للمرحوم الشيخ:
حـمـو بـن عمـر فـخَّـار
تقديم الأستاذ الشيخ: بالحاج بن سعيد شريفي لمقال المرحوم الشيخ حمو فخار الذي كان ينشر مقالاته باسم: ”فريد“:
وَفاءً لأصدِقائِنا وزُملائَنِا الأدباء الذين لبَّوا نداء ربِّهم راضين مرضيًّا عنهم إن شاء الله ننشُرُ في هذا العددِ من المجلَّة المباركة بعض ما كان يُنشَر في سَلفَهِا وفي سالف عهدِها: ”جريدة الشباب“ التي أصبحت فيما بعدُ ”مجلَّة الشباب“، ثم ”مجلَّة الحياة“. وسيرى أبناؤُنا طلبة المعاهد الثانويَّة وخرِّيجُو الكلياتِ التفكيرَ السديدَ لأسلافِنَا في مدرسة الشيخ بيُّوض، وأسلوبَهُم الأدبيَّ الرفيعَ الذي كانوا يُحلُّون به مقالاتهم ومراسلاتِهم، وكثيرًا ما كانت تُقدَّم مقالاتهُم تلك وخُطبُهم عفوًا، وتنُظَمُ قصائِدُهم ارتجالاً بنت يومِها أو ساعتها؛ مثل قصيدة صدِيقنا الأستاذ:قرادي إبراهيم (الحاج أيوب إبراهيم بن يحي) لـمَّا كان في الأربعينيات طالبا في ”معهد الشيخ بيوض“ سابقاً، ”معهد الحياة“ الآن بالقرارة.
رحمهم الله جميعا ونَفَعَنا بما خلَّفوا من آثار طيِّبة كانوا يَرجُون بها إعلاء كلمة الله، ونصر كتابه الكريم، ونشر لسانه المبين.
ـ بالحاج بن سعيد شريفي ـ
السر الأول في عبقرية الأستاذ وزعامته(1)
تفاؤلاً بمستقبل هذه المجلة العربيَّة التي وُفِّقَت جمعيةُ الشباب إلى إصدارها من جديد للمبرزين من أبنائنا بمعهدنا البيوضيِّ الزاهر ـ نصطفي لغرَّة أعدادها، ونختارُ لافتتاحية مقالتنا بها درَّة من ترجمة حياة الأستاذ حفظه الله، تيمُّنًا بطالعه السعيد، وذكرهِ العاطر؛ وهي درةٌ لا تزال إلى اليوم مكنونةً في أصدافها لم تقع عليها عينُ ناظر، ولم تعثر عليها يدُ غوَّاص...!!! كأنَّ الله أخفاها، وأسدل عليها الأستار - وهو كذلك بلا ريب - ليزدانَ بها عِقدُ هذه العروسِ الحسناءِ في ليلة زِفَافِها، ويكونَ قلمُنَا هو الذي يتشرَّف بتحلية جيدِها بعِقدِ هذا المقال المرصَّع بتلك الدرَّة الغالية..!!!
وحياةُ الأستاذ كلُّها عِقدٌ ثمين، لا يحوي سِلكُه غير الدُّرر الغوالي من روائع الآيات التي تُنافِسُ كلُّ واحدة منها الأخرى، وترى أنها بواسطة العقد أولى...ولكن الذي يحدو بنا إلى اقتطاف هذه اليتيمة من بينهن في هذه المناسبة الجميلة مناسبةِ إصدار أوَّل عددٍ من مجلَّتنا، وأن نزفَّها تحفةً سنيَّة لقرائنا، أنهَّا الشرارة الأولى التي انشقَّ منها روح حياة الأستاذ، والبذور التي نجمت عنها دوحة زعامته الزاهية، والنبع الذي انفجر منه نمير عبقريته الصافية. والمؤرِّخ الذي يتصدَّى لتدوين تاريخ الأستاذ ولا يجعل أساسَه هذه اللَّبِنَة النورانية ـ التي هي في بناءِ تاريخه العظيم بمثابة الحجر الأسعد في بناء الكعبة ـ لا يصنع شيئاً...
سألتُ الأستاذ حفظه الله يومًا عن جَدِّه – القائد كاسي- الشهير، وكان يحدّثني عن حُسن رعايته له، وشدَّة حبِّه إياه، ويقُصُّ عليَّ من مظاهر دهائه وذكائه، وسياسته ونفوذ سلطانه، ما جعلني من شدَّة الإعجاب به أحسبه يحدِّثني عن داهية العرب، وأوَّل ملوك الإسلام معاوية بن أبي سفيان.
سألته: هل كان لجدِّه حظٌّ من الثقافة بجانب هذه المواهب الجبَّارة أعانت على تهذيبها، وساعدت على ظهورها ونضوجها وكمالها...؟
فقال حفظهُ الله: لم يَذق جدِّي طعم الثقافة بمدرسة نظامية، ولا تتلمذ لأيِّ إنسانٍ قطُّ. نعم: كان شغوفًا بالمطالعة في أوقات الفراغ، لكن الذي هذبه وكوَّنه- وهو أعظم أستاذ- إنما هو التجارب والحوادث.
غير أني لم أقتنع، ولم تطمئن نفسي فسألتهُ ثانيًا: عمَّا إذا كانت له علاقة بشخصية مثقَّفة في عصره ينادمها، أو يجاذبها أطراف الحديث أحياناً في المسائل العلميَّة، ويستسقي منها ناضج الآراء، وتمدُّه بسامي الأفكار...؟
فقال: لا.. لم تكن له بأي إنسان علاقة من هذا النوع قطّ. وحتى في تدبير أموره السياسية ما كان يستشير أحدًا فيما يفعل أو يدر، لِمَا رُزق من سعة الحيلة، وفَرط الدهاء، وشدَّة المعرفة بطُرق السياسة وتلوُّناتها وتقلُّباتها، بحيث لا يُعجزه وضع خطَّة، ولا يحيِّره مرَّة حلُّ مشكلة مهما تعقَّدت، واستعصى أمرها.. اللهم إلاَّ ما كان من أمره مع (القطب) رحمه الله؛ فقد كان - رغم بُعدِهِ عنه في المسافة والقُربى - شديدَ الحبِّ والاحترام له؛ يُكرم وِفادته، ويبالغ في تعظيمه كلَّما زار بلدته القرارة. وكان هو الوحيدَ الذي أخلص له الودَّ، واعترف له بالشرف وعلوِّ المكانة في العلم من بين قواد الوادي وأغلب زعمائه.!!!
ولم تقِف به مروءتهُ وأريحيتهُ إزاءه، وصدقُه في حبه وإخلاصه في تقديره عند مجرَّد الاعتراف بعلمه، والكف عن مناوأته، وعدم مشاركة الأعداء في مطاردته فحسب؛ بل كان يستزيره أحياناً ويستفتيه، ويستضيء برأيه، وربما حماه وناصر فكرته، وتعصَّب لرأيه، ووقف بجانبه حتى في جمهور من النوَّاب والقواد، غير مبالٍ بمصادمتهم، ولا آبه بغضبهم وحنقهم، الأمر الذي كان ذوو المقامات والوظائف الرسمية يتحاشاه ويحذره كل الحذر خورًا وجبناً!!!
قال الأستاذ حفظه الله: وبلغ يوماً في مناصرته له ومعاضدته إياه أن ضمَّت (القطبَ) وبعض قوادِ الوادي وأعيانه جلسة فرأى أن يغتنم فرصة اجتماعهم، فيعرض عليهم فكرةً مما كان يختلج في صدره ولا يستطيع إبدائه وبثه لـِمَا كان يُعامَل به في بلده وفي أغلب القرى من الجفاء، ويُقابل به من هجر ومطاردة واضطهاد خُنقت به أنفاسُه، ورُمي بالكفر والزندقة والإلحاد في كل ناد.
رأى أن يعرض عليهم فكرة لعلهم يثوبون إلى رشدهم، ويرجعون عن ضلالهم القديم فيعتنقوها، وتتحقق على أيديهم - وهم أهل الحل والعقد- فتنتشر في كامل البلاد... غير أنه ما كاد يبوحُ بها بينهم، ويسألهم عما إذا كانت ممكنة التنفيذ؟ حتى تحزَّب الحاضرون ضدَّه، وتنكروا له، ولم يبق في المجلس من يناصرُه أو يسرِّي عن قلبه، إلاَّ القائد كاسي؛ فقد انبرى فيهم كالأسد الهصور، وأنقد الموقف بما أكبتهم وأخزاهم بقدر ما رفع من قدر (القطب) وأعلاه، قائلا بكل صراحة وتأييد: ” إنما نحن لرأيك أيها الشيخ متـبعون، وبه على مرِّ الزمان آخذون“.
قال الأستاذ: ذلك هو كل من عرفه جدِّي من الشخصيات العلمية البارزة في عصره، ودان بها، واعترف لها... فقلت له وأنا شديد الإعجاب بما أسمع: حُقَّ -والله - للنفس العظيمة أن لا ترتاح إلا لمثيلتها في العظمة، وصنوِها في التفوُّق، فكلُّ قرين إلى شكله، وكلُّ زعيم إلى كُفئه؛ فلعمري ما كان يليقُ بتلك الشخصية السياسية البارزة إلا هذه الشخصية الدينية الفذَّة. وما مَثلُهما في صداقتهما وعظمتهما إلا كمثل النجاشيِّ الملك، ومحمد الرسول..!!!
ثم استأنف الأستاذ حديثه في غبطة وارتياح، فقال:
وهنا نقطة تاريخية جديرة بالاعتبار، رويتهُا عمن أثق به ممن حضر تلك الجلسة - وهي النقطة الوحيدة التي لا يعرفها اليوم أحد سواي...
فقلت في نفسي: بُشرى! هذه هي الحقائق التي أنشدُها، والأسرار التي أنقِّب عنها في تاريخ هذا العبقري العظيم.مما يكشف عن أسرار عظمته، ويزيح الغموض عن كُنه شخصيته،فقد طالما عظم شغفي بها، وتاقت نفسي إلى استكناه دقائقها وتتبع جزئياتها.
ثم تابعت إقبالي عليه أسأله بكل لهف وشغف؛ وما ذاك أبت العزيز...؟
فقال: لم يكد جدي يفرغ من جوابه الحاسم للقطب في هذه الجلسة التي حدَّثتك عنها، حتى انطلق لسانه [أي القطب]رحمه الله انطلاق السجين من الأسر يردِّد هذه الكلمة ويعيدها:”اللهم ارزقه من صُلبه ولدًا يُحيي العلم، اللهم ارزقه من صلبه ولدًا يحيي العلم...!!!“.
فما سمعتُ هذا النبأ العظيم... حتى طفقتُ أكرِّر بيني وبين نفسي:لله العجب ما أشبه هذه الدعوة بدعوة إبراهيم.
نعم؛ إن هذه الدعوة التي بعث بها القطب - يرحمه الله - وهو يرفع قواعد الدين، وينشر مبادئ الإيمان بين المسلمين،لَـعَينُ تلك الدعوة التي بعث بها إبراهيم وهو يرفع القواعد مع البيت وإسماعيل {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيـَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمُ ءَايَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمُ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [البقرة: 128-129]فذهبت مجللة تدوي في عالم السماوات تتلقاها الملائكة بأجنحتها الخضراء، واحدًا واحدًا، إلى أن بلغت ذروة العرش، فما برحت أن انقلبت من الملكوت الأعلى، وقد أذن الله لها بالقبول، روحاً زكية طاهرة، وعادت من المحل الأرفع نفسًا حرة كاملة، وآبت إلى الناس رحمة شاملة، في شخصية محبوبة سامية...هي شخصية محمَّد صلى الله عليه وسلم في المرسلين، وشخصية ”أفلح“ رعاه الله في العلماء العاملين!!! فاعجب لها دعوة يدعو بها إبراهيم فتنجبُ محمَّدا، واعجب لها كيف يدعو بها محمَّدًا فتُنجب إبراهيم..!!!
لله أنت أيها العظيم ما أعظم منَّتك على الأمَّة الميزابية والجامعة العربية، والدولة الإسلامية..!!
ما أسعد نفسك وأيمن ناصيتك، وأكرمك على ربك يا ”أفلح“! وما أوفر أجرك، وأعلى مقامك، وأهنأ سعادتك في الخلد يا منجب ”أفلح“!!
هذه هي شخصية ”أفلح“ التي أُخرجت للناس مثالاً من الطهر والنبل في الأخلاق، تُشيد أرفع حصنٍ في المملكة الإسلامية بالسنة والقرآن، وتدرِّب على اللغة العربية أعظم فيلقٍ من جنود الإسلام...
هذه هي الشخصية التي ألقت إليها بمقاليد الزعامة أمَّة كاملة في أمور دينها ودنياها، كما ألقت بها لموروثه المصطفى محمد بن عبد الله!
هذه هي شخصية ”أفلح“ الذي كان دعوة ”القطب“، كما كان ”أحمد“ دعوة ”الخليل“، والذي نشأ في حضانة امرأة تدعى ”حليمة“ كما كانت تدعى حاضنة المختار...وشبَّ وترعرع في كفالة جده سيد القرية، ورئيس القواد، وسلطان الوادي كما شبَّ صلى الله عليه وسلم في كفالة جدِّه عبد المطلب سيدِّ البطحاء، وزعيم قريش، وأمير البيت...!!! فهل كان عجيباً ممن طابت مثله مغارِسُه، وكرُمَت أصولهُ وفروعُه، أن يكون في أمته، الإمامَ ”أفلح“ في دولته؛ يشيد بنيانها، ويُعلي كيانها، ويحمي ذمارها، ويُرجع سلطانها...؟ بلى، وإنه لجدير ببلوغ منزلة محمد في مملكته إذا وجد من أبنائه أجنحة يطير بها مثل جناحي الأنصار والمهاجرين والحواريين.!!!
لبيك ”أفلح“ لبيك، كلنا أجنحةٌ تَقيكَ، وتُعليكَ، وتَفديك، وما هذه المجلَّة إلا لِنشرِ دعوَتِك وآرائك في الأصقاع وإبلاَغ صوتِك، ونشر صِيتِكَ في الآفاق؛ فروِّ - يا رعاك الله - بالبلاغة النبوية أقلامها، وثقِّف بالبيان الساحر والحكمة البالغة لسانها، وادعُ ربك أن يثبِّت على الصراط السوي أقدامها، ويجعل الحقَّ والصبرَ شعارَهَا ودِثَارَهَا؟؟؟، وأن يمدَّ في حبل حياتك حتى تراها وقد بزغت كالشمس في سماء القُطر، وتبوَّأت بين مصافِّ المجلات الرفيعة في الأمم العربية مقعدَهَا، ورفعت باستقلال الشمال نداءها، وأعلنت بإمامتك العظمى عليه فوافتك تجرُّ أذيالها..
فريد
تعليق الشيخ سعيد بن بالحاج شريفي (الشيخ عدُّون) رحمه الله على مقال المرحوم الشيخ حمو فخار في ”جريدة الشباب“:
”الشباب“ : ولله أنت يا فريدًا في الغوص على حِكم الله وأسراره في خلقه، ما أبدع هذه المقارنات، وما أعظم توفيقك واهتداءك إليها، وما وفَّقك الله إليها وأجراها على قلمك إلاَّ ليجعل من هذه المقارنات حقائق نؤمن بها وتُرينا عجيب أمر الله، وتُطلعنا على حكمته في خلقه، وتزيدنا إيمانًا بعبقرية الأستاذ وعظمته. سبحانك اللهم ما أعظم شأنك وما أعزَّ سلطانك..
عدُّون
------------------
الهوامش
(1) هو أستاذنا الجليل الإمام الشيخ إبراهيم بيوض -رحمه الله -.
نشر المقال بدورية الحياة، العدد: 09، 1426هـ/2005م، ص199.