إنَّ هذا المقال لا يعدم الجرأة على اقتحام التغيير بمفهومه الواسع، فيخاطب بالتالي كلَّ أفراد الأمَّة المسلمة، وكلَّ هيئاته وجمعياته، وأجناسه وأعماره....
ويمكن تسمية هذه المبادرة مع مراعاة الدقة والصدق: مقاربة إلى التغيير، أو مقاربة إلى تأسيس دستور للأمَّة؛ لأنه لا يدَّعي التغيير الكامل، ولا الدستور التام.
فغايتي فيه هي: أن أنال رضا الله تعالى.
وهدفي هو: المساهمة في النهوض بأساليب التفكير لهذه الأمَّة، بجميع دوائرها: من الأسرة إلى البشرية جمعاء، مرورًا بالأمة الميزابية والأمة الجزائرية، ثم الوطن العربي والأمة الإسلامية قاطبة.
لكني، سأقتصر أولا على الأمَّة القريبة، اعتبارا للمقام وللحال، واحتراما لنوعية القراء، ولذا ستكون بعض أمثلتي موجهة إلى هذه الدائرة.

المجتمع، والأمة :
يستعمل الناس صيغا عديدة للتعبير عن الواقع بتوظيف هذا المصطلح، ولا يكاد أحد يجهله أو ينكره، فنسمع دوما عبارات فيها: أعمل للمجتمع، رضيَ المجتمع، سخِط المجتمع، فسُد المجتمع... الخ
السؤال: متى نشأ هذا المصطلح؟ كيف نؤصِّله؟ هل في الإمكان تغييره؟
لو عدنا إلى القرآن الكريم لما وجدنا ذات المصطلح، وإنما المصطلح المعتبر المستعمل هو "الأمَّة" قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمُ أُمَّةً وَسَطاً} (البقرة:143)، وقال: {وَإِن مِّنُ امَّةٍ اِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ}. (فاطر: 24)
ولقد دأب الحديث النبوي الشريف على استعمال مصطلح "الأمَّة"، وفي الغالب يضيفه إلى محمَّد صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك قوله: «لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك»(1).
وفي حديث رواه مسلم، نقرأ: «...يا أمة محمد، إنْ من أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمتُه. يا أمة محمد، والله لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرا ولضحكتم قليلا، ألا هل بلغت؟»(2).
وحتى الثلاثينيات من هذا القرن كان المصطلح الغالب هو: الأمة. ومن ذلك نقرأ عنوان جريدة الشيخ أبي اليقظان: الأمَّة، ومما نطالع فيها على الخصوص: بيان الأمة الميزابية... وهو ما نعبِّر عنه باللسان الميزابي بلفظ: "الاُمَّةْ".
ولعلَّ العهد الاشتراكي هو الذي رسَّخ مصطلح المجتمع في القاموس الوطني والمحلِّي، وإن كنت لا أدَّعي أنه هو الذي أنتجه.
من ثم أرى أنَّ تغيير المصطلحات مدخل لتغيير الواقع: فمصطلح الأمة أدق وأكثر أصالة، ونسبته إلى محمد صلى الله عليه وسلم : أمَّة محمد، أو أمَّة القرآن... أفيد وأدعى للتأصيل. واعجَب لناس يرفضونه، وينهون الناس عن استعماله، لاعتبارات لا أساس لها من العلم، بل لاعتبارات سياسية ضيقة، لا تغني من الحق شيئا.
الصدق:
أمر الله تعالى عباده المتقين بالحرص على معيَّة الصادق، فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} (التوبة:119)، ثم بشَّر الطائعين بجوار الأنبياء والصادقين يوم القيامة، فقال: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً} (النساء:69)
ولئن كانت المعيةُ الأولى معيةَ تكليف، وهي بالتالي دنيوية، فإنَّ المعية الثانية معية جزاء، وهي بالضرورة معية أُخروية، ندعو الله تعالى أن يجعلنا من أهلها.
ولأمر ما سمَّى الله تعالى كتابه الكريم بهذا المصطلح "الصدق" فقال في سورة الزمر: {فَمَن اَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ}(الزمر: 32)، أماَّ نبيه محمد صلى الله عليه وسلم فوصفه بـ "الذي جاء بالصدق وصدَّق به، ففي "تفسير القرطبي" «وكذَّب بالصدق، يعني القرآن»، «واختُلف في الذي جاء بالصدق وصدَّق به، فقال علي رضي الله عنه: الذي جاء بالصدق النبي»(3).
والصدق له معانٍ كثيرة: منها القولية، ومنها العملية.
ولم أجد في القاموس مصطلحا أبلغ في التعبير عن مطابقة القول والفعل للحق، من مصطلح الصدق، فالصادق بلسانه هو الذي لا يكذب، ولا يقول كلمة تخالف واقع الأمر، أمَّا الصادق بفعله وعمله فهو الذي يتحرى الصواب والحق في كلِّ حركة وسكون، وينظر في ذلك إلى الخالق لا إلى الخلق، ولا يكتفي بالقلة والضعف، ولكنه يطلب الكثرة والقوة والكمال الإنساني.
ولذا سمي سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم بـ: «الصادق الأمين».
وفي حديث واضح المعنى، أمرنا نبينا بالصدق، وبتحري الصدق، وأخبرنا عن النتيجة الفورية لهذا الخلُق الكريم، فقال: «عليكم بالصدق فإنَّ الصدق يهدي إلى البر، وإنَّ البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرَّى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا، وإياكم والكذب فإنَّ الكذب يهدي إلى الفجور، وإنَّ الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرَّى الكذب حتى يكتب عند الله كذَّابا»(4).
فالصدق إذن يهدي إلى البر، وهو كذلك يهدي إلى الطمأنينة، قال صلى الله عليه وسلم: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك؛ فإنَّ الصدق طمأنينة، وإنَّ الكذب ريبة»(5).
والصدق في العمل الاجتماعي هو الصفة الخلقية التي تجمع خصال الخير كلَّها، وهو مطلب الأمة في هذا العصر، ولا ريب أننا نعني به الصدقَ في القول والصدقَ في العمل، ولا نقصره على جانب دون آخر.
ولكن، ليس من الممكن ضبط خصائصه، وتفصيل أجزائه، دون تصنيفه إلى عناوين فرعية، تصب في الغاية العامة لهذا المقال، منها على سبيل المثال:
العلمية في العمل الاجتماعي، الغاية، الأهداف، الأولويات، التخصص، التفرغ، العمل الجماعي، التقييس، التقييم، النقد، المحاسبة، الوضوح، التداول على السطلة...
أما ما ينقض الصدق في العمل الاجتماعي فكثير، ومنه على سبيل التمثيل لا الحصر:
العصبية، المصالح الذاتية، الانتقام، التعميم في الأحكام.
ثم يأتي النداء للصدق في النقد، تحت عنوان: من يستطيع أن يقول: لا؟
من هنا نبدأ، وعلى الله التوفيق:
العلميَّة:
ليسهل علينا فهم المغزى من العلمية، نتخذ علم الهندسة المعمارية أو الميكانيكية أنموذجا: فهل في الإمكان – مثلا - أن تنشئ دارا أو قصرا، أو نصنع سيارة أو طائرة، أو أقلَّ من ذلك أو أكثر بدون البحث العلمي، بكلِّ ما تعنيه الكلمة من معانٍ ندركها أو لا ندركها.
فالبحث العلمي ضمان صريح للنجاح، شريطة أن نؤمن ونعتقد بأنَّ العلم أفضلُ من الجهل، ولا نتَّخذ هذه العبارات شعارات، وكلمات رنَّانة مدغدغة، تطربنا جلوسا، وتقلقنا في ميادين العمل. وفي تقديري إنَّ قيمة العلم في العمل الاجتماعي باتت باهتة ذليلة، لا اعتبار لها في أغلب الأحيان... وما لم نصحِّح هذا المفهوم في ذواتنا أولا، ثم في أمَّتنا بجميع مستوياتها ثانيا، فإنَّ الكذب على الذات، وعلى الآخرين سيلازمنا، وسندَّعي بالضرورة أنَّه بالإمكان صنع طائرة، بل صاروخ معقَّد بدون علم.
نعم، سنصنعه: لكن بالكلمات، أو سنبنيه حقيقة، لكنه سيكون بمثابة الصاروخ الحديدي الأجوف الذي يزيِّن الجزائر العاصمة في إحدى طرقاتها السريعة.
والسؤال الدقيق هو: هل توجد مراكز للبحث العلمي في الأمَّة (للجمعيات، والنشاط الاجتماعي...)؟ وكم من مشاريع أسِّست بعد دراسة علمية معمَّقة، معتمدة الإحصاء، والتحليل، والتخطيط...؟
ثم، بعد ذلك نقنع أنفسنا بأنَّ الأمَّة المسلمة اليوم متحضِّرة، وبأنَّ مشاريعنا ستنجح لا محالة، وبأنَّنا بلغنا الغاية والمنتهى، أليس هذا خطأ فادحا لا يرتكبه الصادق، الصدوق، ولا العالم الورع العامل؟.
الغاية:
كلُّ هيئة أو جمعية تفتقد الغاية هي جمعية فاشلة أساسا، ولا معنى لوجودها ابتداء، فالغاية هي المحطَّة الأخيرة التي يراد الوصول إليها من خلال هذه الحركية، وهذا الجهد.
ومن المفروض أن تكون غاية الفرد المسلم، ومن ثم الجماعة المسلمة واضحة بيِّنة، لا خلل فيها ولا تردُّد، ذلك أنَّها من الثوابت والمبادئ، تضرب جذورها في العقيدة وعلم التوحيد والإيمان.
ففي القرآن الكريم، كلُّ غاية المخلوق هي: نوال رضا الله تعالى.
{قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (الأنعام:162) ، {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} (الذاريات: 56).
وليس أيسر أن نتحدَّث عن هذا المعنى، ونلقي فيه دروسا مسجدية، أو محاضرات في ملتقيات ثقافية، وأصعب منه أن نرسِّخ هذا المفهوم حقيقة في حياة الفرد اليومية، وفي نشاط الجمعيات والهيئات، حتى يصير مرجعا لكل عمل يقوم به أيُّ عضو مهما علا منصبه أو سفل، بغض النظر عن أيِّ اعتبار.
فالفكر الغربي اليوم، على قوته وتفوقه، يفتقد الغاية من جميع أعماله، ولذا فهو يتخبط خبط عشواء، لا يهديه دليل ولا مرشد، فيبحث عن سر قلقه وفشله، ولا يجد، لأنَّه تنكَّر لله تعالى، فأضاع الغاية بالتبع، وأمَّا المجتمع المسلم، فهو وإن كان مؤمنا بالله تعالى، إلاَّ أنه يعاني الانفصام في الذات، فالغاية هي رضى الله تعالى في العبادات والصلوات والشعائر، وإذا التحق بالأمور التي يسميها "دنيوية" مثل الوظيف، والتجارة، والسياسة، والسياحة... فإنه يتنكَّر لهذه الغاية، ويبني غايات أخرى من ورق أو تراب، ولذا فإنه لا يصل عادة إلى بر الأمان.
الأهداف:
يقول المفكر العالمي، والسياسي المحنك محمد مهاتير، رئيس دولة ماليزيا الفتية: «إنَّ النجاح يعتمد على وجود حكومة رشيدة، وإدارة حسنة التنظيم، تحدد أهدافا واضحة» ثم يضرب مثلا بحكومته التي حققت نجاحات كبرى في العقود الأخيرة من القرن الماضي، وقال: «لدى الحكومة الماليزية هدف واضح، نسميه "رؤيا عام 2020": أن نكون في عداد الدول المتقدِّمة عندما يحين ذلك التاريخ». وهذا ما أعطى بلده قدرة على الانطلاق، وثقة في النفس، فقال: «وسيكون بوسعنا ذلك، إذا ركِّز الناس على هذا الهدف». أمَّا الدول العربية فلم تبرح مكانها، ولا تغادر محطَّتها، ومن أبرز الأسباب: فقدان الأهداف. يقول مهاتير: «إنَّ الدولة التي لا تعرف بالتحديد إلى أين تسير لن تنجز كثيرا في الغالب»(6).
فلو طبقنا هذا المفهوم على مجتمعاتنا المحلية، وعلى مدارسنا، وعلى جمعياتنا، وعلى هيئاتنا، فإننا نطرح سؤالا صريحا واضحا هو: ما هي أهدافها، القريبة والمتوسطة والبعيدة؟
بل، هل لها أهداف واضحة أساسا؟ وهل لبعض روادها ومنشئيها أدنى فكرة عن مفهوم الأهداف، وعن طرق صياغتها، ومناهج تقييمها...؟
من المؤكد أنَّ منظومتنا التربوية لا تدرج مادة "تحديد الأهداف" ضمن برنامجها، لا في المدارس الرسمية، ولا في المدارس الحرة، والنتيجة المنطقية أن يتخرج طلبة وإطارات لا يفهمون في موضوع الأهداف شيئا، ولا يملكون الملكة ولا القدرة على تطبيقها في المؤسسات التي يديرونها ويترأسونها. فتنشأ بالتبع مؤسساتها معتبرة قيمة، لكن لا هدف لها، ويتأثر تبعا كل أفراد الأمة، والأمة جمعاء.
يقول المفكر عبد الكريم بكار في كتابه القيم "عصرنا والعيش في زمانه الصعب": «قضية وجود أهداف واضحة في حياة المسلم المعاصر، من القضايا الكبرى التي لا تحتمل التأخير»(7).
فمن تمام الصدق أن نعمل جاهدين على إحلال مفهوم العمل بالأهداف، طلبا للإنجاز، وابتعادا عن الادعاء والافتراء، واختصارا للجهود والطاقات، وضمانا للنتائج الإيجابية، والتفوق المبين. فإنَّ أمَّتنا في أمسِّ الحاجة إلى كلِّ ذلك، إذا أرادت أن تصل إلى مقام الانتصار والنصرة، وإلى درجة التمكين في الأرض.
الأولويات:
أبدع الفكر الإسلامي علما دقيقًا هو: فقه الأولويات. وهو مسمًّى جديد لفقه مراتب الأعمال. كما أنَّ الفكر الغربي قد أبدع علما هو: علم إدارة الأولويات، وهو من العلوم المعاصرة، التي حظيت بالقبول والنجاح الباهر في المؤسسات الغربية، وساهمت في النجاح المادي لها.
ولا يختلف اثنان أنَّ فقه الأولويات، للأسف، لم يغادر عمل "الفقهاء والأصوليين"، فبقي حبيسا عن عامة المسلمين، وعن مناهج التربية، وعن العمل السياسي والاجتماعي، وبخاصة في عصرنا هذا. «ومن نظر إلى حياتنا في جوانبها المختلفة – مادية كانت أو معنوية، فكرية أو اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية أو غيرها – وجد ميزان الأولويات فيها مختلا كل الاختلال.
نجد في كل أقطارنا العربية والإسلامية مفارقات عجيبة.
ما يتعلَّق بالفن والترفيه مقدَّم أبدا على ما يتعلَّق بالعلم والتعليم... الخ»(8).
وبشيء من الصدق نلاحظ أنَّ عملنا الاجتماعي يكاد يخلو من الأولويات، فلا توجد لدى القائمين عليه قواعد لبناء الأولويات، ولا ضوابط لقياسها، فتجد الكثير منهم يتيه في أمور لا قيمة لها، ويغفل عن أمور جوهرية، فيتخبَّط الأتباع وراءه بلا علم ولا إدراك.
فمن ذلك مثلا، أن تؤسس جمعية ما، ثم تشتغل بالأمور التنظيمية لمدَّة طويلة، فتصوغ اللجان، وتحدد المهام، وتقسم المناصب... ثم إذا تم لها كلُّ ذلك، كفَّت عن العمل، وقد تدخل في صراعات لا نهاية لها، لتحديد ما ينبغي أن ينجز وما ينبغي أن يترك. ولا يملك المختلفون في غالب الأحيان ولو أدنى معرفة بالأولويات سواء من الناحية الفقهية أو من الناحية الإدارية.
ومن بين المطالب العمليَّة نذكر:
*إخراج فقه الأولويات إلى دائرة الأمة، وتعليمه لجميع الناس.
*إدراج مواد مثل: "فقه المقاصد"، "وفقه الأولويات"... في المنظومة التربوية، بمناهج معاصرة.
*الاستفادة من "إدارة الأولويات"، في إدارة المشاريع، بناء على أسس "فقه الأولويات".
*تنظيم دورات تدريبية للمشتغلين بالأمور الاجتماعية في هذه العلوم.
التخصُّص:
كم يكون مضحكا ومدعاة للعجب أن نرى طبيبا لا علم له بالحدادة ومداخلها، يلبس ثياب الحداد ويفل الحديد!
وكم يكون مقلقا ومبعثا للاستنكار أن نرى جزَّارا يقوم بعملية جراحية معقَّدة!
فالتخصص من بديهيات الحياة التي لا تفوت على عاميٍّ بله عالم أو حكيم، ولكنَّ الغريب أنَّ الناس إذا دخلت المجال الاجتماعي تغيرت عندها الموازين، وقبلت كلَّ تلفيق من كلِّ إنسان، حتى إنها لتضع قاعدة لها: لِيعمل من شاء، ما يشاء، متى يشاء، وكيفما يشاء؛ لأنَّ العمل الاجتماعي في نظرنا القريب هو نوع من الهواية، ولا يملك المقاييس الدقيقة، ولا تظهر آثاره الآنية...
فلو صدق العزم، لعلم الناس أنَّ الضرر من الخطأ الناجم عن عدم التخصص في العمل الاجتماعي أعمق وأخطر من الضرر الناجم في كل مجال مادي آخر، وأنَّ التخصص في بعض المجالات قد يكون من قبيل الواجب، لا جائزا ولا مندوبا. فمن ترك الواجب وقع في الحرام لا ريب، ومن وقع في الحرام استحقَّ المعصية، ولا شكَّ.
وأبسط مثال على ذلك: أن يحاول أحد، وليكن رئيس هيئة عرفية أو مسؤولا في جمعية خيرية، أن يصلح بين اثنين تخاصما في قضية من قضايا "فقه المعاملات"، ويصدر أحكاما لهذا أو ذاك، وهو لا يملك أدنى معرفة أو علم بهذا الفقه، وقد يخطِّئ المصيب ويصوِّب المخطئ، كما قد يحلُّ حراما أو يحرِّم حلالا. والمبرِّر هو: أنني أعمل متطوعا، ونيتي خالصة، فأنا معذور!
ولا أحد من العقلاء يقول بعذر الجاهل، فالقرآن الكريم مشحون بآيات يفهم منها وجوب احترام التخصص، فعلى سبيل المثال نقرأ قوله تعالى: {... فاسْألُوا أهلَ الذِّكرِ إِنْ كُنتُم لاَ تَعْلَمُونَ} (النحل: 43)، {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالبَصَرَ وَالفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنهُ مَسْؤُولاً}.. (الإسراء: 36)
أمَّا الحديث النبوي الشريف فقد ضرب لنا أروع مثال في التخصص، حتى في أبسط جزئيات الحياة، مثل تأبير النخل، فجاء في مسند أحمد عن عائشة: «أنًّ النبي صلى الله عليه وسلم سمع أصواتا فقال: ما هذه الأصوات؟ قالوا: النخل يؤبرونه يا رسول الله. فقال: لو لم يفعلوا لصلح. فلم يؤبروا عامئذ، فصار شيصا(9)، فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: إذا كان شيئا من أمر دنياكم فشأنكم به، وإذا كان شيئا من أمر دينكم فإليَّ»(10) .
فالقاعدة إذن هي: كلٌّ قمَّة في تخصُّصه، وقاعدة في تخصُّص غيره. حتى في حق الرسول صلى الله عليه وسلَّم، فقد اعترف - وهو الصادق الأمين - أنَّه غير متخصص في "أمور دنياهم"، وأوكل شأنها إليهم، أمَّا أمر الدين، فهو المتخصص فيه، وهو المرجع الوحيد، «وإذا كان شيئا من أمر دينكم فإلي»، ويذكر السرخسي «أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما يوما وقد شاورهما في شيء: قولا، فإني فيما لم يوحَ إليَّ مثلُكما»(11). وقد فهم الصحابة رضي الله عنهم هذا المعنى فكانوا يسألون الرسول في بعض الأمور: أهو الرأي والمشورة، أم هي الحرب والخديعة. فإذا كان وحيا لم يناقشوا، وإن كان غير ذلك أبدوا رأيهم.
الــتـفـرُّغ:
إنَّ العمل يستغرق الوقت الضروري الذي لا يمكن إنجازه دونه، فمن أبسط جزئيات الحياة إلى أعقدها يقف الوقت في حجر الزاوية، ويتطلب من الزمن أدناه، فمن ذلك مثلا: نضجُ الثمرة وصلاحيتها للأكل. ولو أنَّنا حاولنا استعجال العملية، فلن نحصل على النتيجة المرجوة، وستكون الثمرة مضرة غير نافعة. ومن ذلك ميلاد الجنين في مدة تسعة أشهر، وكل محاولة للاستعجال – غير الطبيعي – هو إضرار بالأم وبالابن، وإفساد للطبيعة، وتغيير لخلق الله تعالى.
وبالمقابل فإنَّ كلَّ عمل اجتماعي يحتاج إلى وقت ضروري، وإلى حدٍّ أدنى في عدد من الساعات الفردية والجماعية، ولكن بعض الجمعيات والهيئات التي تضطلع بأعمال كبرى، تحتاج إلى تفرغ وإلى وقت كبير، فتحاول أن تتعامل معها بمجرد اللقاءات المتتابعة أو المتباعدة، والأعمال الآنية والظرفية، ثم تنتظر بعد ذلك نتيجة مقبولة ومحترمة، وما ذلك إلاَّ نوع من الجهل والخبال.
فجمعية تهتم – مثلا – بالطفولة في مدينة معيَّنة، وتسطِّر برنامجا طموحا، دونه برامج الحكومات والدول، لا يمكن بأيِّ حال من الأحوال إنجازه بأقلِّ عدد من الأخصائيين المتفرغين لذلك البرنامج، بعمل يومي متواصل، لعدد من الأشهر أو السنوات أو العقود ضروري...
ثم إذا مرَّت مدَّة من الزمان، ولاحظ الجميع أنِّ العمل بدأ يتناقص، والنتائج لا تؤذن بالخير، حاولوا تغطية الأمر بالمبادرات الآنية الضيقة، مثل إقامة مهرجانات وملتقيات، ثم الخروج بتوصيات لا حدَّ لها... وهكذا يدخل العمل الاجتماعي في دوَّامة لا تنتهي، ولا يحقق أقلَّ القليل من أهدافه، فيكون الفشل رائده، والقلق سمته.
ولقد نتأت ظاهرة خطيرة في بعض المجتمعات، وهي: الادعائية، وتضليل الناس بنتائج وهمية كاذبة، وتبني أعمال العاملين لملء قائمة المنجزات السنوية، ويصل الحال في بعض المجالات إلى إنشاء ما أسميه بـ: "جمعية الجمعيات". وهي محاولة مضللة لاحتواء جميع من يعمل في مجال معين، تحت عنوان كبير هو: جمعية الجمعيات، وما المسألة في حقيقتها سوى تبنٍّ سافر لجهود العاملين، وبحث واضح عن الشهرة والمكانة، بدون عمل، ولا ساعات كافية من التفاني والجهد.
العمل الجماعي:
شتان بين "عمل الجماعة" و"العمل الجماعي"، فالأول مثل تكالب عدد من الأسود مجتمِعةً على جيفة الفريسة، كل ينهش لجواره، ويسوق اللحم إلى جنبه؛ والثاني مثل تناسق النمل في حمل مؤونتها، ولو كانت أكبر منها بعشرات المرات، فهي تعمل بإيقاع عجيب، وتسعى لوجهة واحدة، تحت قيادة موحدة، بأوامر واضحة دقيقة.
وهذا ما يفسر سرعة فناء الفريسة، وطول مدة المؤونة...
فالعمل الجماعي يمثل فكرة "توجيه الطاقة" في أعلى صورها، فهو «قوَّة في الأساس، وتوافق في السير، ووحدة في الهدف... والتوجيه هو تجنب الإسراف في الجهد وفي الوقت»(12).
ولقد بات العمل الجماعي اليوم فنًّا وعلما قائما بذاته، ساهم في تطوير المدنية الغربية، وظهرت فيه مدارس ومناهج بديعة، لعلَّ أبرزها: المدرسة اليابانية، والمدرسة الأمريكية.
وهو قبل ذلك مبدأ أصيل في الفكر الإسلامي، ومطلب شرعي يصل إلى حدِّ الوجوب أحياناً، واللزوم في بعض المواقف، قال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الاِثْمِ وَالعُدْوَانِ} (المائدة:02)، وقال: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا} (آل عمران: 159).
كما بيَّن للرسول صلى الله عليه وسلم أنَّ أساس العمل الجماعي هو المشورة واحترام رأي جميع أفراد الجماعة، قال تعالى: {وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُم وَشَاوِرْهُمْ فِي الاَمْرِ...}. (آل عمران: 159)
ولقد طوَّر المفكرون طرق العمل الجماعي ومناهجه، وألَّفوا فيه كتبا عديدة، وصاغوا قوانين وقواعد للعمل بديعة، فأثمر كل ذلك آثارا حميدة، ولا أدلَّ على ذلك من الاختراعات التي توصلت إليها مراكز البحث العالمية، ومن الموسوعات الكبرى التي شارك في تأليفها المئات من العلماء من مختلف التخصصات(13).
وقد سبق أن سألت صديقا لي يدرس في جامعة فرنسية بمدينة "بواتيه" عن انطباعه لأول عام، فقال: أمَّا نحن الجزائريون فأقوى في الجامعة من الفرنسيين الذين ندرس معهم فرادى، أمَّا إذا اجتمعنا فنحن أضعف منهم، فهم ينمُون ويقوَون ببعضهم بعضًا، أمَّا نحن فنتناقص ونضعُف ببعضنا بعضًا.
التقــيــيس:
كيف نقيس كفاءة الفرد في عمل معين؟ ومن يقيس؟ وما هي المعايير؟...
هذه أسئلة تستتبع أخرى، تصبُّ في مفهوم التقييس، وهذا محاولة أولى لتأصيله وتقنينه.
مقياس الترشيح والتكليف:
تقوى الله تعالى: فليس من المعقول أن يرشَّح أحد لأيِّ منصب كان، سواء أكان منصبا سياسيا أم اجتماعيا وهو مستهتر في دينه، ظالم لنفسه، عاص لربِّه، ذلك أنَّ معصيته لا تقف فيه، بل ستعصف بكلَّ المجتمع الذي يترأَّسه. وقد سبق أن رشِّح أحد لمنصب سياسيٍّ، وهو مع ذلك مقترف لجرم عظيم لم يتب منه، وسارع بعض الناس لتبرير ذلك، بقولهم: إنه سياسي محنَّك، ويعرف كيف يدافع عن الحقوق! فلم يراعوا في قولهم هذا: دينا، ولا عقيدة، لا شريعة... ولم ينتبهوا إلى أنهم خرقوا مدلول الولاية والبراءة، وهما من أصول الدين. قال صلى الله عليه وسلم : «الحب في الله والبغض في الله أوثق عرى الإيمان»
مقياس القوَّة {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ} (القصص:26). إنَّ تولية الضعفاء أمور الأمًّة نوع من الخطل والخطأ، ووأد للنجاح والانتصار، ذلك أنَّ الضعيف بمفرده يتحمل تبعات ضعفه، أما الضعيف الذي يتحمل المسؤولية فإنَّ ضعفه يتعدَّى ذاته، ويؤثِّر في غيره.
وليس الضعف ـــ كما قد يتبادر إلى الذهن أول وهلة ـــ ضعف الجسد فقط، بل إنَّ ضعف الإيمان، وضعف الخلق، وضعف الشخصية، وضعف العقل، وضعف العلاقات والاتصال، وضعف النظر إلى المستقبل... كل أولئك يورث المصائب والانتكاسات.
فكم من حاكم ومسؤول هوى أمام غانية أو كأس خمر، وكم من امرأة فاسدة حكمت واستبدَّت لأنَّ عاشقها يعبدها دون الله تعالى(14).
ولذا فالمطلوب اليوم ترشيح أقوياء متَّقين، أصحاب مواقف، أولئك هم الرجال حقا.
مقياس الأمانة: الأمانة بمفهومها الشمولي، تعني الأمانة بأوسع معانيها: الأمانة في المال، والأمانة في الوقت، والأمانة في المواقف... فلا يخون أمَّته لأجل مصلحة، أو لدنيا يصيبها، أو مال يغريه، أو منصب يصبو إليه.
وفي أبسط المستويات، نلاحظ أنَّ الأمانة في الوقت، وفي احترام المواعيد قلَّت في المسؤولين، حتى لإنَّك تتعجَّب إذا بدأ اجتماع في وقته، وقد تشرق الشمس من مغربها، ولا يقع ذلك في بعض الهيئات. وما ذلك إلاَّ لضعف الأمانة، ولكم برَّر المخالفون للوعود فعلتهم هذه بأنَّهم يعملون بدون مقابل، وبالتالي لا يجوز أن ينقدوا، وهذا والله عين الخيانة. فمن ضحَّى أو جاهد فليجاهد لله مخلصا، وإلاَّ فليترك المجال فارغا، فذلك أريح له ولأمَّته.
مقياس الخبرة: حان الوقت الذي لا يرشح فيه أحد لكبرى المناصب إلاَّ بعد تمحيص، وهذا لا يتم إلاَّ بعمل جاد متواصل لهيئات متفرِّغة متخصِّصة، لها القدرة في النفاذ إلى الحقيقة؛ والخبرة هي وقود الحضارة وسببها، ذلك أنَّ الذي يفرِّق بين الدول والجماعات، ليس هو المال ولا الأرض ولا عدد الأفراد، ولكنه نسبة الخبراء وكفاءاتهم وفعاليتهم.
التقـــييم:
كيف نقيم النجاح، وكيف نقيم الفشل في العمل الاجتماعي؟
من يقيِّم، وما هي المواصفات، والآليات؟
متى تكون عملية التقييم؟
لا شكَّ أنَّ العمل الاجتماعي، كغيره من الأعمال، فيه الناجح وفيه الفاشل، ومقدار النجاح والفشل في كلِّ ذلك نسبيٌّ، وليس ثمَّة نجاح مطلق ولا فشل مطلق، ولذا فالتقييم ضرورة وضمان لتحقيق الأهداف وبلوغها.
والقاعدة هي: أنَّ كلَّ عمل تمَّ تقييمه بعلمية وموضوعية، هو عمل ناجح بالضرورة، مهما كانت النتيجة. وكلُّ عمل لم يتمَّ تقييمه، هو عمل فاشل ابتداءا.
ذلك أنَّ الغرض من التقييم هو اكتشاف الإيجابيات، بغرض تثمينها والتركيز عليها؛ ومعرفة السلبيات، لتفاديها ومحاولة التخلُّص منها.
ومن أخطر المظاهر الاجتماعية تخوُّف البعض من التقييم، واعتبارهم ذلك – بل، مجرّد الحديث عنه، أو طلب إجرائه - نوعا من عدم الثقة فيهم، وضربا من التشكيك في مجهوداتهم؛ وهذا هو عين الخطأ.
ولكنَّ كلَّ تقييم في حاجة إلى: علم، وموضوعية، وصراحة، وجرأة، وإلى أن يتمَّ في جوٍّ من حبِّ الخير للأمَّة أو الجماعة، لا تحت إطار التصيد، وإرادة التحطيم، أو الانتقام.
ومن أبرز وسائل التقييم استعمال لغة الأرقام، وتوظيف الإحصائيات، ورسم البيانات...
أمَّا أساس التقييم فيتم على ضوء الأهداف المسطَّرة، لا على أساس الخيال والمثاليات، أو في ظل طلب المستحيل.
فيكون السؤال دائما: كم هي نسبة تحقُّق الأهداف المسطَّرة، لمدَّة معيَّنة؟
الوضوح:
الأصل في الحياة الفردية الخصوصية والتكتُّم، والأصل في العمل الاجتماعي الظهور والوضوح. ولذا، فحياة الذي يتولَّى مهمَّة ما مرشَّحة للنقد من كلِّ جانب، فليتحلَّ بالصبر والحلم والأناة، وليقبل كلَّ ملاحظة سواء أكانت سلبية أم إيجابية، من أيِّ طرف كان.
وعليه أن يكون واضحا في أموره كلِّها، وأن لا يخفي شيئا من شأنه الإظهار، حتى لا يفتح أبواب الشكَّ والظنِّ، وليغلق أبواب التقول والإشاعة؛ أمَّا ما من شأنه الإخفاء، مثل أسرار الناس، فلا عليه إذا أخفاها، ولا خوف عليه من كلام الآخرين.
وبالجملة «فإنَّ نوعا من التحديد للمعلومات التي يتيحها المرء لغيره، قد يكون مطلوبا»(15).
النــقــد:
إنَّ مفهوم محرِّك الطائرة هو المفهوم الدقيق الذي وجدتُ فيه دلالة علمية على مغزى النقد وضرورته:
فمحرِّك الطائرة في حاجة إلى ثلاثة مكوِّنات لكي يتحقَّق الإقلاع: الطاقة، الهواء، الشعلة.
والأمم لن تحلِّق في سماء الحضارة، ولن تغادر ضحضاح التخلُّف والهوان إلاَّ إذا وفَّرت: الطاقة، والهواء، والشعلة.
فالطاقة تتمثل في كلِّ شيء له دلالة موضوعية، مثل: الإيمان، والمال، والمكان، والزمان...
والهواء، يتمثل في كل ما له دلالة منهجية، مثل: المنهج، والإدارة، والتخطيط...
أمَّا الشعلة فهي كلُّ ما يحمل مفهوم الاحتكاك: النقد، المحاسبة، الردع...
ومعلوم أنَّ عملية توفر العناصر الثلاثة تولِّد الطاقة، وكلُّ شعلة من النار تخرج خارج المحرِّك قد تتسبَّب في إحراق الطائرة، كما أنَّ النار إذا جاءت من خارج الطائرة، حوَّلتها إلى فحم(16).
فأمَّة بلا نقد مثل محرِّك بلا شعلة، مهما وفَّرت من طاقة وهواء، فإنَّها لن تشعل محرِّكات الحضارة، ولن تغادر أرضها، ولن تلحق بركب الحضارة.
والعديد من الهيئات الاجتماعية تجهض كلَّ محاولة للنقد، وتعتبر كلَّ ملاحظة أو توجيه أو تصحيح إنما هو انتقاد وتحطيم، بل وتعطيه مفهوم الكراهية والبغض والحسد، ومن ثمَّ تكمّم العديد من الأفواه، بشتى الوسائل والتقنيات المبتكرة، من أبرزها: تجريح الناقد، والتشكيك في نواياه، وإشعاره أنَّ نقده مكتوب في دفتر لن يفتح أبدا، وعدم فتح الرسائل بتاتا، وإنشاء حاجز بين الناقد والمنقود.
والصدق في العمل الاجتماعي يستوجب النقد المتواصل، فلو صدقت النية وصدق العزم لما رضي مسؤول – مهما بلغ شأنه – أن تمرَّ مرحلة بلا نقد، وإلاَّ اعتبر ذلك خيانة له، ورفض المسؤولية، شأن الخليفة الأول أبي بكر رضي الله عنه يوم قال: إذا رأيتم فيَّ اعوجاجا فقوِّموني. وشأن الخليفة الثاني عمر، ومن بعده من العباقرة الأفذاذ. بل إنَّ القرآن الكريم في آيات عديدة عمد إلى نقد الرسول صلى الله عليه وسلَّم، وهو الحامل للوحي والناقل له إلى الناس، إيذانا بوجوب استثارة النقد، والدفاع عنه، وضمان حريته: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ} (لأنفال:67) {عَبَسَ وَتَوَلَّى} (عبس:1)...
المحاسبة:
كلُّ عمل يقوم به ابن آدم لا بدَّ سيحاسب عنه، إن عاجلا أو آجلا، في الدنيا أو في الآخرة. والمحاسبة الإيجابية في الدنيا، راحة من المحاسبة الشديدة في الآخرة، فرسول الرحمة يقول: «من نوقش الحساب هلك»(17).
فكلُّ من عمل بصدق، والتزم الصراحة والوضوح، واستعان بالتقييس والتقييم، محددا غاية واضحة، وأهدافا دقيقة، وأولويات معتبرة، لا يخشى المحاسبة، بل يطلبها، ويعتبرها محكًّا إيجابيا له ولعمله، ولذا فإنَّا نجد في الدول المتقدِّمة ـــ اليوم ـــ هيئات للمحاسبة، لا تغادر صغيرة ولا كبيرة، ولا ينجو منها رئيس ولا مرؤوس، وفي مقدِّمتها وسائل الإعلام والاتصال، ولعلَّ هذا سرٌّ من أسرار تفوُّقهم في الأخلاق المدنية، وتحقيقهم لنسبة معتبرة من العدل الداخلي. أمَّا في المستوى الدولي، فإنَّ الأمور تختلف تماما، وثمة تصنيف لدول تحت القانون، رهن المحاسبة، وأخرى فوق القانون، تنصِّب نفسها بوليسا للعالم.
والخوف من وجود مثل هذه الصورة الخطيرة داخل الأمة، وتقسيم الناس إلى قويٍّ وضعيف، وإلى من يجب محاسبته ومن لا يمكن بتاتا محاسبته. ولا شكَّ أنَّ هذه الظاهرة هي سرطان العمل الاجتماعي.
فجماع هذا المعنى في حديث المرأة التي سرقت، فأراد الصحابة أن يشفعوا فيها، مما أثار غضبه عليه السلام. روى البخاري عن عائشة «أنَّ أسامة كلَّم النبي صلى الله عليه وسلم في امرأة فقال: إنما هلك من كان قبلكم أنهم كانوا يقيمون الحدَّ على الوضيع، ويتركون الشريف. والذي نفسي بيده لو أنَّ فاطمة فعلت ذلك لقطعتُ يدها»(18).
الحزم، والردع والزجر:
لا يمكن قيادة ولا عمل أيِّ مشروع إلاَّ بمفهوم السِّلم، فالتشنج، والقلق، والاضطراب، والصراعات الساخنة... كلُّها مقدِّمات للفشل، وسبب فيه...ولكنَّ الحزم كذلك مطلوب في مكانه، ذلك أنه يمكن لأيِّ مشكل أن يأخذ حيزا من الزمان، وأن يُتعامل معه برفق وتؤدة، ولكن إذا طال، وتحقق ضرره وجب الحزم في آنه، وإلاِّ تحوَّل المشكل إلى جزء من حياة المشروع، لا يقدِر أحد أن يفكَّه، ولا أن يوجد البديل.
ولهذا أوجب الله تعالى إقامة الحدود، وقال: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ...} (البقرة: 179)، ولقد كان رسول الله عطوفا شفوقا رحيما، ولكنه في مقام الحزم، كان شديدا، لا تأخذه في الله لومة لائم، وما موقفه من بني قُرَيظة إلاَّ أنموذجًا حيًّا على هذا.
ولعلَّ من أشدِّ البلايا على الأمم أن تفقد وسائل الردع، فتصبح هيئاتُها مجرَّد هيئات مقترِحة لا تملك القدرة على التنفيذ، ولقد عانى نظام العزابة من هذه الحال، بعدما أغلقت فرنسا "المحاكم الإباضية"، التي كانت وسائل أكيدة للردع، فصار العزابيُّ مجرَّد مقترِح لا غير، وضاعت الولاية والبراءة بمعناهما العَقَدي من كثير من المدن.
فالمطلوب إذن من الهيئات الاجتماعية أن تسعى لامتلاك وسائل للردع والزجر، إذا اقتضت الضرورة، وذلك في حدود القانون والنظام، فإنَّ ذلك أدعى لعودة هيبتها ودورها الريادي في الأمة الميزابية، ولا شكَّ أنَّها بذلك ستقدِّم خدمة جلى للأمة الجزائرية والإسلامية جميعا.
التداول على المنصب (نقد المنهج التقادمي)
تقوم بعض النظم التقليدية منذ القديم على مفهوم التقادم، فالأقدم والأكبر سنًّا هو الذي يستأهل المنصب قبل سواه، ولقد حاول بعض العلماء عبر التاريخ أن ينقدوا هذا المفهوم، غير أنهم لم يفلحوا(19)، بل السلطة التاريخية كانت أشدَّ وطئا وأكثر تغلغلا، ومن ثمَّ انتقل هذا المنهج في تولِّي المناصب إلى الجمعيات والهيئات الأخرى، فصار سمة تكاد تكون شاملة للعمل الاجتماعي في ميزاب، مع استثناء بعض المبادرات القليلة، التي لا تمثل المنحى العام.
وليس من الحكمة أن ننكر قيمة الخبرة والعمر، ولكنَّ الواجب هو تقديرها بمقدارها، وعدم الإعلاء بها إلى المقام الذي يضر بالأمة، ولنا في إقالة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب للقائد الفذ خالد بن الوليد أحسن أنموذج في التاريخ، ومن قبله تولية الرسول صلى الله عليه وسلم لأسامة بن زيد على جيش فيه قدماء وخبراء لهم مكانتهم في الإسلام.
ومن عيوب هذا المنهج في إدارة الجماعات والأمم:
أنَّ الذي يتولَّى منصبا معيَّنا يخلد فيه إلى يوم وفاته، ولا يحرِّكه أحد مهما ارتكب من أخطاء، وحتى إن فقد القدرة على الاجتهاد ألحق بالهيئة من يكون ظلاًّ له، يدافع عن خياراته، ويعطِّل الجديد بحجة غيابه، ويرفع شعارا مفاده أن لا غَناء عنه، والعمل في غيابه انقلاب محتوم... وقد يصل الحال في بعض المؤسسات إلى تعطيل العمل كلية: لمرض، أو غياب، أو سفر، أو انشغال في مهام أخرى.
ولعلَّ أكثر عيوبه ضررا هو أنَّ الإنسان في عمر العطاء يُمنع من العطاء، حتى إذا هرم وشاخ وركبته شتى الأمراض تقلَّد المهمَّة، وطولب بالكثير، وإذ لا يستطيع الاستجابة للمتطلبات فإنَّه يُنتقد انتقادا شديدا، وما درى الجميع أنَّ الخطأ في المنهج لا في النوايا.
ومن عيوبه الأكيدة تعطيل الطاقات عن الإبداع والتجديد، بل واغتيال الآلاف من العقول المجدِّدة، والسواعد المنتجة، بحجة أنَّ الزمان لمَّا يُعلِ من شأنها، فلتتبع الطابور ولو كان بطيئا وقاتلا. وفي الغالب إمَّا أن يعود المهمَّش إلى كهفه (المنزل، العمل، المسجد)، أو إلى هواجسه (كثرة الاشتكاء، كلُّ الناس هالك، لا خير في هذه الأمة، اليأس القاتل...).
العصبية:
- المكان: منذ متى صار بالإمكان أن يخاطب واعظ من مدينة معينة مستمعين من مدينة أخرى... إنَّ نظام العزَّابة (مع الكثير من إيجابياته) عرقل هذا المسار في بعض القرى، فتأسَّس فيها خطاب عصبي قروي ضيق، قد يتخذ النكتة وسيلة ورافعة (Locomotive) له، حتى صار طابعا على تفكير بعض الأفراد، بغض النظر عن مستواهم الثقافي، وتجاوز ذلك ليصير حقائق راسخة في أذهانهم، من يكذِّبها أو ينكرها يعدُّ شاذًّا وغير مدرك لعمق الأشياء ومضامينها. ثم انتقلت العدوى إلى بعض الهيئات العامَّة للأمَّة، فصبغ هذا الطابع القروي جميع وظائفها، بما يسمَّى التمثيل الشامل، دون إبداع لمنهج لا يتنكَّر للتمثيل ولكنه يشترط المقاييس، ويمكنه أن يتحدَّث عن الكرسي الشاغر، أو تعدُّد الممثلين الأكفاء ولو من بلدة واحدة، بحثا عن المصلحة العامَّة، وعلم قياس المصالح والمفاسد، من بين العلوم التي تعيننا في الوصول إلى هذا المبتغى.
- الاتجاه: الحركي، أو الديني، أو السياسي: طابع آخر للعصبية، فاعتبار الحقِّ لا لكونه حقًّا وكفى، ولكن لأنَّه صدر من هذا الاتجاه فهو إذن حقٌّ، ولأنه نبع من الاتجاه المضاد فهو إذن باطل. ويستوي في ذلك الاتجاهات القديمة، أو الاتجاهات الحديثة(20)، وقلَّ من يعقل، ويضبط النفس حين الحكم، ويقيس الأمور بنسبتها إلى الله تعالى، لا بنسبتها إلى جهاتها الإنسانية الضعيفة، وهو ما قصدناه في حديثنا عن الغاية: وهي إرضاء الله تعالى لا غير.
المصالح الذاتية:
مصلحتان لا تجتمعان: المصلحة الفردية الذاتية الآنية الضيقة، والمصلحة الجماعية الدائمة الواسعة.
أمران لا يلتقيان في عمل اجتماعي هما: المصلحة والحق.
فالمصالح هي....
مكاسب إنسانية النزعة، طبقية اللون، جهوية النفَس، ضيِّقة الأفق، هشَّة البنيان.
المصالح أولها صراع وآخرها فساد... هي نتيجة للصراع بين الطبقات، «فليس التاريخ صراعا بين حقوق متعارضة، ولكنه صراع بين مصالح متعارضة، وهذا هو معنى "الصراع الطبقي"... فالطبقة التي تخرج منتصرة في هذا الصراع تعلن مصالحها - أو إرادتها - قانوناً، ولذلك يقول الماركسيون "القانون هو إرادة الطبقة الحاكمة تحوَّلت إلى إجراءات قانونية"»(21).
ليس فيها صواب وخطأ، ولا تقبل معنى العدالة ولا الظلم، فهي مصلحة وكفى؟ فقد تغلَّف بقيمة من القيم لتوهم الناس بأصالتها، ولكنها في الجوهر فساد في فساد...
كلُّ مصلحة لطرف هي بالضرورة مفسدة للطرف الآخر، سواء أكانت ظاهرة أم خفية، آنية أم مستقبلية...
ويمكننا تمثيل المصالح بشكل هندسي يقرِّب المعنى، ويضبط المفهوم: خطان متقاطعان، وزوايا متناظرة:

 

فكلَّما اتسعت زاوية وانفرجت إلاَّ وأحدثت زاوية حادَّة، وضيَّقَت عليها الخناق، فلو أنَّ منطقة معيَّنة في البلد روعيت مصالحها، وأعطيت صلاحيات ومِيزات دون غيرها، لكان ذلك حتما على حساب مناطق أخرى، مهما كان المبرر معقولا من وجهة نظر السياسيين، فإنَّ الأخلاق والقيم ترفضها وتشجبها....
وهذا يصدق على الحركات، وعلى الأحزاب، وعلى الشركات... وعلى كلِّ مواطن في هذا البلد من أقصى شماله إلى أقصى جنوبه، ومن أنأى مشرقه إلى أدنى مغربه...
أما الحقوق...
فهي أعظم مظهر من مظاهر كرامة الإنسان، «ولأنها كذلك، فإنها تتجاوز الزمن والظروف والتاريخ، وتسمو إلى فعل الخلق» فهي بالتالي فطرية خُلقت مع الإنسان، وبها تميَّز عن سائر خلق الله أجمعين.
الحقوق لا تقبل التلاعب بها، فإمَّا أن تكون أو لا تكون، وهي غير مرتبطة بإرادة رئيس، ولا برلمان، ولا وزير، ولا بأيِّ هيئة مهما كان قدرها، ولا بأيِّ إنسان مهما بلغ شأوه، وعلا شأنه... فهي أكبر من ذلك، وأعظم من أولئك.
الحقوق لا تعرف التعارض، فنهاية حقك هو بداية لحق غيرك، بغضِّ النظر عن الانتماء، والجنس، والمستوى الثقافي، والمكانة المادية، والقيمة التاريخية...
وأقرِّب المعنى برسم هندسي متمثل في الخطوط المتوازية، التي لا تقاطُع بينها، وإنما تستمد امتدادها من المنطلق والمصبِّ، فالمنطلق لكلِّ إنسان مهما علا أو سفل هو العدم: {هَلَ اَتَى عَلَى الاِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَّذْكُوراً} (الانسان:1)، ومصير كلِّ إنسان
ــ مهما ارتقى أو انحدر ـــ هو الإياب إلى الله تعالى: {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} (النور:42):


مفهوم الآخَر:
لأنَّ الناس يصنِّف بعضهم بعضًا إلى جهات وجماعات وحركات... فإنَّ مفهوم الآخر قد يستحكم فيهم، ويدفعهم إلى الحكم على الآخرين من خلال أنفسهم ومواقفهم، التي يحوِّلونها عادة إلى محور للحق، ما وافقها وافقه، وما خالفها خالفه. قال فرعون لقومه {مَآ أُرِيكُمُ إِلاَّ مَآ أَرَى وَمَآ أَهْدِيكُمُ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ} (غافر: 29)، ولهذا حذَّر رب العزة رسوله الكريم من هذا المشكل، وربَّاه على العدل والقسط، فقال: {ولاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَئانُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} (المائدة: 08).
ومن الواجب أن لا ينطلق العمل الاجتماعي من مفهوم الآخر، وإنما عليه أن يتبنى أعمق المفاهيم الشرعية في هذا المجال، مثل:
*مفهوم: "ذات البين"، قال تعالى: {فَاتَّقُوا وَأصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُم} (الأنفال: 01).
*مفهوم "الجسد الواحد": ويفسره قول الرسول صلى الله عليه وسلم : «المؤمنون كرجل واحد إن اشتكى رأسه تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر»(22).
*مفهوم "السفينة": قال صلى الله عليه وسلم : «مثل القائم على حدود الله والمدهن فيها كمثل قوم استهموا على سفينة في البحر، فأصاب بعضهم أعلاها وأصاب بعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها يصعدون فيستقون الماء فيصبون على الذين في أعلاها، فقال الذين في أعلاها: لا ندعكم تصعدون فتؤذوننا، فقال الذين في أسفلها: فإنا ننقبها من أسفلها فنستقي. فإن أخذوا على أيديهم فمنعوهم نجوا جميعا وإن تركوهم غرقوا جميعا»(23).
التعميم في الأحكام:
من العبارات التقليدية المستعملة كثيرا قولهم: «كلُّ تعميم خطأ». لكنَّا نقول: «حتى هذا التعميم خطأ»، إذ انَّ ثمة تعميمات هي عين الحقِّ، وبخاصة إذا كانت في أمور إيمانية من مصدر يقيني موثوق، مثل قوله تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} (الرحمن:26)، أو من السنَّة النبوية الشريفة: «كلُّ كَلْمٍ يَكلَمُه المسلم في سبيل الله يكون يوم القيامة كهيئتها إذ طعنت، تفجر دما، اللون لون الدم والعرف عرف المسك»(24).
ولقد غرزت في الإنسان ميول تقليدية إلى التعميم، فانتقالنا في أحكامنا من البعض إلى الكل سببه أنه «ليس من السهل علينا في معظم الأحيان أن نختبر جميع الأفراد، الذين يتدرجون تحت النوع الواحد... فهذا الانتقال من البعض إلى الكل ليس بالأمر الذي نطمئن إليه تمامًا»
وينصح قبل التعميم بأمرين هما:
*«افحص عددا كافيا من أفراد النوع أو المجموعة التي تريد أن تصدر بشأنها حكما عاما.
* تأكد من أنَّ الأشياء التي تفحصها تمثل النوع أو المجموعة أفضل تمثيل»(25).
ولئن كان هذا ممكنا في المجال المادي، فإنه يتعذَّر في المجال الاجتماعي، وبالتالي فإنَّ الإسراع إلى إصدار الأحكام بالإيجاب أو السلب ضعف في التفكير، وخلل في المنهج، وبخاصة إذا كانت تلك الأحكام تعميمية، قال صلى الله عليه وسلم: «إذا سمعتم رجلا يقول قد هلك الناس فهو أهلَكُهم، يقول الله: إنه هو هالك»(26). وفي رواية: «أهلَكَهم»، ففي الأولى بصيغة التفضيل أي أكثرهم هلاكا، وفي الثانية هو الفاعل وهو سبب هلاكهم.
والتعميم في الأحكام، وبخاصة بالسلب، ظاهرة اجتماعية تجتاح الأمَّة، وتنخر عظامها، فتذهب ريحها، وأحسن حل لها، هو الاحتكام إلى أمر الله، والتبين والتثبت، واعتبار كلِّ من يحكم على شيء بلا بيِّنة عاص لله، وظالم لعباده.
من يستطيع أن يقول: لا
إنَّ مخالفة المعتاد من أمر الناس صعب للغاية، وإنَّ مواجهة ضغط العادات المستحكمة في النفس عملية جهادية، تستلزم كثيرا من الصبر، والصدق، والصفاء... قال كوفي: «للوصول إلى سطح القمر يتعيَّن على رواد الفضاء أن يتخلَّصوا حرفيًّا وفعليا من القوة الخارقة للجاذبية الأرضية، ويستلزم استخدام قدر زائدٍ من الطاقة في الدقائق الأولى من الانطلاق، خلال الأميال الأولى القليلة من الرحلة، ثم لا تحتاج السفينة إلاَّ إلى طاقة قليلة جدًا في باقي الرحلة»... بهذا المفهوم يتعيَّن على العامل في إصلاح أمَّته أن يبذل جهدًا كبيرًا في المراحل الأولى للتخلص من ضغط العواطف والعادات، والانطلاق نحو وعي الضمير والعقل، فإذا تم له ذلك صار عقله معتادا على هذه الوسيلة الفعالة جدا... فجربِّ فقط، وسيسخن العقل بعد ذلك.
فقط، كن صادقا، وابتغ مرضاة الله تعالى، وأخلص النية، واعمل على أن تشارك في بناء خير أمَّة أخرجت للناس، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتؤمن بالله.
والله الموفِّق للخير والهادي، إلى سواء السبيل.

--------------------
الهوامش
1)- رواه البخاري، كتاب المناقب، حديث رقم 3369، بسند: «حدثنا الحميدي حدثنا الوليد قال حدثني ابن جابر قال حدثني عمير بن هانئ أنه سمع معاوية يقول سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول...».
2)- من حديث طويل رواه مسلم، في كتاب الكسوف، حديث رقم 1499، بسند: «وحدثنا قتيبة بن سعيد عن مالك بن أنس عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ح و حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة واللفظ له قال حدثنا عبد الله بن نمير حدثنا هشام عن أبيه عن عائشة قالت: خسفت الشمس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ...».
3)- الجامع؛ ج15/ص256..
4)- رواه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، رقم 721 «حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا أبو معاوية ووكيع قالا حدثنا الأعمش ح و حدثنا أبو كريب حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن شقيق عن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ».
5)- رواه الترمذي، كتاب صفة القيامة والرقائق والورع، رقم 2442 حدثنا أبو موسى الأنصاري حدثنا عبد الله بن إدريس حدثنا شعبة عن بريد بن أبي مريم عن أبي الحوراء السعدي قال قلت للحسن بن علي ما حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ». قال أبو عيسى: « وهذا حديث حسن صحيح».
6)- مهاتير محمد، وشنتارو إيشيهارا: صوت آسيا، زعيمان آسيويان يناقشان أمور القرن المقبل؛ دار الساقي، لندن؛ ط1: 1998م. ص21.
7)- أ. د. عبد الكريم بكار: عصرنا والعيش في زمانه الصعب؛ دار القلم، دمشق، الدار الشامية بيروت؛ ط1: 1424هـ/ 2000م . ص90
8)- د. يوسف القرضاوي: في فقه الأولويات، دراسة جديدة في ضوء القرآن والسنة؛ مؤسسة الرسالة، بيروت؛ ط1: 1420هـ/1999م؛ ص15.
9)- في مختار الصحاح: «الشيص: هو التمر الذي لا يشتد نواه، ويتشيَّص إذا لم يلقَّح النخل»، الرازي، مادة شيص.
10)- أحمد، باقي مسند الأنصار؛ رقم 23773 حدثنا عفان قال حدثنا حماد بن سلمة قال أخبرنا ثابت عن أنس وهشام بن عروة عن عروة عن عائشة.
11)- السرخسي، أبو بكر محمد بن أحمد بن أبي سهل (ت. 490هـ): أصول السرخسي؛ تح. أبو الوفاء الأفغاني؛ دار المعرفة، بيروت، 1372هـ؛ ج2/ص131.
12)- مالك بن نبي: شروط النهضة؛ سلسلة مشكلات الحضارة؛ ترجمة عبد الصبور شاهين؛ دار الفكر، سورية؛ 1406هـ/1986م؛ ص78..
13)- نذكر كمثال لذلك أنه: شارك في تأليف الموسوعة العالمية Universalis 4500 باحثا، كل في تخصُّصه. وهذا بالذات ما تفتقده المؤسسات الإسلامية اليوم..
14)- طالع كتاب: الفضائح الجنسية لزعماء العالم، لمؤلفه: د. حسان جعفر؛ دار المناهل، بيروت، 1422هـ/2001م. ومن جملة هؤلاء أورد قصصا لزعماء من دول إسلامية وعربية.
15)- بكار: عصرنا والعيش في زمانه الصعب؛ ص281.
16)- العراق أنموذجا. فإنَّ النقد الذي لم يأت من الداخل لعقود من الزمن، على سياسة الظلم والطغيان التي انتهجها النظام، ولَّدت نقدا من الخارج، فكان أشدَّ ظلما وأكثر مرارة. وكذلك كلُّ أمَّة تقع في نفس الخطأ ستلقى لا محالة نفس المصير، إن عاجلا أو آجلا.
17) - رواه الترمذي، في صفة القيامة والرقائق والورع؛ رقم 2350، بسند: «حدثنا سويد بن نصر أخبرنا ابن المبارك عن عثمان بن الأسود عن ابن أبي مليكة عن عائشة قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ....» قال أبو عيسى: «هذا حديث صحيح حسن».
18)– رواه البخاري، في كتاب الحدود، رقم 6289، بسند: «حدثنا أبو الوليد حدثنا الليث عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة...».
19)- انظر محاولات القطب اطفيش، والشيخ سليمان ابن ادريسو، والشيخ بيوض، والحاج صالح بابكر... وغيرهم. في وثائق متفرقة طالعتها، وهي دليل على هذه المحاولات. وطالع للشيخ إبراهيم متياز نقدا صريحا لنظام العزابة في بعض جوانبه السلبية.
20)- طالع ما يُكتب في المنتدى (Forum) التابع لموقع الأنترنات ”مزاب أونلاين“: (Mzab-online): ففيه أدلَّة قوية على ما يصدره كلا الطرفين من أحكام، وفي بعضها لا يراعى أي حق ولا صدق، بل هو الكذب والتلفيق الصراح، وأحيانا يتلبَّس بلبوس العقيدة، والفقه، والمجتمع... الخ.
21)- وانظر- علي عزت بيجوفيتش: الإسلام بين الشرق والغرب.
22)- رواه مسلم، في باب البر والصلة والآداب؛ رقم 4686، بسند: «حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو سعيد الأشج قالا حدثنا وكيع عن الأعمش عن الشعبي عن النعمان بن بشير قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم».
23)- رواه الترمذي، في كتاب الفتن؛ رقم 2099 حدثنا أحمد بن منيع حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن الشعبي عن النعمان بن بشير قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم» قال أبو عيسى: «قال هذا حديث حسن صحيح».
24)- رواه البخاري، باب الوضوء، رقم 230، بسند: «حدثنا أحمد بن محمد قال أخبرنا عبدالله قال أخبرنا معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:...».
25)- شانر، وليم: الطريق إلى التفكير المنطقي؛ ترجمة د. عطية محود هنا، د. عبد العزيز القوصي؛ نشر مكتبة النهضة المصرية، القاهرة؛ 1961م؛ ص51-52.
26)- رواه أحمد، في باقي مسند المكثرين، رقم 7360، بسند: «حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم».


نُشر المقال بدورية الحياة، العدد: 08، الصادر في رمضان 1425هـ/ نوفمبر 2004، ص: 148.

اسم الكاتب