(الحلقة الثانية)
في نقض دعوى رسم المصحف الإمام على حرف واحد
وحمل الناس على القراءة به وترك ما سواه
الأستاذ: الشيخ بالحاح بكير بن محمد (باشعادل)
أستاذ بمعهد الحياة ـــ القرارة
إنَّ جمعَ الخليفةِ عثمان الصُّحفَ التي كُتبت وجُمعت في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه ونسْخَها في المصحف الإمام ـــ كما يُسمَّى ـــ أمرٌ لا مرية فيه، وكذلك استنساخ المصاحف التي وجَّهها إلى الأمصار ليقتدي بها الناس، وعزمُه عليهم أن يُحرِّقوا ما كان لديهم من صُحف أو مصاحف حسمًا للنزاع وقطعًا لدابر الخلاف الذي نجم بين طوائف المسلمين؛ فقد تعرَّض الكُتَّاب والمصنِّفون لهذه المسألة وأفاضوا فيها، وأطنبوا بما يملأ بطون المجلَّدات..
لكن مشكلة المشاكل، والعدَّة التي استعصى على الكثير منهم حلُّها، هي حسمُ الخلاف بين العلماء فيما إذا كانت تلك المصاحف رُسمت على ما يوافق حرفًا واحدًا من الأحرف السبعة التي أخبر الرسول محمَّد صلى الله عليه وسلم أنَّ القرآن أُنزل عليها؟ أم رُسمت على ما يوافق بعضًا منها من غير تعيين؟ أم على ما يوافق كلَّها؛ فهي في المصاحف بتمامها من غير ترك شيءٍ منها؟
قال الإمام ابن الجزري: «... وأمَّا كونُ المصاحف العثمانية مشتملة على جميع الأحرف السبعة فإنَّ هذه مسألة كبيرة اختلف العلماء فيها؛ فذهب جماعات من الفقهاء والقراء والمتكلمين إلى أنَّ المصاحف العثمانية مشتملة على جميع الأحرف السبعة، وبنوا ذلك على أنَّه لا يجوز على الأمَّة أن تُهمل نقل شيءٍ من الحروف التي نزل القرآن بها. وقد أجمع الصحابة على نقل المصاحف العثمانية من الصحف التي كتبها أبو بكر وعمر، وإرسال كلِّ مصحف منها إلى مصرٍ من أمصار المسلمين، وأجمعوا على ترك ما سوى ذلك؛ قال هؤلاء: ولا يجوز أن يُنهى عن القراءة ببعض الأحرف السبعة، ولا أن يجمعوا على ترك شيءٍ من القرآن.
وذهب جماهير العلماء من السلف والخلف وأئمة المسلمين إلى أنَّ هذه المصاحف العثمانية مشتملة على ما يحتمله رسمُها من الأحرف السبعة فقط، جامعة للعرضة الأخيرة التي عرضها النبيء صلى الله عليه وسلم على جبرائيل عليه السلام، متضمِّنة لها، لم تترك حرفًا منها».
«قلتُ؛ وهذا القول هو الذي يظهر صوابُه...»(1).
كما ذكر في «منجد المُقرئين ومرشد الطالبين» عن الأئمة أبي جعفر محمد بن جرير الطبري، وأبي عمر بن عبد البر، ومكِّي بن أبي طالب القيسي، وأبي العباس أحمد بن عمار المهدوي أنَّ المصاحف العثمانية هي بعض الأحرف السبعة ــــ عند بعضهم ـــ أو هي حرفٌ واحد ـــ عند آخرين ـــ من غير تعيين الحروف أو الحرف(2).
وقال في موضع آخر من الكتاب: «وللشيخ برهان الدين إبراهيم بن عمر الجعبري رحمه الله رسالة ذكر فيها أنَّ القرآن وصل إلينا متوترًا بأحرفه السبعة التي نزل بها القرآن على النبيء صلى الله عليه وسلم ».
وقال [أعني ابن الجزري]: «قُلتُ: وهذا عجبٌ منه مع جلالة قدره، ولو كان هذا الكلام من غيره لقلنا عنه إمَّا أن يكون ما يدري الأحرف السبعة ما هي؟ أو ما يدري التواترَ ما هو؟ وحاشاه من ذلك»(3).
هكذا يرى الإمام ابن الجزري أنَّ المصاحف العثمانية رُسمت على ما يوافق بعض الأحرف فقط، ويتمسَّك برأيه إلى حدٍّ الإنكار الشديد على أحد الأئمة الأعلام في هذا العلم الإمام الجعبري على جلالة قدره حسبما نعته هو».
وإلى جانب هذا نجد من أكابر العلماء من يتَّخذ من قضية رسم المصاحف على حرف واحد نموذجًا للسنَّة التي سنَّها صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعده، ويأخذها مأخذ التسليم، وكأنْ لم يرد فيها أدنى اختلاف بين العلماء.
قال الإمام أبو إسحاق الشاطبي: «ويُطلَقُ أيضًا لفظ السنَّة على ما عمل عليه الصحابة، وُجد ذلك في الكتاب أو السنَّة أم لم يُوجَد، لكونه اتباعًا لسنةٍ ثبتت عندهم لم تُنقل إلينا، أو اجتهادًا مجتمعًا عليه منهم أو من خلفائهم، فإنَّ إجماعهم إجماعٌ، وعمل خلفائهم راجعٌ أيضًا إلى حقيقة الإجماع من جهة حمل الناس عليه حسبما اقتضاه النظر المصلحي عندهم، فيدخل تحت هذا الإطلاق المصالحُ المرسلة والاستحسان، كما فعلوا في حدِّ الخمر وتضمين الصنَّاع، وجمع المصحف وحمل الناس على القراءة بحرفٍ واحدٍ من الحروف السبعة، وتدوين الدوواين وما أشبه ذلك، ويدل على هذا الإطلاق قوله عليه الصلاة والسلام: ”عليكم بسنَّتي وسنَّة الخلفاء الراشدين المهديين“»(4).
إنَّ الإمامين أبا إسحاق الشاطبي، ومحمد ابن الجزري من أكابر العلماء الذين خدموا الدين فألَّفوا وصنَّفوا، وحقَّقوا مسائل العلم ودقَّقوا، فهم الحجَّة فيما ألَّفوا، وقدوتنا وعمدتنا في هذه العلوم، فلا يسعُنَا إلاَّ العرفان بفضلهم والاعتراف لهم بالأسبقية والأعلميَّة، فما كان ينبغي لنا أن نتطاول عليهم أو نستدرك، غير أنَّ الحق أحقُّ أن يُتَّبع، وقديمًا قيل ما من عالِمٍ إلاَّ وفي علمه مأخوذٌ ومتروك ما عدا المعصوم محمَّدًا صلى الله عليه وسلم .
إنِّي بعد طول تدبُّر وإمعان النظر في عدد من المصنَّفات، أستعرض الأقوال، وأقرأ وأُعيد، وأتدبَّر البراهين آخذًا على نفسي التزام التجرُّد والموضوعية ـــ قدر طاقتي ـــ بالرجوع إلى جذور المسألة، وأسباب المشكلة، وباستنطاق النصوص التي صحَّت في قضية جمع الخليفة الراشد ـــ الإمام عثمان بن عفَّان رضي الله عنه ـــ الصحف في المصحف الإمام وسائر المصاحف العثمانية التي أرسلها إلى الأمصار؛ كلُّ ذلك كَشَفَ لي جملة من الحجج والبراهين التي جعلتني أميل إلى القول بأنَّ المصاحف العثمانية في جملتها رُسمت على ما يوافق جميع الأحرف السبعة التي نزل عليها القرآن الكريم.
وإليك أخي القارئ الكريم جملة من الحجج والبراهين على ما بدا لي واطمأنَّت إليه نفسي، وأرجو من الله أن يكون صوابًا ويعصمني من الزلل.
1-قوله تبارك وتعالى: {وَإِذَا تُـتْـلَى عَلَيْهِمُ ءَايَاتُنَا بَـيِّـنَاتٍ قَالَ الذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا اَيتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَذَآ أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِيَ أَنُ ابَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نَفْسِيَ إِنَ اَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبـِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} (يونس/15). قال الإمام ابن كثير في تفسيرها: «أي ليس هذا إليَّ إنَّما أنا عبدٌ مأمور، ورسول مبلِّغٌ عن الله».
وقال سيد قطب في تفسيره «في ظلال القرآن»: «فما يكون للرسول صلى الله عليه وسلم أن يبدِّله من تلقاء نفسه، إن هو إلاَّ مُبلِّغ متَّبع للوحي الذي يأتيه، وكلُّ تبديل فيه معصية وراءها عذاب عظيم». اهـ.
أقول: إنَّ رسم المصحف الإمام وسائر المصاحف العثمانية على حرفٍ واحد فقط ـــ فيما ادَّعاه بعضٌ من العلماء ـــ صورة من صُور التبديل، وحاشا الإمام عثمان وأصحابه أن يفعلوا ذلك.
2-عثمان رضي الله عنه الذي يُنسب إليه أنَّه رسم المصاحف العثمانية على حرفٍ واحد فقط ينقل الإمام البخاري في شأنه بسنده عن ابن الزبير قال: «قلتُ لعثمان بن عفان {وَالذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا} قد نسختها الآية الأخرى، فلِم تكتُبُها؟ أو تدعها؟ [يعني لِمَ تدَعُها مكتوبة ولا تحذِفُها؟] قال (عثمان): يا ابن أخي لا أُغيِّرُ شيئًا من مكانه»(5).
وشبيه بهذا ما ذكره الإمام الفخر الرازي في سياق تفسير قوله تعالى: {فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ} (النساء/11) إذ يقول: «روي أنَّ ابن عبَّاس قال لعثمان: بم صار الأخوان يردَّان الأمَّ من الثلث إلى السُّدُس؟ وإنَّما قال تعالى: {فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ} والأخوان ــــ في لسان قومك ــــ ليسا بإخوة ! فقال عثمان: لا أستطيع أن أردَّ قضاء قُضيَ به مِن قبلي ومضى في الأمصار». اهـ.
أقول: هل يُعقل أن يتحرَّج عثمان ويستصعب أن يغيِّر الفتوى في مسألة فرعية من أجل ان يُقضى فيها مِن قبله، وأنَّها مضت وانتشرت في الأمصار؟ أليس القرآن قد مضى في الأمصار، وانتشر فيها بين كافة المسلمين، يحفظه منهم الكبير والصغير، الذكر والأنثى، والعالم والجاهل؟ حفظه الجميع كلَّه أو بعضه في الصدور، وحمله منهم جيلٌ عن جيلٍ، وأمَّة عن أمَّة، بل أُمم عن أُمم.
3-تقدَّم في البحث «مراحل توثيق القرآن الكريم»(6) الحديث الذي رواه الإمام البخاري، والذي جاء فيه أنَّ أبا بكر تردَّد وتحرَّج من مجرَّد جمع القرآن حين أشار إليه عُمر بذلك، فقال: كيف نفعل شيئًا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ وفيه أيضًا أنَّ زيد بن ثابت تحرَّج وقال لأبي بكر وعمر: كيف تفعلون شيئًا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ أيتحرَّجون من مجرَّد الجمع ولا يتحرَّجون مـمَّا يشبه عملية اختصار نصِّ القرآن؟ على ما يُفهم من دعوى رسمِهِ على حرف واحد، وإن كنتُ أعتقد أنَّ القائلين بهذا لم يقصدوا شيئًا من ذلك، وحاشا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعلوه.
4-صرَّح كثير من الأئمة الأعلام أنَّ الاعتماد في توثيق القرآن وحفظه من الضياع أو التبديل أو التغيير كان في الدرجة الأولى على الحفظ في الصدور.
قال ابن الجزري: «ثم إنَّ الاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب والصدور لا على حفظ المصاحف والكتُب، وهذه أشرف خصيصة من الله تعالى لهذه الأمَّة».
وقال أيضًا معلِّقًا على حديث رواه مسلم جاء فيه: «... ”ومُنَزِّلٌ عليك كتابًا لا يغسله الماء“ فأخبر تعالى أنَّ القرآن لا يحتاج في حفظه إلى صحيفة تُغسل بالماء، بل يقرؤه في كل حال، كما جاء في صفة أمَّته ”أناجيلهم في صدورهم“»(7).
5-إنَّ الخليفة عثمان رضي الله عنه لمَّا عزم على جمع القرآن للأسباب التي سبق ذكرها أرسل إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصُّحُف ننسخها ثمَّ نردُّها إليك، حتَّى إذا نسخوا الصحف في المصاحف ردَّ عثمان الصحف إلى حفصة فأرسل إلى كلِّ أُفق بمصحف مـمَّا نسخوا. هكذا بالحرف الواحد في صحيح البخاري في الباب الثالث من كتاب فضائل القرآن، فمن أين علموا أنَّ عثمان كتب المصاحف على حرف واحد؟ وما مُستَنَدُ من قال بهذا؟
6-إنَّ جميع الكتب من تفسير وحديث وغيرها، عندما تناولت قضية جمع أبي بكر للقرآن في صُحف ـــ في حدود ما اطَّلعتُ عليه ـــ لم تتحدث عن أنَّ أبا بكر اشترط على من يأتيه بشيء من القرآن مكتوب عنده أن يأتيه بشاهدين على أنَّ ذلك مـمَّا تلقَّاه عن النبيء صلى الله عليه وسلم في العرضة الأخيرة، كما أنَّه لم يُنقَل إلينا أنَّ النبيء صلى الله عليه وسلم أمر صحابته من كان لديه شيٌ مكتوب من القرآن أن يُعارِضَه على العرضة الأخيرة ويمحو ما سواه. وإنَّما ذكرتُ هذا ردًّا على من زعم أنَّ المصحف الإمام نُسخ على حرفٍ واحدٍ وعلى ما يوافق العرضة الأخيرة، من غير أن يقوم دليل من العقل أو النقل على ذلك.
7-إنَّ على من ادَّعى رسم القرآن في المصاحف العثمانية على حرفٍ واحدٍ أن يعترف أنَّ الصحابة كانوا على علمٍ ويقين من هذه الأحرف، وكانت لديهم متمايزة، فاختاروا واحدًا وألغوا الستة الأخرى... وإن كان هذا حقًّا فلماذا لم يُنقل عنهم؟ ولو وقع لَنَقَله الرواةُ وتواتر عند الناس، ولَمَا اختلف العلماء من بعدهم ذلكم الاختلاف في تأويل الأحرف.
ومن عجيب أمر الإمام الجليل الطبري ومن على رأيه أن يزعم أنَّ الحروف الستَّة قد دَرَسَت من الأمَّة معرفتُها، وتَعَفَّتْ آثارُها !
قال في سياق حديثه عن قصَّة جمع القرآن في عهد الإمام عثمان رضي الله عنه : «... إنَّ إمام المسلمين، وأمير المؤمنين عثمان بن عفان رحمة الله عليه جَمَع المسلمين نظرًا منه لهم، وإشفاقًا منه عليهم، ورأفة منه بهم، حِذَارَ الردَّة من بعضهم بعد الإسلام، والدخول في الكفر بعد الإيمان، إذ ظهر من بعضهم وبمحضره وفي عصره التكذيبُ ببعض الأحرف السبعة التي نزل عليها القرآن مع سماع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من رسول الله النهيَ عن التكذيب بشيءٍ منها، وإخباره إيَّاهم أنَّ المراء فيها كفرٌ؛ فحملهم ـــ رحمة الله عليه ـــ إذ رأى ذلك ظاهرًا بينهم في عصره وبحداثة عهدهم بنزول القرآن وفراق رسول الله صلى الله عليه وسلم إيَّاهم، بما أمن عليهم معه عظيم البلاء في الدين من تلاوة القرآن على حرفٍ واحد، وجمعهم على مصحفٍ واحدٍ أو حرفٍ واحد [!!؟] وحرَّق ما عدا المصحف الذي جمعهم عليه، وعزم على كلِّ من كان لديه مصحفٌ مُخالف للمصحف الذي جمعهم عليه أن يحرِّقه، فاستوثقت(8) له الأمَّة على ذلك بالطاعة، ورأت أنَّ فيما فعل من ذلك الرشد والهداية، فتركت القراءة بالأحرف الستة التي عزم عليها الإمام العادل في تركها، طاعة منها له، ونظرًا منها لأنفسها، ولمن بعدها من سائر أهل ملَّتها حتى درست من الأمَّة معرفتُها، وتعفَّت آثارُها، فلا سبيل لأحد اليوم إلى القراءة بها لدثورها، وعُفُوِّ آثارها»(9).
أقول: حاشا الصحابة أن يكذِّبوا بشيء من أحرف القرآن، ولا أن يُجمعوا على رسمه بحرفٍ واحد؛ ثمَّ كيف عرف العلماء تأويلها بعد ذلك وتضاربت أقاويلهم وقد درست من الأمَّة معرفتُها، وتعفَّت آثارها، فلا سبيل لأحد القراءة بها، كما مرَّ بك في عبارة الإمام الطبري.
كلاَّ؛ إنَّها باقيةٌ إلى يوم الناس هذا؛ فمن المصاحف التي بلغت إلى علمائنا الأجلاَّء ووصلتهم متواترة محفوظة في القلوب، استنبطوها فعرفوها على ما ذهب إليه كلٌّ منهم، وما من وجهٍ من وجوه التأويل لهذه الأحرف في مجموع الأقاويل التي دوَّنها العلماء في مصنَّفاتهم إلاَّ وجدتَ له أمثلة ماثلة حاضرة في مصاحفنا اليوم لم يَدْرُس منها شيءٌ ولم يحرق ولم يُغسل ولم يُمزَّق(10).
8-قال الإمام الطبري: «فإن قال فما بال الأحرف الأخر الستَّة غير موجودة؟... وقد أقرأهنَّ رسول الله أصحابه، وأمر بالقراءة بهنَّ، وأنزلهنَّ الله من عنده على نبيِّه صلى الله عليه وسلم ، أنُسِخت فرُفعت؟ فما الدلالة على نسخِها ورفعِها؟ أم نسيَتهُنَّ الأمَّة؟ فذلك تضييعُ ما قد أُمروا بحفظه؟ أم ما القصة في ذلك؟ قيل له: لم تُنسخ فتُرفع، ولا ضيَّعتها الأمَّة وهي مأمورة بحفظها، ولكن الأمَّة أُمرت بحفظ القرآن، وخُيِّرت في قراءته وحفظه بأيِّ تلك الأحرف السبعة شاءت»(11).
هذا الكلام ـــ من الإمام الكبير الطبري ـــ كلامٌ عجيب، إن لم يكن متناقضًا، فالله أعلم بمراد هذا الإمام بقوله؛ إلاَّ أن نتصوًّر أنَّ الحروفَ ألوانٌ يُصبغ بها القرآن فاقتصر على لونٍ واحدٍ، أو أنغام يُقرأ بها فاقتصر على نغمٍ واحد.
أحسبني وأنا أقرأ كلام هذا الإمام ـــ وأنا مقرُّ له بالأفضلية ــــ على مثل حال والدٍ أُمِّي سمع ولده يقرأ «فخرَّ عليهم السقف من تحتهم»، فقال: يا بني أمَّا القراءة فلستُ بقارئ غير أنَّ السقف لا يخرُّ من تحت...
9-ذكر الإمام ابن الجزري عن الإمام الطبري أنَّ ما اختلف فيه القراء لا يخرجون فيه عن خطِّ المصحف الذي كُتب على حرف واحدٍ، وقال تعليقًا على هذا: «قلتُ المصحف كُتب على حرفٍ واحدٍ ولكونه جُرد عن النَّقط والشكل احتمل أكثر من حرف، إذ لم يترك الصحابة إدغامًا ولا إمالة ولا تسهيلاً ولا نقلاً ولا نحو ذلك مـمَّا هو من الأحرف الستة...»(12).
فالإمام ابن الجزري كاد أن يذهب إلى الرأي القائل ببقاء جميع الأحرف، ولكنه حام ولم يقع.
فلماذا لا يكون تجريد المصاحف من الشكل والنقط وسيلةً لجمع كافة الحروف السبعة في المصحف الإمام؛ إلا ما كان من الاختلاف في إثبات بعض الكلمات أو حذفها، أو إبدال بعض الحروف بعضها ببعض؛ مثل القراءة بحذف «من» من قوله تعالى: {وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الاَنْهَارُ} (التوبة/100) في قراءة وإثباتها في أخرى، ومثل القراءة بالفاء بدل الواو في قوله تعالى: {وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا} (الشمس/15).
10-إنَّ قراءة القرآن على سبعة أحرف تيسير على الناس ورحمة لهم؛ فإذا احتاج العرب الذين نزل القرآن بلغتهم إلى التيسير لاختلاف اللهجات، فكيف بمن وراءهم من الأمم غير العربية من العصر الإسلامي الأول إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها؟
أم يُقال إنَّ الأحرف السبعة كانت رحمة في حدِّ ذاتها لكن لمَّا اختلف الناس في قراءة القرآن أصبحت نقمة عليهم؟ كلاَّ! ليس العلاج في ترك الاختلاف كما أرشد إليه رسول الرحمة أصحابه حين اختلفوا واحتكموا إليه.
11-القرآن كلام الله تعالى الـمُعجز فكيف يتسنَّى للناس مجتمعين أو متفرِّقين أن يحذفوا شيئًا من القرآن، أو يتصرَّفوا فيه مع الحفاظ على إعجازه وبلاغته، ولا أتصوَّر حذف بعض الحروف من الأحرف السبعة من غير حذف بعض كلمات القرآن لأنَّهما في نظري متلازمان تلازم الصفة بالموصوف.
12-إذا كان عثمان رضي الله عنه أمر بتحريق ما عدا المصاحف العثمانية فليس في مقدوره أن يحرِّق ما وعته الصدور وحفظته بغاية الضبط والإتقان... فذلك ما لا سبيل إليه.
قال الشيخ محمد عبده رحمه الله «إنَّ كتابنا هو القرآن العزيز لم يوجد كتابٌ في الدنيا نُقل، ونُشر كما نُشر، فإنَّ الجماهير من المسلمين قد حفظوه عن ظهر قلب من القرن الأول إلى يومنا هذا»(13).
وقال أيضًا: «... وما كفل تعالى حفظ كتابٍ من كُتبه بنصِّه إلاَّ هذا القرآن المجيد الذي قال فيه {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (الحجر/09)، وظهر صدقُ كفالته بتسخير الألوف الكثيرة في كلِّ عصر لحفظه عن ظهر قلب، ولكتابة النسخ التي لا تُحصى منه في كلِّ عصره...»(14).
وممَّا ذكره المفسر الكبير الإمام القرطبي في تفسيره «فاتَّفقوا على جمعه بما صحَّ وثبت في القراءات المشهورة عن النبيء صلى الله عليه وسلم واطرح ما سواه»(15).
فأنت ترى الإمامين محمد عبده والقرطبي فيما نقلتُه لك لم يشيرَا إلى رسم المصحف على حرف واحد فقط من الأحرف السبعة.
ومن عجيب أمر الإمام الطبري ـــ الذي ذهب إلى أنَّ المصحف الإمام لم يُرسم إلاَّ على حرف واحد ـــ أن ينقل حديثًا جاء فيه، «كان الكتاب الأول [يريد الكتب السماوية السابقة على القرآن] نزل من باب واحد وعلى حرفٍ واحد، ونزل القرآن من سبعة أبواب وعلى سبعة أحرف...» ثمَّ يقول: «وخصَّ الله نبيَّنا محمَّدًا صلى الله عليه وسلم وأمَّتَه بأن نزَّل عليهم كتابه على أوجه سبعة من الوجوه التي ينالون بها رضوان الله ويدركون بها الفوز بالجنَّة إذا أقاموها، فلكل وجه من أوجهه السبعة بابٌ من أبواب الجنَّة الذي نزل منه القرآن... فجميع ما في القرآن من حروفه السبعة وأبوابه السبعة التي نزل منها جعله الله لعباده إلى رضوانه هاديًا، وإلى الجنَّة قائدًا»(16).
أقول: هذا الكلام يُناقض مذهبه في رسم المصحف على حروف واحدٍ من الأحرف السبعة.
وخلاصة القول في الموضوع:
إنَّ دعوى رسم المصاحف العثمانية على ما يوافق حرفًا واحدًا من الأحرف السبعة هي أصل المشكل، ولا نرتاب فيما نُقل وتواتر من حمل الإمام عثمان رضي الله عنه الناسَ على مصحفٍ إمامٍ، فإنَّ الهدايةَ والرشدَ في ذلك، وإنَّما أمر بتحريق كلِّ ما عداه من أجل أنَّه عملُ الصحابة منفردين لا مجتمعين، فلا يُؤمَنُ الخطأُ على صحابيٍّ فيما كتبه على انفراد؛ وقد نقل الطبري أنَّ عثمان حين بلغه اختلاف الناس في القراءة وتكفير بعضهم بعضًا... قام في الناس خطيبًا فقال: «أنتم عندي تختلفون فيه وتلحنون! فَمَن نأى عنِّي من أهل الأمصار أشدُّ لحنًا. اجتمِعُوا يا أصحاب محمَّد واكتبوا للناس إمامًا... فلمَّا فرغ من المصحف كتب عثمان إلى أهل الأمصار: إنِّي قد صنعتُ كذا وكذا ومحوتُ ما عندي فامحوا ما عندكم»(17).
فلا عجب أن يأمر كلَّ من كان كتب شيئًا أن يمحوه ويتأسَّى بالمصحف الإمام، لأنَّ الثقة فيما كُتب عن ملإٍ من الصحابة على اجتماع آكد، وبهذا المصحف ينحسم النزاع لا بسواه.
وقد نال أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه ومن معه من الصحابة الكرام شرف جمع الناس على المصحف الإمام، وفعله هذا أيضًا مظهرٌ من مظاهر حفظ الله لكتابه العزيز كما وعد، وبهذا أيضًا حفظه من أن يُنسب إلى أحدٍ، فيُقال: مصحفُ فلان أو فلان، فضلاً عن أن يُقال قرآن فلان أو فلان، كما قالت النصارى إنجيل متَّى وإنجيل مرقس، وإنجيل لوقا، وإنجيل يوحنَّا...
وغرضي مـمَّا كتبتُ إبعاد تهمةٍ قد تُلصق بعثمان رضي الله عنه عن سوء فهم، وسدٌّ لثلمةٍ في وجه أعداء الإسلام الذين لا يفتأون يشوِّشون على أبناء دين الإسلام.
وقد نتساءل عن مصير المصاحف العثمانية؟
إنَّه ليس في معرفة ذلك كثير فائدة، وربَّما وجدنا خبرًا عن بعضها في طيِّ كتابٍ في فترة ماضية، ولا نعلم مصيره بعد ذلك، ومن هذا ما ذكره الإمام ابن كثير الدمشقي المتوفى سنة أربع وسبعين وسبعمائة من بعد هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم في كتاب «فضائل القرآن»
قال: «وأمَّا المصاحف العثمانية الأئمة فأشهرها اليوم الذي بالشام بجامع دمشق عند الركن شرقي المقصورة المعمورة بذكر الله، وقد كان قديمًا بمدينة طبرية ثم نُقل منها إلى دمشق في حدود ثماني عشرة وخمسمائة، وقد رأيته كتابًا عزيزًا جليلاً عظيمًا ضخمًا، بخطٍّ حسن مُبين قوي، بحبرٍ مُحكم في رقٍّ أظنُّه من جلود الإبل، والله أعلم، زاده الله تشريفًا وتعظيمًا وتكريمًا»(18).
يُقال يُشاع أن دولة روسيا احتفظت بمصحف عثمان الذي قُتل وهو يتلو القرآن منه فتلطَّخ بدمه، وحدَّثني من ذهب إلى طشقند ــــ حيث زَعَمَت أنَّه فيها ــــ ولكنَّه لمَّا عاد صرَّح بشكِّه من صحَّة الدعوى.
وسوف تفنى الصدور التي حفظت القرآن صدرًا بعد صدر، وستبلى المصاحف التي خُطَّت عبر العصور مُصحفًا بعد مُصحف، ويبقى كلام الله العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ما بقي المسلمون يحفظون كتاب الله جيلاً بعد جيل، ويكتبونه ويتناقلونه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ويبقى وجه ربِّك ذو الجلال والإكرام.
هذا ما منَّ الله به عليَّ، وفتح لي في هذه القضيَّة الشائكة، فما كان صوابًا منه فبفضل الله ورحمته، وما كان غير ذلك فأرجو من الله مغفرته..
{إِنُ ارِيدُ إِلاَّ الاِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيَ إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} (هود/88).
--------------------
الهوامش
1 ـــ ابن الجزري: «النشر في القراءات العشر». مج 1، ص: 31. نشر دار الكتاب العربي. (د.ت.ن).
2 ـــ م ن. ص: 48.
3 ـــ ابن الجزري: «النشر في القراءات العشر». مج 1، ص: 31. نشر دار الكتاب العربي. (د.ت.ن).
4 ـــ أبو إسحاق الشاطبي: «الموافقات». ج 4، ص: 04، وما بعدها. والحديث أخرجه أبو داود والترمذي.
5 ـــ البخاري: «صحيح البخاري». الباب الواحد والأربعون من أبواب تفسير سورة البقرة.
6 ـــ راجع البحث النشور في العدد السادس من هذه الدورية، بداية من ص: 93، رمضان 1423هـ / 2002م
7 ـــ ابن الجزري: «النشر». مج 1، ص: 06.
8 ـــ كذا، وقد رواه ابن كثير في كتاب «فضائل القرآن» بلفظ: فاستوسقت (من الانسياق)، ولعل هذا اللفظ هو الأصوب.
9 ـــ الطبري: «جامع البيان». مج1، ص: 22. المطبعة الكبرى الأميرية. بولاق، مصر. ط1. 1223هـ.
10 ـــ راجع ابن الجزري: «النشر» مج1، ص: 24 ــــ 26.
11 ـــ الطبري: «جامع البيان». مج1، ص: 20 فما بعدها.
12 ـــ ابن الجزري: «منجد المقرئين». ص: 56.
13 ـــ محمد عبده: «تفسير المنار». مج4، ص: 279.
14 ـــ م ن، ص: 14.
15 ـــ القرطبي: «الجامع لأحكام القرآن». مج1، ص: 51.
16 ـــ الطبري: «جامع البيان». مج1، ص: 23 ـــ 25.
17 ـــ م ن، ص: 21.
18 ـــ ابن كثير: «فضائل القرآن». أُلحق هذا الكتاب بآخر الجزء السابع من التفسير. دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع. بيروت. ط2، 1389هـ/ 1970م.
نشر المقال بدورية الحياة، العدد: 09، 1426هـ/2005م، ص09.