 58، 22/11/1932.
78)- أبو اليقظان: ”النور“، عدد 55، 01/11/1932.
79)- أبو اليقظان: ”النور“، عدد 58، 22/11/1932.
80)- أبو اليقظان: ”النور“، عدد 54، 25/10/1932.
81)- أبو اليقظان: ”النور“، عدد 58، 22/11/1932.
82)- مثل يُضرب في حالة التشاؤم من مسألة ما، إذ يقصدون منه استبعاد ذلك.
83)- مثل شعبي يُضرب لكل مختال جبَّار، ولكنه استعمل من طرف رجال الطرق ليحطُّوا من قيمة كلِّ من يريد أن يرفع رأسه، أو يعتمد على نفسه، أو أن يُبرز مكانته، ليقتلوا الهمم.
84)- أبو اليقظان: ”النور“، عدد 58، 22/11/1932.
85)- التغابن، الآية: 16.
86)- أبو اليقظان: ”النور“، عدد 60، 06/12/1932.
87)- محمود رزق سليم: عصر سلاطين المماليك، المجلد الخامس، ص: 264.
نُشر المقال بدورية الحياة، العدد: 08، الصادر في رمضان 1425هـ/ نوفمبر 2004، ص: 204.