انتشر خلال التسعينيات من القرن العشرين الميلادي الاستخدام المسرف لمفهوم ”العولمة“. والمتأمل لهذا الانتشار السريع والواسع لهذا المفهوم يدرك أنَّ ذلك حصل بدوره بسبب ما تتميَّز به العولـمة ذاتها إعلاميًّا واتصاليا.
إنَّ المفهوم يعبر عن ظواهر ووقائع وتحولات تحمل الكثير لمستقبل مجتمعاتنا. كما تحمل مخاطر جمَّة تهدد مجتمعاتنا والإنسانية والكوكب الأرضي كلَّه، وتجعل الإنسان لأوَّل مرة في تاريخ الإنسان على الأرض يفكر في مصير هذا ”الكوكب - الوطن“ على حدِّ تعبير المفكر الفرنسي ”إدغار موران“.
كما أنَّ المفهوم يعبِّر أيضًا عن الرؤى والمصالح والأهداف التي صنعتها وتسعى لتحقيقها الأطراف الفاعلة من داخل المنظومة الغربية الأمريكية بالذات، فإذا كانت العولمة تعني من بين ما تعنيه لكامل شعوب ودول العالم: حقائق الاعتماد المتبادل، أو التبعية المتبادلة (قسرية أو إرادية) أو تعني لدى البعض ”الأمركة“ أو بداية مرحلة الثورة الصناعية الثالثة، أو بناء المجتمع ما بعد الصناعي أي المعلوماتي، بكلِّ ما تعنيه أيضًا هذه المفاهيم الجديدة من تغيير في الخرائط الجيو-سياسية والجيو-استراتيجية، والجيو-معلوماتية، وانهيار الكثير من من المسلمات المعرفية، وتراجع نفوذ الدولة القومية، وتزايد سلطة نفوذ الشركات الكوكبية المتعددة الجنسيات، وهيمنة قوى السوق الليبيرالية الجديدة عبر التوظيف المكثَّف للتكنولوجيات والعلوم الجديدة.
إنَّها (أي العولمة) تعني باختصار «أن تفكر كوكبيًا وأنت تتحرَّك محلِّيا (Think Global and Act local) إنَّه تحوُّل جذري غير مسبوق في مفهوم ”الزمان والمكان“ و”الأنا“ و”النحن“ و”الآخر“...».
فإذا كانت العولمة تهني تلك التغيرات الطفرية التي تمس بإيجابياتها وسلبياتها حتى المجتمعات التي انطلقت منها مساراتها وديناميكياتها؛ فماذا تعنيه العولمة بالنسبة للمجتمع المحلِّي، وبالنسبة للمجتمع الميزابي بالذات، حاضرًا ومستقبلاً؟ وماذا يُنتظر منا من مجهود تكيُّفي كبير لاغتنام فرصها وتلافي مخاطرها، أو على الأقل التخفيف منها، بحيث نتعاطى مع مقتضيات العولمة من خلال التوظيف الذكي والواعي والنقدي للتراث والتجارب السابقة ورصيد الخبرة المحلية للخصوصية المحلية ذات الامتداد الألفي، على أن تكون النظرة إلى المستقبل المحلي والمحلي والميزابي ورهاناته هي التي تشغل جلَّ اهتماماتنا وتفكيرنا وخططنا لأنَّ التحولات تجري بسرعة كبيرة، تتطلَّب تعبئة التفكير الجماعي من أجل بلورة رؤى استشرافية تقينا من العشوائية والعفوية والفوضوية والانفعالية في التعاطي مع العولمة.
إنَّ العولمة تعني باختصار شديد، تلك المشاهدات والملاحظات والنقاشات التي تحسَّسها جميعًا في حياتنا اليومية الخاصة خلال العقدين الأخيرين من القرن العشرين، ويمكن إيجاز بعضها في الملاحظات التالية:
أ- الحالة السيكولوجية للأفراد والمجتمع:
وهي حالة أخذت تتسم بشكل متزايد بالشعور بظاهرة التسارع والمؤقتية تحت تأثير صدمة العولمة، فوتيرة وحركية الحياة الاجتماعية اليومية تزداد تسارعًا.. يشهد بذلك ما نشاهده من حالة الإرباك التي أصابت الأفراد والمؤسسات جميعًا. إنَّه تعبير سمَّاه ”ألفين طوفلر“ عالِم المستقبليات الأمريكي في عنوان كتابه بـ”صدمة المستقبل“... إنه انهيار سريع لمسلمات وحدود عديدة طالما حرصنا - صائبين أو مخطئين - على الاحتماء بها والحفاظ عليها. بينما أصبحت اليوم ظاهرة التغير هو الثابت.
ففجأة ”تحرَّر“ الأفراد والمجتمع من قيود المكان والزمان المحلي والوطني والبطيء وشبه السكوني، الذي طالما عشنا في كنفه خلال العشريات الثلاث الأولى من الاستقلال، فوجدنا أنفسنا منذ سنة 1989م نسبح في محيط كوكبي تتداعى أمام موجاته حدود وأركان عتيدة عديدة، لتنفتح آفاقنا على عالم متلاطم يتحرَّك بوتيرة الزمن العالمي الحقيقي، فكانت الدهشة والفزع، وبدأنا من جديدة معاناة رحلة البحث عن معالم جديدة لبناء مجتمع ”محلي“ و”وطني“ متكيِّف مع التغيُّرات الانقلابية التي تفصح عنها مختلف أنماط وأشكال العولمة: اقتصادية، إعلامية، سياسية، علمية، تكنولوجية، بيئية، روحية، عسكرية، اجتماعية...
2- التحول الليبيرالي (اقتصاديًّا وسياسيًّا):
ومما تعنيه العولمة بالنسبة لنا أيضًا تلك الدوامة التي عاشتها وتعيشها بلادنا منذ 1985 وخاصَّة خلال التسعينيات: مع انهيار النفط، السلعة الوحيدة التي يقتات منها شعبنا الحديث الاستقلال، الذي يُنتج بشرًا أكثر مـمَّا ينتج ما يعيش به البشر. صاحبت ذلك توترا الانتقال من نظام الحزب الواحد إلى نظام تعددية الأحزاب (الانتقال إلى الديمقراطية)، مع آلام التحول إلى اقتصاد السوق الرأسمالية المتعولمة، بعد 25 سنة من التخطيط المركزي الاشتراكي، فكانت عملية ”الجراحة بالصدمة“ على الاقتصاد الوطني التي أمَّمتها مؤسسة ”الأفامي“ أحد الرموز المؤسساتية للعولمة، من خلال فرض برنامج التعديل الهيكلي وجدولة المديونية الجزائرية خاصَّة ما بين سنوات (1994- 1998). ومازلنا نترقب ما سيحدثه ببنياتنا الاجتماعية، اتفاق الشراكة من أوروبا وكذا الانضمام المرتقب إلى منظَّمة التجارة العالمية في آفاق 2010م، حيث ينتظر أن تقام منطقة التبادل الحر الأورو-متوسطية والعربية.
وقد تزامن ذلك المخاض أيضًا مع مآسي الإرهاب المسمى سذاجة أو عمالة أو مؤامرة ”إسلاميًّا“ وكأنَّه لا بدَّ من أن تعيش بلادنا دوامة العنف، لتمرر الجرعات الموجعة من نصائح بل إملاءات المؤسسات الدائنة، وتبييض أموال رأسماليو الدولة؛ الذين اختاروا الثروة على الثورة في عهد بومدين، وانتهزوا فرصة انطلاق القطار المتلاطم للمرحلة الانتقالية الجارية نحو اقتصاد السوق والنظام الديمقراطي، فكانت الخصخصة للمؤسسات الصناعية وما تزال، وكان تسريح العمَّال وتفاقم البطالة وما تزال، بينما تدخل الشركات المتعددة الجنسيات بلادنا للاستثمار المربح.
هذه وغيرها، تداعيات تركت بصماتها على المجتمع المحلِّي، فبدت علامات الفقر والتسوُّل والبطالة والمتاعب الصحية والغذائية والإسكانية والإدارية، إضافة إلى الآفات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية الأخرى: التزوير والرشوة والاختلاسات والفضائح المالية وغيرها.
3- التعرُّض للطوفان الإعلامي والمعلوماتي والثقافي:
إنَّ العولمة تعني لنا أيضًا معايشتنا اليومية للتدفقات الإعلامية والمعلوماتية التي نتلقَّاها عبر التكنولوجيا الجديدة للاتصال، مثل: طوفان البث التلفزيوني الفضائي المباشر، والثورة الرقمية (هاتف نقال، فاكس، كمبيوتر، إنترنت..)، كمٌّ هائل من المنتجات الإعلامية والمعلوماتية، بنوعيات باهرة للأعين ، سالبة للأنفس، هاجمة على الوعي والإدراك والأخلاق، مستنفرة للقوى التغيير والإصلاح، مع كلِّ ما لهذه الثورة من آثار على الخصوصية المحلية.. لكن بدأت بوادر التكيُّف تتوالى في عدَّة مجالات.
4- ظاهرة الهجرة (من وإلى المنطقة [ميزاب]):
بسبب تحولات اقتصادية، أمنية، جزائرية وإفريقية بالخصوص، عرفت وتعرف المنطقة تدفُّقات بشرية منها وإليها سواء من أبناء المنطقة أو أبناء الوطن أو أبناء إفريقيا، فماجت عاصمة الولاية [غرداية] وضواحيها بالوافدين الجدد هربًا من حمى الإرهاب في الشمال ولهيب البطالة وذلِّ الفقر في بلاد الساحل الإفريقي وما وراءه... مـمَّا يثير مخاوف على مستقبل موارد المنطقة المحدودة والهشَّة أصلاً، كما يعتبر لدى البعض عامل حفز للحركة الاقتصادية، ورُبَّ ضارَّة نافعة.
باختصار، تعني العولمة بالنسبة لنا بعض هذه المعاني والمظاهر والتغيرات سلبية وإيجابية، إنَّها أطياف من البشائر ومنبِّهات على توجُّسات تثيرها.
وليس أمام أبناء المجتمع المحلِّي إلاَّ أن يُحسنوا التفاعل والتكيُّف وتوظيف الفرص التي تُتيحها العولمة، مع الحذر من جعلها كبش فداء أو ”شماعة“ نعلق عليها أخطاءنا وقصورنا وأزماتنا المركَّبة. فلمواجهة العولمة عدَّة مستلزمات أهمُّها وأصعبها المعالجة الحوارية، الجريئة للاختلالات العديدة في منظوماتنا الفكرية والتعليمية والاقتصادية والاجتماعية بفكر نقدي، بدائلي، علمي، تأصيلي، تراكمي، معلوماتي...
فلنتفاعل إيجابيًّا مع هذه الديناميكية الجديدة لتحقيق تنمية محلِّية، عادلة شاملة، متوازنة ومتواصلة بحيث تُقام - على غير ما سبق - شبكة العلاقات الاجتماعية المحليَّة، على أساس صحيحة، شفاقة وأصيلة من خلال بناء ديمقراطية محلية ترفع من شأن المواطنة الصالحة حتى يتسنَّى للمنطقة التفاعل مع شبكات العلاقات الجهوية والوطنية والكوكبية بجدارة وفعالية وقوَّة أداء لصالح أجيالنا الجديدة، فهل نحن فاعلون.
بقلم: أ. قاسـم بن حمو حجاج
أستاذ بجامـعة ورقـلة
نشر المقال بدورية الحياة، العدد: 07، 1424هـ/2003م، ص102.