إنَّ الواقعية الإسلامية عند أبي اليقظان(1) تصورٌ، وطريقةٌ لطرح القضايا، وكيفية فهمها، إنها استيعاب الكاتب لآلام أمته، وآمالها، وتشخيص أداوئها، وضبط مقاييسها وأفق منظور فكره، وما يستلزم عصره وما تقتضيه أحداث زمانه؛ كما يذهب إلى ذلك محمد ناصر (2).
فكان تصوره للواقع والحياة تصوراً «واعيًا برسالته الحضارية... حاملاً بين جنبيه قلباً يفيض بالمحبة والإشفاق لكلِّ إخوانه المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها يشجى للآلامهم ويندد بأعدائهم، ويكشف عوار الخونة والمنافقين»(3) .
فالواقعية عنده واقعية الفكر وواقعية الأسلوب إذ «نلمس فيها غناها اللغوي بحيث يخيل إلى الناقد أنَّ المادة اللغوية كانت تنسال على يد الكاتب... ليختار منها ما يؤدِّي وظيفة الواقعية وأنَّه كان يقتطف ألفاظه من واقع الحياة لا من القواميس والكتب»(4)، وهذا ما نراه في جرائده بخاصَّة إذ يقول في أوَّل عددٍ: «أيُّها الجزائري إن رأيت أخاك عنك بعيداً أو بينكما فروق، وحواجز ومسافات، فالواقع بخلاف ذلك فقد ألحم الله بين غرائزكما بلحمة الدين، وجمع نشأتكما بعلاقة النسب، ووصل بين نفوسكما بِصِلَة الجنس، وربط بين أجسادكما برابطة الوطن، ووحَّد ما بين لسانكما بوحدة اللغة، وأظلَّكما بسماء واحدة، وأنضج عقولكما بشمس واحدة، وأنعش أرواحكما بهواء واحد، فوق أرض واحدة، أفلست بعد هذه العلاقة المتينة أنت هو، وهو أنت؟»(5).
من هذا النص السابق نلمس واقعية الفكر، وواقعية التعبير، وواقعية التصوُّر للوطن الجزائري، إذ لا يمكن للمصلح أن يدعو إلى أكثر مما دعا إليه أبو اليقظان، ولا يمكن لأيٍّ كان أن يتصوَّر وحدة قوميَّة واقعية أكثر مما تصوَّر أبو اليقظان بحسِّه الشاعري وبإيمانه التوحيدي، وكلُّ ذلك لأنَّ الأديب فردٌ من هذه الأمَّة، أي أنَّه «ليس عنصراً غريباً عن المجتمع، وليس مثالياً في منزعه الفكري وفي تصوُّره لما هو واقع في ركب الحياة بجميع مظاهرها المختلفة».(6)
فأبو اليقظان في تصوُّره هذا كان فنَّانًا ذا تصوُّر عالمي واقعي، فهو لا يرسم صورة لواقعه مزيفة أو كاذبة وإنَّما يصوِّر كل ما يراه وكل ما يحدث التوازن الاجتماعي فعلا، لأنَّ الشعب الجزائري فعلا ألحم الله بين أفراده بالدين واللغة والنسب والوطن الواحد... فكلُّه في فلك الوحدانية.
ومن تصوراته الواقعية لظاهرة الفقر التي يقول عنها: «إنَّ أشد على الناس هونا وأعظم لديهم خطراً؛ هو ذلك الشبح الأسود البشع الصورة الفظيع المنظر، القبيح اللون، ألا وهو الفقر.. فتِّش في العالم كلَّ قلب من كلِّ إنسان تجده مفعمًا بالخوف والذعر من الفقر، يختلف الناس في اكتساب المعاش إلى طرائق ومسالك، ويذهبون فيه إلى مذاهب، وينزعون بسائر الذرائع من حلال وحرام، وسائق الجميع واحدٌ هو الخوف من ذلك الشبح الأسود، شبح الفقر»(7).
إنَّ النص السابق هو: «كلُّ ما تحمله الواقعية من دلالات لمصطلح أدبي يدخل حقل النقد الأدبي، ويعدُّ الأثر الأدبي تعبيرًا وتفسيرًا لرؤية الأديب للأحداث الاجتماعية والسياسية وغيرها.. وواقعية ليست تسجيلاً للواقع وانحصاراً فيه وتبريراً له أو تزويراً فيه، بل هي موقفٌ فكريٌّ حرٌّ للأديب من ذلك الواقع»(8)؛ إنَّها واقعية تنبض بكل المعاني.
واقعية تجربة من «تجارب الحياة التي تهتز لها نفس الإنسان، وتثير فيها أعمق الانفعالات وأصدقها (9)» ، لأنَّ الواقعية عند أبي اليقظان هي واقعية العمق الفكري والصدق الفني وشمول التصوُّر، ووضوح الهدف، لأنَّ الأديب الحقَّ إذا كان بعيدًا عن ذلك يصبح أدبه «شيئا ضعيف الأثر وضئيل القدر، بعيدًا عن قضايا العصر منعزلا عن مصائر البشر»(10).
ومن هذه الواقعية، هذا الوصف الواقعي لواقع الإنسانية في ظلِّ الاستعمار يقول: «يخدم القويَّ كل جد، ويواتيه كلُّ حظ، ويلائمُه كلُّ ربح، البَـرُّ يرتجف منه، والبحر يخضع له، والجوُّ يمدُّ إليه بساطه، والأرض تُنبت لملء مطاميره، والسحاب لسقي زروعه، والمعادن تفيض بالتبر لخزائنه، والبحار تجود بالجواهر واللآلئ لترصيعِ تاجه، وتَحلِيةِ جيدِه؛ البخارُ يذلِّل ضمَّ الصعاب، والكهرباء تُسخِّرُ له ما عجز عنه أولو الألباب... يرى أنَّه لا قوَّة غير قوته، ولا دين غير دينه، ولا شريعةَ غير شريعته، ولا عقليةَ غير عقليته، والمرضيَّ من رضى عنه، والمغضوبَ من غضِبَ هو عليه«(11)
إنهَّا واقعية الفكر والتصوُّر والمنطق، كما رجَّت في ذهن الكاتب فنقلها إلى المتلقي بكلِّ صدق وأمانة ووفق تصوُّره للحياة، لذلك يضيف قائلاً: «ويرى بموجب ذلك أنَّه يجب عزلُ الله - تعالى الله - من أرضه ومزاحمته في ملكوته، يجب نسخُ دينه وشريعتِه، يجبُ مسخُ نظامه في الكون، وتأسيسِ نظام عصريٍّ جديد على أنقاض نظامِه، هكذا القويُّ، وهكذا آثار القوَّة العمياء»(12).
فهذه واقعيَّة التصوُّر الإنساني حين يتجـبَّر الإنسان منذ فرعون، مروراً بهامان وقارون ووصولاً إلى عصرنا هذا، عصر النظام العالميِّ الجديد، إنَّه التصوُّر الإنساني الواقعي لحركة التاريخ الاجتماعي، وعلاقة القوي بالكون وبالضعيف، وهو ما يمكن أن نكتشفه من خلال الفقرة التالية أيضاً: «أمَّا الضعيف فإنَّه يخونُه كلُّ حظ، ويعثر به كل جد، ويعاكِسُه كلُّ ربح، وتقفُ في سبيله كلُّ عقبة، وينغلِقُ أمامَه كلُّ باب، إن نهض قعد به فقرُه، وإن سعى أخَّرهُ ضعفُه، وإن طرق باباً أوصدَهُ دونَه هوانُه، وإن استغاث خانَهُ خفوتُ صوتِه، حَسنُهُ سيِّئة، صلاحُه فساد، وصوابُه خطأ، وحقُّه باطل، جمالُه دمامة، وعبقريَّـتُه طيش وتجاوُزٌ لطوره، إن تكلَّم الحقَّ سُفِّه، وإن صدق القول كُذِّب، وإن أبدى رأيا سديداً لغا فيه..»(13).
إنَّ المتأمل في النص السابق يحسُّ أنَّ أبا اليقظان يتناول قضايا الحياة من داخل نفسه وبوحي انفعاله الصادق العميق(14). لذلك نرى واقعية الطرح والتفاعل مع الواقع والفكرة، فهو تصوُّرٌ فكريٌّ وموقفٌ من الواقع، ولذلك يقول محمد مصايف: «إنَّ أول ما يميِّز الأدب الواقعي من غيره ارتباطُه الوثيق بالواقع الذي يشكِّل الموضوع الأساسي، إن لم يكن الأوحد لهذا الأدب في المغرب العربي، وهو واقع المجتمع، وواقع الإنسانية كلِّها، بل إنَّ بعض النقاد الواقعيين المغاربة يعتبرون الواقع الإنساني أصلاً لكل الموجودات... فالواقع الإنساني بهذا الاعتبار هو المادة الأولى التي يستوحيها الأديب في التعبير عن مشاعره ومواقفه، وفي وضعه الاجتماعي بما يطبعه من بؤس أو رخاء، وعلاقته بالإنسان والأرض وموقفه من الأنظمة...«(15).
هكذا نحسُّ بهذه الواقعية التي كانت تسيطر على ذهن أبي اليقظان، وتقضُّ مضجعه فلا يملك إلاَّ أن يقول عن هؤلاء الضعفاء الذين نَسَوا إنسانيتهم واستعبدهم الأغنياءُ، وصار الضعف خاصيَّة من خصائصهم، فيقول فيهم بكلِّ أسى وحزن واقعيين: «إنَّ الضعيف جرثومةٌ تلد آلافًا من الجراثيم، فيسري الضعف في المال إلى الدين والأخلاق والمدارك والعقول والنفوس، ويصبح صاحبه ضعيفًا في كلِّ ذلك إلى أن يصير وهو يردِّد الأنفاس في حكم الميت تتقاذفه القوَّة من هنا وهناك«(16).
فواقعية أبي اليقظان كانت هادفة، ناقدة للوضع، لأنَّه كان كاتبًا مصلحا عاش آلام شعبه وأمال أمَّته، فكان فكرُه ينبض بهذا الواقع وكان تصوُّره له تصورًا إسلاميًّا بكلِّ واقعياته ولذلك أبرز لنا الصراع الحضاري بين الإنسان وأخيه الإنسان بكلِّ تناقضات الواقع، فكرةً وأسلوبا وطرحاً لأنَّ جميع كتابات أبي اليقظان تتنفَّس فيه الروح الإسلامية المشبَعة بالإيمان الصحيح، والتصوُّر السليم للكون والحياة، تبدو فيها مهمَّة الإنسان المؤمن ذي الفكر الرسالي، لأنَّ أبا اليقظان رجل سلفي التوجُّه، تربَّى وترعرع في أحضان الإصلاح، فعاش منافحًا عن الدين ممكِّنا له، داعيا إلى التحرُّر من غثائية الطرقية، وميراث عصور الانحطاط، ولذلك يقول في محاضرة ألقاها في تونس عن الحركة الأدبية في الجزائر: «بما أنَّ القصد منها مكافحة الجهل ومقاومة الأمية فهي مفرغة في قالب العلم بما فيه من تنوير الأذهان.. وبما أنَّ الغاية منها إبادة الخرافات والأوهام فهي مطبوعةٌ دائما بخاتم الدين بما فيه من تحرير العباد... وتستمدُّ قوَّتها من كتاب الله وسنة رسول الله وآثار السلف الصالح»(17).
بهذا التصوُّر الواقعي كان أبو اليقظان يمدُّ حباله في كلِّ اتجاهٍ ليُمسِك بالحقيقة الكبرى التي يستطيع بواسطتها أن يبلغ مراده، ولكنَّه حورب حربًا شعواء، وكُـفِّر ورُمي بالزندقة والماسونية والشيوعية(18)، ورغم ذلك فقد أصرَّ على تفكيك ألغام المعارضة بهدوء العالِم وسكينة المؤمن تارة، وبقوَّة المجاهد وثورة الغضب طوراً آخر، يقول مخاطباً العلماء: «فإن نهضتم نهضتم بدينكم وملَّتكم وبلادكم أثناء زوابعها، واستفدتم منها وأفدتم سِواكم بمنافعها، ووقيتم أنفسكم وأهليكم، وكلَّ عزيز لديكم وإلاَّ... لا تبقي ولا تذر(19) فتُصبِحُوا كلُّكم في خبر كان».
فإذا تأمَّلنا النص السابق نجده يقطر واقعيَّة، فالتصوُّر إسلاميٌّ، والأفكار إسلاميَّة، ومصادرها القرآن، إذ أنَّ معظم الأفكار السابقة مستمدَّة من سورة التحريم، وسورة المدثر نتيجة لممارسته الفعلية والقولية للقرآن الكريم وحفظه وتأثُّره بمعانيه، ولذلك نراه في تصوره للواقع المعيش يرى أعداء الإصلاح «كاللصوص لا يعيشون إلاَّ في الظلام، يستشعرون منه بساطة القوم وسذاجتهم، فيكذبون ويقلبون الحقائق، ويقاطعون طرق الإصلاح، ويشوِّهون سمعة المصلحين، كلُّ ذلك بعنوان الصدق وقصد الخير والصلاح وقمع الفساد، فيُصدِّقهم أولئك المساكين، ويرهولون وراءهم طائعين».
ولعلَّ هذا ما جعله يُعلِن في كلِّ مقالة بأنَّ شباب الأمَّة يبتعدون عن الصواب بسبب «قلَّة التديُّن وضعف الإيمان، فإنَّ الإنسان إذا كان قليل التديُّن ضعيف الإيمان يعيش أسير شهواته وإن كان أعلم مَن في الأرض، لأنَّ العلم شيءٌ، وضعف الدين في النفس شيءٌ آخر، بل ربَّما يكون عملُه وسيلة كبرى تُقرِّبه من منال الفجور، إذ بها يفتح مغالق الأسرار ويتوصل إليه الجاهل»(20)
إنَّ التركيز على التديُّن نابع من ثقافته الإسلامية ومن رسالته الإصلاحية ومن الواقع المعيش آنذاك، والذي يقتضي التركيز على الإسلام لأنَّ الحرب الفكرية كانت (إسلامية صليبية)، لأنَّ الصليبية أعلنت عداوتها لكلِّ ما هو إسلاميٌّ على أرض الجزائر بكل فنونها، ولهذا لا نراه إلاَّ وهو يردِّد «إنَّ ضعف الإيمان وقلَّة التديُّن بالإسلام تجعل صاحبها لا يكترث بما يصدر منه من الأعمال، ولا يرى لنفسه حدًّا يقف عنده، يقترف جرائم ويرتكب الموبقات، وهو يهزأ ويلعب، وإن أصابت مقاتل دينه وعرضه وشرفه؛ تهتك حرمة دينه فيصفِّق طرباً كأنما نكل من عدوه، ويخون قوميته فيطير تيهاً وعجبًا كأنَّما لبس تاجًا من العزَّة...»(21).
ونتيجة لهذا التصوُّر الإسلامي الواقعي فهو يرى أنَّ أهم أسباب زوال الأمم واندثارها هو ضعف الإيمان بالله سبحانه وتعالى، يقول: «إذا أصيبت الأمَّة في إيمانها الصادق، وشعورها النامي، وإحساسها الفائز، ولم تكن للحقِّ فيه كلمة، ولا للعلم قيمة، ولا للفضل منزلة، ولا لأصحاب الحقِّ مقام، وكان المقام الأوَّل فيها للباطل، والمكانة الرفيعة لذوي المال والوجاهة والخلاعة، فبشِّرها بالاضمحلال والزوال»، هكذا يتصوَّر زوال الأمَّة غير المؤمنة، ولذلك يركز على الإيمان تركيزاً كبيراً في شتَّى مناحي الحياة، فيقول: «وهل أصاب المسلمين ما أصابهم وخصوصًا في العصور الأخيرة إلاَّ لضعف تلك العقيدة ووهنها من نفوسهم»(22).
ولهذا كتب مقالات كثيرة ساخنة تدعو إلى التحرُّر من العبودية الاستعماريَّة عن طريق الإيمان بالله وحده لا شريك له، لأنَّ هذا وحده هو الذي يحرِّر العبد من الخوف، ومن نفسه، وممن يحيطون به، ولهذا يقول عن القضاء والقدر: «فالذي يؤمن أنَّ لا نفع إلاَّ ما كتبه الله له، ولا ضارَّ إلاَّ ما كتبه الله عليه، لا يحيله إقدامه ولا يردُّه عنه إحجامه، فمن أين يتسرَّب له الجبن والخوف؟»(23). لأنَّ أبا اليقظان يؤمن بأنَّ «الإيمان بالقضاء والقدر - حقا - يجعل الإنسان صابراً على المصائب والمحن والنكبات، ولكنَّه لا يجعله خاضعاً لظلم العبد وعسفه وجبروته، بل كلَّفه الله سبحانه أن لا يخضع لغيره ولا يدين لقوة سواه»(24).
إنَّ هذا التصور الإسلامي الواقعي، وهذه الروح الدينية التي تشعُّ من بين سطور كتابات أبي اليقظان كان الهدف الأساسي منها هو توجيه الشعب الجزائري ليتحرَّر من عبودية الظلم والاستعمار، ولذا كانت الدعوة باسم الإسلام إلى الثورة على فرنسا أو أوروبا كما يسمِّيها في بعض مقالاته يقول: «إنَّ غضب أوروبا مهما اشتد وبلغ في الغليان فإنه لا يتجاوز هذه الحياة الفانية إلى الحياة الباقية، وليس هو في هذه الحياة الدنيا إلاَّ شرارة ضئيلة بالنسبة لغضب الله، وهذه الشرارة لا يعود لها أثرٌ متى أرسل الله شعاعًا من رضائه على عبده؛ شعاعٌ واحدٌ من رضائه تعالى لعبده يطفئُ كامل حريق غضب أوروبا، وكلُّ رضا أوربا لا يطفئُ شرارة واحدة من غضب الله»(25).
إنَّ أبا اليقظان إذ يدعو إلى الثورة على الغرب باسم الإسلام فإنه في الوقت نفسه يتعجَّب من أولئك المسلمين الذين يخافون فرنسا، فيقول بكلِّ مرارة وأسى: «يخاف المرء من حبس يوم واحدٍ ممن لا يملك لنفسه ضرًّا ولا نفعًا، ولا يخاف من حبسه مدَّة العمر ممن الأرضُ والسماءُ في قبضته؛ وهنا نهاية قصور النظر وسوء التفكير»(26).
إنَّه قمة التفكير الإسلامي الواقعي في مجال العبودية والولاء، إذ لا يكون الولاء إلاَّ لله، ولا يمكن للبشر مهما أوتُوا من قوَّة من ضرِّ الفرد أو نفعه.
كما يؤمن بأنَّ ثمار الإيمان عظيمة، وشجرة الإيمان أعظم وأنفع الأشجار في ساعات العسرة والأيام المصائب وشدائد الليالي، لأنَّ «السعادة كل السعادة في الإيمان الصحيح والشقاوة كل الشقاوة في الإيمان الزائف»(27).
فالإيمان في رأيه هو الذي نميز به الإنسان عن أخيه الإنسان، لأنَّه يرفع إلى الأسمى، ويدفع إلى الأفضل، ولذا وجب على من يتصدَّى للإصلاح أن : «يطهِّر قلبه قبل كلِّ شيء من الأوساخ والأدران ليُصفِّه من أوضار الشوك، والخزعبلات، أمَّا أن يشتغل بفرعٍ من فروع الإصلاح وإيمانُه ملوَّث بأدران الشكوك والإلحاد وخرافات الدجاجلة والمشعوذين، فهو كمن يطلب سكَّرًا من بزر الحنظل»(28).
وعلى العموم لا يمكن لنا أن نفصل صفة الواقعية الإسلامية في أدب أبي اليقظان، لأنَّه كان رجلا مؤمنا بـ «التعبير الناشئ عن امتلاء النفس بالمشاعر الإنسانية»(29)، لأنَّ الأدب هو «كلمة طيِّبة تنبع من ضمير الإنسان ووعيِه وفكرِه ومشاعِرَ صادقة أصيلة معبِّرة موحية»(30).
ولذلك كانت مقالاتُه الكبرى تصرخ بعناوين إسلاميَّة كبرى من مثل: «من أين نستورد الرجال؟»(31)، «صولةُ الحقِّ العتيد»(32) «سُقيَا لكم يا أنصار الحقِّ»(33) «مُصاب الإسلام العظيم»(34) «أهكذا الإسلام»(35) «الإسلامُ بين شِقَّي المقراض»(36) «الإسلامُ وسياسة الحلفاء»(37) «الدينُ والإلحاد»(38) «كيف يفهمون الدين»(39) «أمات الرجال أم رُفِع القرآن؟»(40)... الخ.
لا يمكن أن نتتبع الروح الواقعية الإسلاميَّة في أدب أبي اليقظان، لأنَّ الإسلام هو المنبع الذي يغرف منه، والمعين الذي يستقي من معالمه، ولذا كان الإسلام هو المهيمن على أدبه بل القلب النابض في كلِّ كتاباته، والمصدر الثري لأنَّه لا يرى «أنَّ الإسلام هو طهارة وصلاة وزكاة وصيام وإلى ما ذلك، ثم تخريب بقية أركان الدين وزعزعة أُسسه... وسلبُ حرية الأبرار وإطلاق العنان للفجار»(41).
ولكنَّه يفهم الدين فهمًا واسعًا أبعد مدىً إذ يفضي بمجموعه إلى السعادة الحقَّة(42)، لأنَّه من الذين يؤمنون بأنَّ الإسلام دينٌ وشريعةٌ وسلوكٌ ونظامُ حياة.
وعلى العموم فإنَّ هذه هي سمة أدب أبي اليقظان الإسلاميَّة الواقعية بصفة عامَّة، وسمة فكر الرجال الرساليِّين الذين حرَّروا أوطانهم وعلَّموا أممهم، ورفعوا راية الجهاد عالية عبر العصور، ولا عجب في ذلك فهو أديب ومفكِّر وعى حركة الفكر الحديث وصراعه، دعا إلى الفعالية والاتِّحاد، والتمسُّك بالأصالة مع التفتُّح على المعاصرة، تحصينًا للأمة بموروثاتها الحضارية فكان بذلك علَمًا من أعلام الجزائر، ورائداً من روادها المصلحين، مؤسِّسًا فعَّالا لحركة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.
د.محمد زغينة ، جامعة باتنة
--------------------
الهوامش
1) ـ أبو اليقظان إبراهيم بن الحاج عيسى، من مواليد القرارة 1888م، وأحد أقطاب جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ورائد الصحافة في الجنوب الجزائري، توفي سنة 1973 بالقرارة الجزائر.
2) ـ انظر: د. محمد ناصر: خصائص الأدب الإسلامي، مكتبة الضامري للنشر والتوزيع، عمان، 1993، ص23.
3) ـ المرجع نفسه، ص:23.
4) ـ د. محمد صادق عفيفي، النقد التطبيقي والموازنات، ص: 246.
5) ـ أبو اليقظان، ”أيها الجزائري“، وادي ميزاب، عدد: 01/01/1926.
6) ـ محمد عباس، البشير الإبراهيمي أديباً، رسالة ماجستير قدمت إلى كلية الآداب جامعة بغداد، 1983، ص: 339.
7) ـ أبو اليقظان: ”الشبح الأسود“، وادي ميزاب، 109/22/11/1928.
8) ـ محمد عباس، البشير الإبراهيمي أديباً، رسالة ماجستير، كلية الآداب، جامعة بغداد، 1983، ص: 340.
9) ـ د.عبد الحكيم بلبع، حركة التجديد الشعري في المهجر، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1980، ص:58.
10) ـ توفيق الحكيم، فن الأدب، دار الكتاب اللبناني، بيروت، ط2، 1973، ص:313.
11) ـ أبو اليقظان، ”القوي والضعيف“، وادي ميزاب، عدد: 109/22/11/1928.
12) ـ المصدر نفسه، ”القوي والضعيف“، وادي ميزاب، عدد: 109/22/11/1928.
13) ـ المصدر نفسه، القوي والضعيف، وادي ميزاب، عدد: 109/22/11/1928.
14) ـ د.عبد الحكيم بلبع، حركة التجديد الشعري في المهجر، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1980، ص:58.
15) ـ د.محمد مصايف، النقد الأدبي الحديث في المغرب العربي، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1979، ص:289.
16) ـ أبو اليقظان، ”القوي والضعيف“، وادي ميزاب، عدد: 109/22/11/1928.
17) ـ انظر: أبو اليقظان، الأمة، عدد:14/18/12/1934.
18) ـ انظر: أبا العلاء بن الحاج سليمان، جريدة الروح، الجزائر، 1939.
19) ـ انظر: سورة التحريم: آية: 06، وأيضا: سورة المدثر، آية: 28. 29.
20) ـ المصدر نفسه، ”وباء الفجور“، عدد: 91/13/07/1928.
21) ـ المصدر نفسه، ”أهكذا الإسلام؟“، عدد: 76/30/03/1928.
22) ـ أبو اليقظان: ”يمهلون الباطل ويلجمون المحق“، وادي ميزاب، عدد:32/20/05/1928.
23) ـ أبو اليقظان: ”حكمة التشريع الإسلامي“، وادي ميزاب، عدد: 89/29/06/1928.
24) ـ المصدر نفسه: ”حكمة التشريع الإسلامي“، وادي ميزاب، عدد: 89/29/06/1928.
25) ـ المصدر نفسه: ”حكمة التشريع الإسلامي“، وادي ميزاب، عدد: 89/29/06/1928.
26) ـ المصدر السابق، ”الإنسانية بين غضب الله وغضب أوربا“، عدد:109/22/11/1928.
27) ـ المصدر نفسه، ”الإنسانية بين غضب الله وغضب أوربا“، عدد:109/22/11/1928.
28) ـ المصدر نفسه، ”الإنسانية بين غضب الله وغضب أوربا“، عدد:109/22/11/1928.
29) ـ سيد قطب، في التاريخ فكرة منهاج، دار الشررق، لبنان، ط4، 1980،ص:20.
30) ـ د. محمد ناصر: خصائص الأدب الإسلامي، ص:14.
31) ـ أبو اليقظان: وادي ميزاب، عدد:47/02/09/1927.
32) ـ المصدر نفسه: عدد: 56/10/11/1927.
33) ـ المصدر نفسه: عدد: 57/17/11/1927.
34) ـ المصدر نفسه: عدد: 67/27/01/1928.
35) ـ المصدر نفسه: عدد: 67/30/03/1928.
36) ـ المصدر نفسه: عدد: 88/22/06/1928.
37) ـ المصدر نفسه: عدد: 89/29/06/1928.
38) ـ المصدر نفسه: عدد: 104/12/10/1928.
39) ـ المصدر نفسه: عدد: 107/02/11/1928.
40) ـ المصدر نفسه: عدد: 119/01/02/1929.
41) ـ أبو اليقظان: ”إننا نحترم عوائدكم ودينكم فلا نتدخل فيهما“، النور، عدد: 58/22/11/1932.
42) ـ أبو اليقظان: ”إننا نحترم عوائدكم ودينكم فلا نتدخل فيهما“، النور، عدد: 58/22/11/1932.
نشر بدورية الحياة، العدد: 7، (1424هـ/2003م) ص05.