الشيخ عدون وجمعية قدماء التـلاميذ
إعداد الأستاذ: محمد بن سليمان أبو العلا
النائب الأول لرئيس جمعية قدماء التلاميذ
للشيخ عدُّون ـ رحمه الله تعالى ـ دور رئيس في إنشاء جمعية قدماء التلاميذ وتسييرها وتنشيطها؛ بقيت بصماته فيها خالدة إلى اليوم ـ بعد وفاته ـ وسيبقى أثره ما دام وجود هذه الجمعية.
إن هذا الدور لجدير أن يعرف في لمحة موجزة، عرفانا بصنيع الشيخ، وتخليدا لمآثره في هذا الحقل الثقافي والاجتماعي الهام، واعتبارا واقتداء بما فعل مشايخنا.
الشيخ عدُّون ونشأة الجمعية:
للشيخ عدُّون الفضل الأول على جمعية قدماء التلاميذ بدءا بتأسيسها. كيف ذلك؟ وللجواب على هذا لا بد من العودة إلى تاريخ نشأة جمعية قدماء التلاميذ.
لقد ارتبطت بين طلبة معهد الحياة ـ من مختلف قرى ميزاب وغيرها ـ كل أواصر المحبة والإخاء والصفاء، ودامت عراها موثوقة بينهم ولو بعد تخرجهم، فهم يفرحون كثيرا بلقاءاتهم في مناسبات واجتماعات في أيام معينة، يتبادلون فيها عواطفهم وآراءهم وانشغالاتهم الدراسية والاجتماعية العامة، هذا زمن دراستهم، فكذلك بعد تركهم مقاعد الدراسة يتوقون إلى مثل تلك الاجتماعات، ويَحِنُّون إلى مهدهم التربوي والتعليمي، لما وجدوا فيه من آثار طيبة في نفوسهم وعقولهم وحياتهم العامة، ومن جهة أخرى أن الشيخ بيُّوض ـ رحمه الله تعالى ـ الذي تحمل أعباء ثقيلة، وخاض معارك كبيرة في جهاده الإصلاحي، هو في حاجة إلى وقوف أبنائه جميعا وراءه صفا مرصوصا، وقوة صامدة يعينونه في جهاده ويحفظونه في معاركه. ما الذي يُحقِّق هذه الغايات؟ إنشاء جمعية موحدة.
هذا كله من العوامل التي جعلت بعض قدماء تلاميذ الشيخ بيُّوض تراودهم فكرة جمع الشمل وتوحيد العمل، وذلك بعقد اجتماعات عامة، أو تكوين جمعية تقوم بهذه الواجبات، على رأسهم الشيخ عدُّون رحمه الله تعالى.
خطرت في ذهن الشيخ عدُّون فكرة جمع الطلبة المتخرجين من معهد الحياة، واستثمار جهودهم وطاقاتهم وأفكارهم، فحانت فرصة ذلك في اجتماع لأعيان وادي ميزاب وقدماء الطلبة في القرارة لما أقام الشيخ عدُّون عرس ابنه البكر بالحاج في شهر ماي سنة 1948، فتداول المجتمعون فكرة إنشاء جمعية لهم، واعتبر هذا الاجتماع قدح الزند لتحقيق الرغبة، عرض الشيخ عدُّون الفكرة على الشيخ بيُّوض ـ كان حينذاك عضوا في المجلس الجزائري ـ فرحب بها وشجعه على العمل.
تحمس الشيخ عدُّون وسارع إلى تنفيذ المشروع بتوجيه الدعوة إلى عدد كبير من قدماء الطلبة من مختلف المدن لاجتماع عام لأول مرة في يوم 29 رمضان 1367 هـ الموافـق لـ 05 أوت 1948م، وتم بتوفيق من الله تعالى هذا المؤتمر في دار الشيخ بيُّوض المقر القديم للمعهد، ومقر الذكريات التلمذية والتعليمية لهؤلاء المدعوين.
كان يوما مشهودا قال عنه الشيخ محمد علي دبوز: «وكان اليوم عيدا عظيما للقرارة التي تستقبل أبناءها الذين أحبتهم، ولأسرة المعهد من المشايخ والتلاميذ الذين يجتمعون بأبنائهم وإخوانهم بعد غياب طويل، و عيدا عظيما ترقص به قلوب التلاميذ القدماء، وهم يدخلون القرارة أمهم الرؤوم، ودار المعهد الذي هو أعز مكان عندهم في الوجود»(1). ويواصل الشيخ محمد علي دبوز وصف حالة المدعوين المشاركين النفسية، وبهجتهم بلقائهم:
«والفضل الثاني للشيخ عدُّون في هذا المؤتمر بعد فكرة انعقاده هو خطابه الأول والقيم الذي ألقاه بعد افتتاح الجلسة من طرف الشيخ بيُّوض، وكان خطابا في غاية الأهمية موضوعا، وفي أعلى المراتب بلاغة وبيانا»(2). قال عنه الشيخ محمد علي: «... خطبة المدير (أي الشيخ عدُّون) التي تفجرت من أعماقه وألقاها بكل جوارحه، وكان القدماء يرون معانيها في وجهه وبريق عينيه قبل أن يلفظ بها، فتأثروا بها تأثرا بالغا حتى سالت دموع الكثير منهم»(3)، وحكم عليه الشيخ بيُّوض بأنه «دستور الجمعية».
عاش المؤتمرون ثلاثة أيام يتبادلون الخطب والكلمات، والآراء والمقترحات، توجت بخطاب هام للشيخ بيُّوض، فإذا قال الشيخ بيُّوض عن خطاب الشيخ عدُّون إنه دستور الجمعية، فإن خطاب الشيخ بيُّوض كان دستور الأمة. (يطالع في نهضة الجزائر الحديثة ج3).
استمر هذا المؤتمر في الأخير عن تسمية الجمعية باسم جمعية قدماء التلاميذ، وانتخاب مجلس إداري لها يرأسه الشيخ عدُّون ـ بحكم عضوية الشيخ بيُّوض في المجلس الجزائري ـ ووضع قانونها الأساسي يتضمن أغراض الجمعية وتشكيلها ولجانها.
وتركزت أغراض الجمعية في بدايتها على ما يلي:
1. توجيه التلاميذ المتخرجين من المدارس إلى صالح الأعمال، وتحقيق غايتهم من طلب العلم.
2. إرشاد من ظهر منه انحراف عن الصراط السوي اللائق بمقام المتعلمين.
3. معاضدة المشاريع العلمية ببث الدعاية إليها، وإعانتها بكل ممكن.
4. العمل للإصلاح العلمي والاجتماعي بكل الوسائل الممكنة على حسب الاستطاعة.
5. إعانة التلاميذ الفقراء العاجزين عن إتمام دراستهم.(4)
ولتحقيق هذه الأغراض قُسِّم الأعضاء على ثلاث لجان رئيسية هي: لجنة التربية والتعليم، لجنة الاجتماع، اللجنة الاقتصادية.
وتحصلت الجمعية على الرخصة من الحكومة الاستعمارية بعد جهود جهيدة، ومساع عظيمة قام بها الشيخ بيُّوض وبعض أعضاء الجمعية.
ثم اتسعت دائرة عضوية الجمعية من المتخرجين في المعهد، فعمت كل تلميذ تخرج من مدرسة نظامية خاصة أو عامة، واتخذت الجمعية مقرها الرسمي بالقرارة، وفروعها في مدن وادي ميزاب والجزائر العاصمة، لذلك تشكلت إدارتها من ممثلين لمدن الوادي والعاصمة، وعينت لجنة دائمة قائمة في المركز (القرارة) تباشر أعمالها، كما احتضنت الجمعية لجنة توحيد التعليم التي قد أسست قبل جمعية قدماء التلاميذ بسنتين، فاندمج فيها مؤتمر المعلمين التابع للجنة التوحيد، فكانت جمعية قدماء التلاميذ مشرفة على التعليم الابتدائي في مدارس الإصلاح في ميزاب وفي الشمال، وعين الشيخ عدُّون مفتشا عاما لها يجول عليها سنويا.
وهنا نجد التمازج والتكامل بين مهام جمعية الحياة سابقة التأسيس في سنة 1937 وجمعية القدماء الحديثة، إذ سارتا جنبا إلى جنب واشتركت مهامهما؛ لأن رئيسهما واحد هو الشيخ عدُّون وأغلبية أعضاء إدارة الجمعيتين مشتركون بين الإدارتين، فلا اختلاف بينهما إلا ترسيما ونظاما، ومع ذلك اختصت جمعية الحياة بشؤون التعليم الحر التابع لها برمجة وتسييرا وتمويلا، بينما اهتمت جمعية قدماء التلاميذ بكل أمور وقضايا المجتمع.
استمرت جمعية قدماء التلاميذ في نشاط جاهد تحت رئاسة الشيخ عدُّون تنفذ أغراضها التي تأسست لأجلها وزيادة، ولعبت دورها أثناء الثورة التحريرية بكل ما في وسعها، تحت مسؤولية الشيخ بيُّوض وكبار تلامذته توعية ودعاية وتنظيما وتموينا، وهكذا في تقدم مطرد وعمل دؤوب، إلى سنة 1963 بعد الاستقلال، حاول بعض أعداء الجمعية وأعداء إصلاح الشيخ بيُّوض القضاء على نشاطه ومؤسساته وهياكله، منها هذه الجمعية وحركتها؛ فأوعزوا إلى السلطات الحزبية والعسكرية على منع اجتماعها العام المبرمج، وشل سيرها فكان لهم ذلك، ووصلوا بعض هدفهم، غير أنهم لم يستطيعوا أن يقضوا عليها نهائيا؛ يريدون أن يطفئوا نور الله والله متم نوره...
جدد تأسيسها وبعث نشاطها غير أنها اقتصر تسييرها هذه المرة على مدينة القرارة، فقامت مقام الأعيان، وشمل نشاطها كل انشغالات وتطلعات المجتمع سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وثقافيا، وتقوم بدور التنسيق والوحدة بين الهياكل العرفية في البلدة، وجدد انتخاب أعضاء إدارتها انتخابا يمثلون زبدة أبناء البلدة ـ كما يصفهم الشيخ عدُّون دائما في حديثه ـ واستمرت رئاسة الشيخ عدُّون لها كذلك بدون منافس أو منازع طيلة حياته، يفوز بالرئاسة في كل تجديد.
قد يقول قائل: إنك أطلت الحديث في نشأة الجمعية واستمراريتها ـ وقد كتب الله تعالى لها البقاء ـ ذلك لأني في كل مرحلة من مراحل حياة الجمعية ألمس أثر الشيخ عدُّون فيها، وبصماته وفضله واضحة لا ينكرها إلا جاحد.
خصائص الشيخ عدُّون في تسيير الجمعية:
لقد عاشرت ـ شخصيا ـ أستاذي الشيخ عدُّون في إدارة جمعية قدماء التلاميذ سبعة عشر (17) عاما، وهي مدة متواضعة وقليلة بالنسبة لغيري من مشايخي وإخواني، واستحضرت من خلال هذه الفترة بعض مزايا الشيخ عدُّون في إطار هذه الجمعية باختصار وهي قطرة من فيض:
1. الريادة والفضل الأول في إنشاء هذه الجمعية، كما تقدم بعض التفصيل فيه.
2. طول مدة إدارته لها ورئاسته مع تجديد انتخابه رئيسا في كل مدة انتخابية، والتي دامت ستا وخمسين 56 سنة، وهي مدة رئاسية مثالية نادرة.
3. الجد والنشاط المنقطع النظير في تسيير أعمال الجمعية وإدارتها دون أن يؤثر فيه العجز ولو في آخر أيامه، علما أنه كان يحضر جلساتها وينشطها في آخر حياته وعمره تجاوز مائة وخمس (105) سنوات.
4. عدم تخلُّفه عن حضور الجلسات مهما كانت الظروف إلا بعذر السفر، وهو شديد الغضب على الأعضاء إذا تهاونوا عن الجلسات في غيابه.
5. روح البساطة والتواضع والمرح التي تسود الجلسة مما يخفف على الأعضاء ثقل الجلسات.
6. طول نفسه في استمرارية الأعمال الذي تميَّز به، إذ تدوم الجلسات أحيانا أربع ساعات وأكثر، من بعد العصر إلى العاشرة ليلا صيفا، ومن بعد العشاء إلى الواحدة ليلا شتاء، ومن الخجل جدا أن يشكو أحد الأعضاء السهر والتعب؛ فيرد الشيخ بكلامه الهادئ: إذا شكوتم التعب وأنتم أصغر مني؛ فماذا أقول أنا، فما على الشاكي إلا أن يذعن ويصبر ويقتدي.
7. مسؤولية التنفيذ لكل القرارات التي تخرج بها المداولات ومتابعتها، وقد يشعر غيره بها صعوبة وثقلا، لكن حكمة الشيخ وحرصه يجعلانها عليه سهلة.
8. التشاور وعدم الاستبداد بالرأي، فلا يتبنى أي قرار إلا بعد النقاش الحر ومعرفة رأي الجماعة، وكثيرًا ما يتنازل عن رأيه الخاص إن رأى غيره أغلب وأصوب.
9. مساواته بين الجميع، فكل أعضاء إدارة الجمعية سواسية في التفكير والنقاش، لا يعلي شأن كبير، ولا يستصغر شأن صغير.
10. تذكيره الأعضاء دون ملل بأنهم زبدة البلدة فلا بد من حسن السيرة والمثل، ولا بد من التضحيات في سبيل صالح المجتمع، ويعتبر هذا العمل من أعظم الجهاد.
11. حث الكاتب في كل جلسة على: ضبط موضوعات المتابعة، وتسجيل الأعمال الجديدة في بداية الجلسة، وضبط حضور وغياب الأعضاء.
12. افتتاحه الجلسة دائما بما تفتتح به مجالس القرآن من الدعاء "استفتحنا بذكر الله وآياته وهو خير الفاتحين ..." اعتبارا أن كل أعمال الجلسة فيما يرضي الله تعالى والدين ولو كانت دنيوية.
13. متابعة الأخبار والمستجدات وهذا ما يخصص له بعض الوقت قبل الافتتاح الرسمي للجلسة مستغلا وقت تناول الشاي، وهذا بسبب حرصه وشوقه إلى معرفة أخبار الوطن والبلدة ومسايرة الأحداث.
14. رغبته دائما أن تعقد الجلسات في الدور الخاصة، أي في محلات الأعضاء الذين تفضل الله عليهم بالخير وسعة المحل، ويرفض اتخاذ مقر مستقر للجلسات، وحكمة ذلك هي التبديل والترويح في الأماكن، وإكرام أهل الخير إخوانه الأعضاء بما جاد الله ابتغاء أجر الإكرام، وتبرك المضيف بحضور إخوانه في محله، ولهذا بقي قوله في نهاية كل جلسة خالدا مأثورا: أين ومتى؟ أي متى موعد الجلسة القادمة وأين.
هذه جملة من خصائص وليست كلها رأيتها جديرة باطلاع القارئ عليها، وهي التي علمتنا ـ كثيرا ـ التفاني والانضباط والتحمل، جزاه الله عنا كل خير، وأثابه الثواب الأوفر.
مصادر المقال:
1. «نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة»: محمد علي دبوز، الجزء الثالث.
2. «معهد الحياة نشأته وتطوره»: الشيخ عدُّون سعيد شريفي (رحمه الله تعالى).
3. المعاشرة الشخصية في جمعية قدماء التلاميذ.
4. مراجعة الشيخ الأستاذ شريفي بالحاج بن الشيخ عدُّون.
نص خطاب الشيخ عدون في الاجتماع التأسيسي لجمعية القدماء
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الهادي إلى الحق وإلى الصراط المستقيم، والصلاة والسلام على من جاء بالهدى والدين القويم، وعلى آله وأصحابه الذين آووه ونصروه وجاؤوا بكل أمر ٍحكيم.
أمَّا بعد فإننا نشكر الله تعالى على أن يسَّر لنا هذا الاجتماع العظيم في هذا اليوم الميمون الطلعة، في هذا المكان المقدَّس، أمام أستاذنا العظيم ومربِّينا الوحيد الشيخ بيُّوض، وما كان هذا الاجتماع استجابة لغرض دُنيوي، واتباعا للهوى، وإنَّما هو استجابة لله ورسوله، وخدمة للدين والأمَّة، وإعلاءً لكلمة الله، والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
ثم نتوجَّه إلى إخواننا الوافدين إلينا بأطيب السلام، ونحييهم تحيَّة مباركةً طيبة ونرحِّب بوفادتهم ترحيب الحبيب بالحبيب، ونستبشر بحلولهم في هذا الربع المقدس استبشار الودود بالودود، ونهنئهم ونهنئ أنفسنا بهذا الاجتماع النادر المثال، الذي ضمَّ بين أجسام مؤتلفة الأرواح، متَّحدة المنبت والمبدأ، متَّحدة الأجواء والأهواء، متحدة الآمال والمطامح، ونشكرهم ـ إن صح الشكر في هذا المقام ـ على تلبيتهم لنداء الواجب،واستجابتهم لداعي الحق، مُكْبِرين فيهم هذه العاطفة النبيلة التي حملتهم على هذه الأتعاب التي عانوها، والتضحيات التي قدموها في هذا السبيل، حتى تيسَّر لنا هذا الاجتماع الذي نرجو بعده كلَّ خير.
ونتشرف جميعا باجتماعنا في هذا المكان المقدس، في هذا المعهد الشريف، لتحقيق الغاية الكبرى التي وجَّهنا إليها أستاذنا ومربينا الجليل الشيخ بيُّوض لما زودنا بالقوة العتيدة التي تضمن لنا إدراكها وتحقيقها إن شاء الله.
إنها ذكريات نبيلة، وعهود جميلة يستعرضها أمامنا هذا المعهد الذي يروع القلوب ويبعثها حيَّة تسعى، هذا المشهد الحافل الذي يثير الشهامة والعظمة في النفس، وينشر عبيرها الفواح، هذه الروح الطيبة التي تغمر الجو، ويعيدها أياما زاهرات، مجلس أستاذنا العظيم اليوم بيننا كمجلسه أمس، ونحن تلاميذ يُعدِّنا لمثل هذا اليوم، ويخلق منا بالتهذيب والتثقيف والتربية الصحيحة إخوانا أصفياء، ورجالا أقوياء، وجنودًا أوفياء ومصلحين مبشرين ومنذرين، وخير أمة أخرجت للناس، فسقيا لتلك لأيام الخاليات، والعهود الخالدات، بما فيها من طهر وصفاء وإخلاص ووفاء، وآمال باسمة وسعادة وارفة الظلال.
إخواني الأعزاء، نجتمع اليوم في هذا المجلس الحافل أمام أستاذنا لا كتلاميذ يتلقون عنه الدروس والتهذيب والتثقيف، ويتولاهم بالحضانة والتربية كما كنَّا معه في سالف العهود،وإنما نجتمع كجنود وضبَّاط مدرَّبين مزوَّدين بالقوة الكافية للنزول إلى ميادين الكفاح أمام قائدهم الأعلى، يشرف على أعمالهم عن كثب، ويستعرض برامجهم في الكفاح، ويرسل التعاليم اللازمة، ويتولاَّهم بالرعاية والتسديد.
نجتمع اليوم بصفة معتبرة لها مركزها ومكانتها، بصفة جمعية قدماء التلاميذ التي يضم إطارُها كلَّ تلميذ تلقَّى دروسه عن الشيخ بيُّوض على تفاوت في مدَّة هذا التلقِّي، على اختلافٍ في درجاتهم ومواهبهم.
نجتمع اليوم في مؤتمر عامٍّ لهذه الجمعية لننفذ أغراضها الأساسية، من جمع شتات الأعضاء، والمحافظة على الروابط المتينة التي تكوَّنت في زمن الدراسة، وبث تعاليم الأستاذ في نفوسهم، وفي المجتمعات التي يتصلون بها،وخدمة المشاريع العلمية بجميع الوسائل، والمشاركة في الإصلاح العام بقدر الاستطاعة، والنزول في ميادين الكفاح والجهاد الوطني في نظام وخطط مرسومة، تحقِّق الغاية المطلوبة، وتضمن النتيجة المرغوبة.
ذلك هو الغرض الذي حملنا على عقد هذا المؤتمر العام، ودعَونا إليه من قريب وبعيد كلَّ من يستطيع القيام بمهمة هذا المؤتمر، ويتحمَّل تكاليفه الشاقة.
أيها الشباب المنتسب إلى أفلح(1)، كلُّكم تعلمون بطولته في جميع الميادين التي خاضها أو سيخوضها في الجهاد والكفاح، وتعلمون مكانته الممتازة في جميع الأوساط وبين جميع الطبقات، وتعلمون صيته الذائع في الآفاق، وكلكم تلاميذ لهذا البطل الفذ، وجميع الدروس التي تلقيتموها عنه تغرس في نفس كل تلميذ بذور هذه البطولة وتسقيها وتتعهدها بالتربية والنماء، فتجعل منه بطلا إن لم يكن كأستاذه فقريبا منه، ونحن بهذه النسبة وبهذه التلمذة مسؤولون أمام الله والناس والتاريخ عن هذه النسبة بما نظهره في ميادين الحياة من بطولة كبطولة أستاذنا العظيم، يجب أن تشهد لنا أعمالنا بأننا أبناء ذلك البطل لا أن نكتفي باللسان وحده بأننا أبناؤه وأعمالنا لا تشبه أعماله، إن هذا يورثنا السبة والعار.
يجب أن يكون كلٌّ منا بطلا ممتازا كما كان معلمنا ومهذبنا بطلا ممتازًا، وإذا خرج هذا عن طاقتنا منفردين ففي استطاعتنا أن نكون ذلك البطل وأمثاله مجتمعين، نملأ ميادين الحياة بالبطولة والكفاح كقائدنا العظيم.
إخواني وأبنائي الأعزاء، لم يتيسر لهذه الجمعية قبل اليوم أن تبرز إلى الوجود في إطارها الواسع لأنه لم تتفتح لنا ميادين الأعمال كما تفتحت اليوم، ولم تحملنا الظروف على النزول إلى الميدان كما تحملنا اليوم، ولم نأنس من أنفسنا قوة واستعدادًا على الخوض فيها كما أنسنا اليوم، إنه لم يبق لنا عذرٌ للتقصير، ووقتٌ للانتظار.
إخواني الشباب، لقد أصبحنا اليوم أمام انقلاب خطير يقلب الأمة رأسا على عقب، وتفتحت لنا ميادين للعمل لم تفتح من قبل، إنه انقلاب كبير يعمُّ جميع نواحي الحياة في الجزائر وميزاب.
إن هذا الانقلاب الكبير الذي يقع بعد الحرب العالمية الثانية في بلادنا من أسبابه حدوث المجلس الجزائري، وإدخالنا الشيخ بيُّوض فيه، يجب أن نقدم لأستاذنا الجليل رجالاً أكفَّاء من أبنائه البررة، يؤازرونه، ويؤازرون قادة الإصلاح في الجزائر وميزاب، يجب أن نُنشئ رديفًا قويًّا للعاملين اليوم من تلاميذنا الذين نربيهم في المدارس فيسدُّون الثغور بكفاءتهم، ويصلون بنهضتنا غايتها المثلى.
إخواني، لقد برهنتم أنتم وإخوانكم الغائبون في هذه السنة بالخصوص بما قمتم به من أعمال باهرة ـ استوجبتم بها الثناء والحمد ـ عن كفاءة وقوة، وأنتم أفرادٌ موزعون، فكيف إذا انضمت أعمالكم في هيئة منظَّمة كهذه الجمعية، توجهها قيادة حكيمة، إننا لا شك ناجحون بإذن الله، ومحققون كل ما نصبو إليه.
إخواني الأعزاء، تعلمون أن من الأغراض التي تهدف إليها هذه الجمعية خدمة هذا المعهد ببث الدعاية له، وإرشاد الناس إليه، ونشر تعاليم أستاذنا ومبادئه الإصلاحية؛ إن بثها في الناس واجبٌ علينا، ولا ننجح في التبشير بها إلا إذا رأى الناس إصلاحه في أخلاقنا وسلوكنا، إنه عار الدهر أن لا نتَّصف بالإصلاح ونحن ننتسب إلى إمامه وقائده.
إنَّ السلوك الديني الحميد هو الأساس المتين والركن الركين الذي نبني عليه نهضتنا، وهو الضمان الوحيد الذي يضمن لنا النجاح في مهمتنا ويحقِّق لنا الوصول إلى أهدافنا.
هذه كلمة ٌمختصرة تعجلتُ بها، لأن المقام يقتضيها، وهو واجب أكيدٌ عليَّ، فهي الأساس الذي نبني عليه أعمالنا، نسأل الله سبحانه متضرعين أن يقينا شرَّ أنفسنا وشرَّ القوم الظالمين، وأن يهيِّئ لنا من أمرنا رشدًا، ويكلأنا وأستاذنا برعايته وحفظه، ويهدينا إلى الصراط المستقيم، والحمد لله رب العالمين، و السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
--------------------
الهوامش
(1) محمد علي دبوز: .نهضة الجزائر الحديثة ج3/ ص 189.
(2) ينظر هذا الخطاب الهام في آخر هذا البحث.
(3) محمد علي دبوز. نهضة الجزائر الحديثة ج3/ ص 194.
(4) ينظر كتاب "معهد الحياة نشأته وتطوره" شريفي سعيد (الشيخ عدُّون) ص 69.
(1)ـ أفلح بن عبد الوهاب: ثالث الأئمة في الدولة الرستمية، اختار اسمه الشيخ بيُّوض لقبا له يمضي به مقالاته في جريدة وادي ميزاب، وجريدة الأمة فأصبح لقبا له يسميه به تلاميذه في كتاباتهم.
نشر المقال في دورية الحياة، العدد: 10، 1427هـ/2006م، ص262-273.