الجـراد... جند الله الأعظم !!!
الأستاذ: الشيخ بالحاج عيسى بن محمد(1)

الحمد لله {الذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ}(2). نحمدك اللهم يا من سجدَت له الأكوان خضوعًا لعظيم سلطانه، وحفدت له الخلائق خشوعًا لجليل نعمائه، وخضعت له النفوس جزوعة لشديد عقابه، وخشعت له القلوب طَلُوعة لجزيل ثوابه. {مَآ أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ بِمَا كَسَبَتَ اَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ}(3)، وأشهد أن لا إله إلا الله {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ}(4)، {لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ َإِذَآ أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِنْ وَّالٍ}(5).
يا رب ظهر الفسادُ فنجِّنا، يا رب قَهَر العدا فانصُرنا، يا رب طمَّ البلاءُ فأغثنا، يا رب عمَّ الغلاءُ فأغننا، يا رب قلَّ الحياءُ فاستُرنا، يا رب طفح الرياءُ فأخلص أعمالنا ابتغاء مرضاتك.

قَصدتُ باب الرجَاءِ والناسُ قد رَقدُوا.:.:.وَبِتُّ أشكُــو إلى مَولاَيَ مَا أجِدُ
وقلتُ يَا أملِي في كلِّ نائبــــةٍ.:.:.يَا مَن عليه في كَشفِ الضُّـرِّ أعتمِدُ
أشكــُـو إِليكَ أمورًا أنتَ تَعلمُهَا.:.:.مَا لِي على حملِهـــا صبرٌ ولا جَلَدُ
لقد مَدَدتُ يَـــدي بالذُّل مُفتَقِرًا.:.:.يــا خَــيــرَ مَن مُـــــــدَّت إلــيـه يـَــدُ
فــــلا تــــردَّنــــها يا رب خــــــائــبــــــة.:.:.فبحـرُ جودِك يَروِي كلَّ من يــَرِدُ
وأشهدُ أنَّ سيدنا وعظيمنا وحبيبنا محمداً رسول الله، مبعوثُ العناية الإلهية رحمةً للعالمين، ورسولُ الهداية الربانية سراجًا للسالكين، صاحبُ الخُلُق الأسنى، ونسيبُ المقام الأسمى، وربيبُ الشفاعة العظمى، القائل وما ينطق عن الهوى : «والذي نفسُ محمد بيده ما من خدشِ عودٍ، ولا اختلاجِ عِرقٍ ولا عثرةِ قدم إلا بذنبٍ، ويعفو الله عن كثير».
بِك يا بن عبدِ اللهِ قامَت سَمحَةً.:.:.بِالحقِّ مِن مِنَن الهُدى غَـــرَّاءُ
لَــو أنَّ إنســــانًا تخـــيَّــر مِــلَّــةً.:.:.مَا اختَـارَ إلاَّ دِيــنَـكَ الفُــقَـرَاءُ
المصلِحُونَ أصابِعٌ جُمِعَت يَـدًا.:.:.هِي أنتَ بَل أنتَ اليدُ البيضـَاءُ
اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على نبيئك وخيرة خلقك، وعلى آل بيته الأطهار، وصحابته الأخيار، وعلى من استنَّ بهديه وسار، واقتبس من نوره واستنار، إلى {يَومَ لاَ يَنْفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ إِِلاَّ مَن اَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيم}(6).
أيها الإخوة المؤمنون الساعون إلى ذكر الله، ويا أيها المتنسِّمون برد الطمأنينة في جوار الله، ويا أيها المتفيِّئون ظلال السكينة في بيوت الله، وقد ادلهمَّت الخطوب، واحلولكت الآفاق، واشتدَّت الأعاصير، وأقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، واغبرَّت السماء بدخان مبين، فزاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر، كيف لا وذي الدنيا تسلَّط عليها شياطين الإنس في كل مكان، يدرؤهم فيها مردة الجان في كل آن، تستفز الموحِّدين لتفسد راسخ إيمانهم، وتجلب على الصالحين لـتُذهِب خالص أعمالهم، وتدفع بالمكابرين دفعًا لاستظهار باطلهم، وتدع الجاهلين دعًّا إلى استكثار شرورهم، فدها البشر من الانحراف بأكثر مما دها الترب من الانجراف، وتلوَّثت سماء الفضيلة بالآثام بأشد ممَّا تلوث به فضاء البسيطة من غاز سام، وتحوَّل العالم المتمدِّن الماجن عن مواطن الفضيلة ليرتع في معاطن الرذيلة، واستقل الورود من معين الخلال ليكرع هيمًا من مستنقع الضلال، فصال في ميدان السوء وجال، فجاء فيه من الصنوف بما لا يخطر على بال، ولكأني به يردِّد قول القائل:
وكُنتُ امرءًا مِن جُندِ إبليسَ فارتَقَى.:.:.بِيَ الحالُ حتَّى صارَ إبليسُ مِن جُندِي
فـَلَو ماتَ قبلِي كنتُ أُحسِن بَعـدَهُ.:.:.طَرائِقَ فِسقٍ لم يَكُن لِيُحسِنَهَا بَعدِي
وما ثَقَبَ الأوزونَ، ودمَّر أكسيجينَ الأمازون، ونشَّط إعصارَ ”الإننوي“ المجنون، وأثارَ الحرب الأتون، وأوجدَ من الأوبئة والأمراض التي لم تكن قبل قرون. إلاَّ ما كسبته أيدي الناس من المعاصي والمنكرات، والمظالم والموبقات. وما نعرف التعبير بما كسبت الأيدي في القرآن يطلق إلاَّ على ما تكسبه الأيدي من الذنوب والآثام التي يعلَّق عليها الجزاء الأوفى {يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لاَ يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لاَ ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ}(7).
ولقد ظهر الفساد في البر والبحر بما لم يكن يحدث في غابر الزمان، بل ولا في قاصده. وإن البشرية لتمرُّ بأحلك أيامها، وإنَّ الأرض لتعيش أتعس ساعاتها، في حين تألُّـهِ العلم وتقدُّمِه، حتى صار المرء يرى أقصى ملكه كما يرى أدناه، وطار الناس في الفضاء استكبارًا لعلهم يبلغون أسبابها، أو يطلعون إلى إلهها، وقد ضاقت الأرض بما رحبت على من فيها، ولأن يسير الناس على الأرض وهم أطهار خير لهم من يطيروا في السماء وهم فجَّار، ورغم تطور المدنية واخضرار دمنتها حتى ازيَّنت الأرض وأخذت زخرفها فظن أهلها أنهم قادرون عليها، وقد فتح الله عليهم أبواب كل شيء، فطغى فراعنة الزمان الحاضر بأكثر مما طغى به فراعنة الزمان الغابر، فكان الواحد منهم اليوم يقول احتقارًا: أليس لي ملك الأرض وهذه القطعان من البشر في قبضتي، بينما ادَّعى فرعون موسى افتخارا فقال أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي.
ولقد صار المرء اليوم إذا مرَّ على القبور يتمنَّى أن لو كان مكان أصحاب القبور، أو يصعد إلى السماء زافرا وهو يقول:
يَا ليتَ السماءَ على من تحتَهَا هَبَطت
وانشقَّت الأرضُ فانجابَت بِمَن فِيهَــا
وما الآفات والعاهات، والمخافات والسنوات، والحشرات والفيروسات، التي تصيب الناطقَ من الحيوان والعجماوات إلاَّ نُذُر ونقم، يصرفها في كل يوم، ويفصلها في كل قوم من لا تأخذه سنة ولا نوم، ويجريها رتيبة في المعاد من هو قائم بالمرصاد، {فَكُلاًّ اَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُم مَّنَ اَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنَ اَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الاَرْضَ وَمِنْهُم مَّنَ اَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}(8).
وهذا الذي دفعني اليوم إلى أن أقف في هذا المقام ـــ ولعله في غفلة من الذين {يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً اَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ}(9) ـــ متسائلا عن الآفة التي أصابت بلادنا ولا تزال، والجائحة التي دمَّرت خيراتِنا ولا تبُال، بعد سنين من القحط والجدب، أعقبها عام من المطر والخصب، فاستبشر الناس في غير شُكر، وتطلَّعوا في غير ذكر إلى عام فيه يُغاث الناس وفيه يعصرون، وإذا بمالك جنود السماوات والأرض يُصدر أوامره العسكرية إلى فرقة من جنوده بالتحرك فورا إلى بلاد تسمى الجزائر غازيا، فاقتحم الحدود جوا وبرا، بكل عدده وقيادته، وبكامل عتاده وعدته، ممتثلا تعليمات ربّه الأعلى، لا تصد زحفَه مدفعية ميدان، ولا توقف تحركه كتائب فرسان، ولا تقيد غارته أسراب طيران، فأقام قواعده العسكرية في ربوع البلاد، شمالا وجنوبا، شرقا وغربا، استعدادًا ليشنَّها حربًا شعواء، فراح يديرها كما أراد، زمانا ومكانا، ويُغِيـرُ كما يشاء زرافات ووحدانا، تدمر كل شيء بأمر ربها، لا يترك حبّا، ولا عنبا ولا قضبا، ولا فاكهة ولا أبّا، كالريح العقيم ما أتت على شيء إلا جعلته كالرميم. وما خلفه هذا الجند من دمار في شهر مايو من هذا العام في الأجنة والنباتات، ليشبه ما خلفه الزلزال من دمار في شهر مايو من العام الماضي في الأبنية والبيوتات. فلله ما أتعس شهر أيار على البلاد وما أشقاه على العباد {وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّنَ الاَنْبَآءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ}(10).
أيها المستمعون الأفاضل: لا شك أنَّ كل واحد منكم قد أدرك في نفسه، وتيقن في قلبه المقصودَ من هذا الجند، إنه الجراد. هذا الجند الذي يبسطه الله كيف يشاء {فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَّشَآءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّنْ يَّشَآءُ}(11) عبرةً لأولي الأبصار. فما ذا تعني كلمة الجراد؟ وهل هو من جند الله حقا؟ وهل يسلطه الله على من شق عصا طاعته فبغى على عباده وطغى في أرضه؟
للإجابة عن هذه التساؤلات أيها الإخوة المؤمنون تعالوا أصحبكم معي في هذه الجولة القصيرة في رحاب كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما فيما أثبته العلماء في أقوالهم ممَّا استنبطوه من عميق فكرهم، وسديد نظرهم.
فالجراد إنَّما سُمي جرادًا لأنه يجرُد ما على الأرض ولا يدع شيئا، وهو من جنود الله يسلطه الله على من يشاء من عباده. والأرض المجرودة هي التي أكل الجراد نبتها، واحتنك ما عليها من نبات فلم يبق منها شيئا.
وإذا جئنا إلى كتاب البارئ جل في علاه لننظر مواقع ورود كلمة الجراد في محكمه، وكم تكررت في بديع نظمه، نجد ها قد ذكرت مرتين اثنتين، وفي موقعين مختلفين لا ثالث لهما، وفي كل موقع منهما مشهد جلل يهدُّ الجنان، ويدكُّ البنيان، وتخشع الأصوات فيه للرحمن، فلا تسمع إلا همسًا:
أمَّا المشهد الأول فوَرَد في سياق صنوف الآيات التي أرسلها العزيز الجبار على فرعون موسى الذي {كَذَّبَ وَعَصَى ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى فَحَشَرَ فَنَادَى فَقَالَ أَنَا رَبـُّكُمُ الاَعْلَى}(12) فقال عز من قائل: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ ءَايَاتٍ مُّفَصَّلاَتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُّجْرِمِينَ}(13) فأكل الجراد كل ما على ظهر الأرض من نجم وشجر، حتى الأبواب والدسر. وقد كتب على صدر الجراد جند الله الأعظم. ويا ما أشد وقع كلمة ”أرسلنا“ في كتاب الله على النفوس، فهي قرينة بعذاب الله وإنزال سخطه في كثير من آيات الذكر الحكيم، ففي قوم {عَادٍ اِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ التِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلاَدِ}(14) يقول الشديد المحال: {وَفِي عَادٍ اِذَ اَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ اَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ}(15). ويقول في ثمود {الذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِي}(16) {إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ}(17). وفي {الْقَرْيَةِ التِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ}(18) يقول {إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا اِلاَّ ءَالَ لُوطٍ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ}(19). وحين زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر إذ تحزبت الأحزاب على عهد رسول الله يوم الخندق يقول: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمُ إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا}(20).
فالجراد معاشر السادة المستمعين جندٌ من جنود الله التي قال فيها من له جند السماوات والأرض {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبـِّكَ إِلاَّ هُوَ}(21). وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الجراد فقال: «أكثر جنود الله؛ لا آكله ولا أحرمه»(22)، وقال: الجرادُ خلقٌ عظيم يأكل من رزق الله ولا يجري عليه القلم(23). وكان عليه الصلاة والسلام يدعو على الجراد فيقول : «اللهم أهلك الجراد؛ أهلك كباره، واقتل صغاره، وأفسد بيضه، واقطع دابره، وخذ بأفواهه عن معايشنا وأرزاقنا إنك سميع الدعاء». فقال رجل يا رسول الله كيف تدعو على جند من جنود الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم : «إنها نـثرة حوت في البحر»(24). وقال ابن عباس رضي الله عنه وقد سئل «لماذا لا تأكل الجراد ؟ فقال لأنه رجز وعذاب، وهو جند الله الأعظم الذي يُعذِّب به». وتغذى ابن عباس يومًا وقد كفَّ بصرُه عند مولاه عكرمة، فسقطت جرادةٌ على الخوان فناولها عكرمةٌ ابنَ عبَّاسٍ فقال ابنُ عباس:
«يا عكرمة، إنه مكتوب عليها بالسريانية، إني أنا الله لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي، الجراد جند من جندي أسلِّطه على من أشاء من عبادي»(25). وقال المنذري: «أكثر جنود الله الجراد؛ إذا غضب على قوم أرسل عليهم الجراد ليأكل زرعهم وأشجارهم ويظهر فيهم القحط إلى أن يأكل بعضهم بعضا فيفنى الكل»(26). وسئل شريح القاضي عن الجراد فقال : قبح الله الجراد، فيها خلقة سبعة جبابرة: رأسها رأس فرس، وعنقها عنق ثور، وصدرها صدر أسد, وجناحها جناح نسر، ورجلاها رجل جمل، وذََنَبها ذَنَب حيَّة، وبطنُها بطن عقرب(27).
أيها الإخوة المؤمنون: إنه لمن عجيب غفلة الإنسان، وعظيم غبائه أن يقصر نظره، ويجمع تفكيره في هذه الحشرة التي اكتسحت الأراضي، وأعيت الطبيب الذي يداوي في حجم جسمها، وطول ذيلها، وفي توالدها وتكاثرها، ومدة بقاء بيضها جاهزًا للإخصاب، وعن تحركها في نظام عجيب تحرك الجنود في المعارك والخطوب، وعن طرق مقاومتها وإبادتها، والأعجب من هذا أن يخرج كثير منا لنـتسلى بمشاهدت طيرانها، ونمتع فضولنا الغبي بمنظر تحركها، وربما نزحف خلفها محاولين اصطيادها لنشبع بها نهمنا، أو نصبّ عليها جام غضبنا ، ثم نحاول بعد ذلك تلفيق الأسباب عن سبب وجودها، ودافع مجيئها بعيدا عن التأمل القلبي، والنظر العقلي، والربط الإيماني لهذه الآية بالواقع المعيش المؤلم الذي نعيشه منتهكين محارم الله، والدرب المظلم الذي نسلكه بعيدين عن تعاليم الله، منحرفين عن سنة رسول الله, وكأن قلم القدرة قد خط لنا في أزله صكا ألا يصيبنا عـذاب من عنده أو بأيدينا مهما اقترفنا، كلا {أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنُ اُوْلَئِكُمُ أَمْ لَكُم بَرَآءَةٌ فِي الزُّبُرِ}(28). أم لأننا نحسب العذاب بعيدا وقوعُه عنا نحن المنتسبين إلى أمة محمد أن كنا خير الأمم، كلا فما هي من الظالمين ببعيد.
فما بالنا لا تأخذنا البأساء والضراء، ، وقد سفكنا الدماء فكان بعضنا يضرب رقاب بعض جهارا، لا نرجو من الله وقارا، واستحللنا الأموال فصار بعضنا يسطو على أموال البعض نأكلها بالباطل استمراء، وكيف لا نأذن بحرب من الله ورسوله ونحن قد ولجنا أبواب الربا بمصراعيه نتعاطاه انتهاكا لا قهرا. واستبحنا الأعراض نغشاها فجورا وفخرا، بطنا وظهرا، علنا لا سرا، واستطبنا المسكرات تغتالنا حشيشا وخمرا، عشية وبكرا، فما ترى من القوم ـ إلا من رحم ربي ـ نهيا ولا أمرا، والله تعالى قد ربط الأسباب بالمسببات والنتائج على حسب مشيئته، فما يتعرض له الناس من آفات زراعية وغيرها فبسبب أعمالهم. {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبـِّكَ إِذَآ أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ اِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ}(29). أَمِن بعد هذا نقول هكذا الطبيعة شاءت، وهكذا الجراد جاءت؟
فاللهم لا تؤاخنا بما كسبت أيدينا ولا بما فعل السفهاء منَّا، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. أقول قول هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه يغفر لكم، واشكروه على نِعَمِه يَزِدْكُم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
الحمد الله ولي الصالحين، والصلاة والسلام على رائد الفالحين، وعلى من اتبع هداه من المفلحين.
أمَّا المشهد الثاني الذي وردت فيه كلمة الجراد في محكم التنزيل معاشر السادة فمشهد كلنا ناظره، ومصير كلنا وارده، وباب كلنا والجه، مشهد تصطك لسماعه الآذان، وترتعد لهوله الأبدان، ويخسأ لشدته الثقلان، فاسمعوا بقلوب خاشعة وعيون دامعة إلى العزيز المقتدر وهو يقول: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ وَإِنْ يـَّرَوَا -ايَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَآءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّنَ الاَنْبَآءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِي إِلَى شَيْءٍ نُّكُرٍ خُشَّعًا اَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الاَجْدَاثِ كَأَنـَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِي يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ}(30).
معاشر السادة المستمعين إذا كان الحديث في الخطاب الأوَّل قد دار حول آفة الجراد الحشري ، وما يخلفه من دمار في الأرض بإذن رب السماوات والأرض ، وقد تبين لنا أنه جند الله الأعظم الذي يسلطه على من يشاء، وأنه يأكل من رزق الله ولا يجري عليه القلم، وأنه إنما ضرره لا يجاوز الحياة الدنيا، التي سيأتي عليها وعلى كل شيء سوى الله هلاك وإن طال أمدها، واستطابها عابدها، ، فما بالكم إخوتي الأعزاء بالجراد الفتَّاك والحيوان السفَّاك، الذي يسعى في الأرض فسادًا، يُبارز ربَّه عنودا، ويعرض عن دينه صدودا، لا يلوي على ناصح ينصحه، أو عاذل يَعذِله, إنَّه الجراد البشري المتولِّد عن التسيُّب الأُسري، والتسلُّل الهجَري، جميعًا وأشتاتًا، صيفًا وشتاءً، يجوس خلال الأجنَّة والديار، يستبيح النخيل والأشجار، ويفسد الفواكه والثمار، ويخرِّب الأحواض والآبار، ولا يسلم منه حتى الغنم والأبقار. فسلوا إن شئتم الفلاح المسكين، وما يزفره من أنين، واستمعوا إلى ما تتناقله الأخبار في كل حين، تدركوا الواقع عين اليقين. على أنَّ الجراد البشري لا يأتي فقط على ما تُقلُّه الأراضي من نبات، وما تغله الأشجار من خيرات كما يفعل الجراد الحشري، بل هو ينتهك في طريقه كذلك الأعراض، ولا تسل عما يقع بين الأحداث، في الهواجر والعشيَّات، في غفلة من الآباء والأمهات، وفي سعة من الجِدَة والأوقات.
ومن رعَى غنَمًا في أرضِ مَسْبَعَةٍ
وَنَامَ عنهَا، تَوَلَّى رَعيَهَا الأسَدُ
ولعمري وكأني بهم عن الآخرة غافلون، وبعذاب ربك غيرُ موقنين، {أَلاَ يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنـَّهُم مَّبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ}(31)، ألا يتقون يوم يبعثون {خُشَّعًا اَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الاَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ}(32). فيا لهول ذلك اليوم، ويا ما أفظع عاقبة الظلم. {وَسَيَعْلَمُ الذِينَ ظَلَمُواْ أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ}(33).
ألا أيها الناس فلنهبّ لمقاومة الجراد البشري قبل محاربة الجراد الحشري، فالجراد الحشري إلى أمد، والجراد البشري إلى الأبد، والجراد الحشري بلاء وابتلاء ما نحن عنه بغائبين، ولا عن فساده بمسؤولين، ولكن الجراد البشري إن لم نقم بمقاومته وتقويمه كنّا معه جميعا وقود نار الجحيم {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلآَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُومَرُونَ}(34).
أيها الإخوة الأعزاء: لنستعمل ما شئنا من مُبيداتٍ فتَّاكة تقضي على الجراد، ولنعدّ له ما استطعنا من قوة لمقاومة ما يسببه من الفساد، فإنه لا محالة في النهاية غالب، كيف لا وهو جند الله وقد سبقت كلمته بغلبة جنده {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ}(35)، ولكنا إن أردنا أن يرفع عنا العفو الغفور هذا البلاء، ويدفع عنا القوي العزيز هذا الوباء، فعلينا أن نعدُّ المبيدات التي تقضي على زيغ العقيدة في القلوب، والمعدات التي تفتك بوساوس النفس في الصدور، والعزيمة التي تدمر أعشاش المعصية في العقول، ومن ثم نكون قد نصرنا الله فحققنا الشرط واستحققنا الجزاء ومن شرط كل شرط جزاء {إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتَ اَقْدَامَكُمْ}(36). وإنه لا نجاء من بلاء طافح سوى خبيئة من عمل صالح. وإذا كان الجراد يتجرد من ثيابه إذا اشتد ليطير بجناحيه فيزداد ولوعا بالفساد، فهلا تجردنا نحن معاشر عباد الله من دثار الآثام، وسرابيل المعصية إذا ذُكّرنا لنطير بأجنحة من نور إلى سبيل الرشاد ؟ فنأمن بذلك مكر الله {فَلاَ يَامَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ}(37). {وَمَا كَانَ رَبـُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ}(38). {وَلَوْ يُوَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ وَلَكِنْ يُّوَخِّرُهُمُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَآءَ اَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا}(39) صدق الله العظيم.
{رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}(40)، {اَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الاَخِرَةِ إِنَّا هُدْنَآ إِلَيْكَ}(41).
اللهم آمن روعاتنا واستر عوراتنا، اللهم احفظنا من الآفات والمخافات، الله حصن نساءنا، واهد شبابنا، وأحسن عاقبتنا، ووفق ولاة أمورنا، وتول أمرنا، {وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}(42).
اللهم أعزّ الإسلام والمسلمين وأخذل الشرك والمشركين، لا إله إلا أنت سبحانك إنِّي كنت من الظالمين. {اِنَّ اللَّهَ وَمَلآَئِـكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيءِ يَـآ أَيـُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}(43). صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.
{سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلاَمٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}(44).

 

--------------------
الهوامش
1 ـ أصل المقال خطبة جمعة ألقيت بالمسجد الكبير بالقرارة، ميزاب، الجزائر. والكاتب أستاذ بمعهد الحياة. القرارة.
2 ـ الشورى، الآية: 25.
3 ـ الشورى، الآية: 30.
4 ـ الرعد،الآية: 09
5 ـ الرعد، الآية: 11
6 ـ الشعراء، الآيتان: 88، 89.
7 ـ غافر، الآيتان: 16، 17.
8 ـ العنكبوت، الآية: 40.
9 ـ التوبة، الآية: 126.
10 ـ القمر، الآيتان: 4، 5.
11 ـ النور، الآية: 43
12 ـ النازعات، الآيات: 21 ـــــ 24.
13 ـ الأعراف 133.
14 ـ الفجر، الآيات: 06 ــــ 08.
15 ـ الذاريات، الآيتان: 41، 42.
16 ـ الفجر، الآية: 09
17 ـ القمر، الآية: 31.
18 ـ الفرقان، الآية: 40.
19 ـ القمر، الآية: 34.
20 ـ الأحزاب، الآية: 09.
21 ـ المدثر، الآية: 31.
22 ـ ابن ماجه، السنن، باب صيد الحيتان والجراد، ح3218، ج2، ص: 1073.
23 ـ القرطبي، التفسير، ج7، ص: 268.
24 ـ الترمذي، السنن، باب ما جاء في الدعاء على الجراد، ح 1823، ج 4، ص: 268.
25 ـ الأصبهاني، حلية الأولياء، ج1، ص:223.
26 ـ أبو الطيب أبادي، عون المعبود، ج10، ص:206.
27 ـ ابن كثير، التفسير، ج2، ص:241.
28 ـ القمر، الآية: 43.
29 ـ هود، الآية: 102.
30 ـ القمر، الآيات: 01 ـــــ 08.
31 ـ المطففين، الآيتان: 04، 05.
32 ـ القمر، الآية: 07.
33 ـ الشعراء، الآية: 227.
34 ـ التحريم، الآية: 06.
35 ـ الصافات، الآيات: 171 ـــــ 173.
36 ـ محمد، الآية: 07.
37 ـ الأعراف، الآية: 99
38 ـ هود، الآية: 117.
39 ـ فاطر، الآية: 45.
40 ـ الأعراف، الآية: 23.
41 ـ الأعراف، الآيتان: 155، 156.
42 ـ البقرة، الآية: 128.
43 ـ الأحزاب، الآية: 56.
44 ـ الصافات، الآيات: 180 ـــ 182.


نُشر المقال بدورية الحياة، العدد: 08، الصادر في رمضان 1425هـ/ نوفمبر 2004، ص: 229.

اسم الكاتب