ويطالب رجاله ببثها فهل هم فاعلون ؟
مقال لفضيلة الشيخ عدون سعيد شريفي – رحمه الله - نشره بجريدة الأمة، للشيخ إبراهيم أبي اليقظان – رحمه الله -، السنة الثالثة عدد 114، وذلك بتاريخ: الثلاثاء 10 محرم 1356هـ / 23 مارس 1937م ... يقول الشيخ عدون رحمه الله:
تجول في هذه الأسابيع البعثة البرلمانية في نواحي القطر الجزائري جولة بحث واستطلاع، ويفد على مكتبها -أينما حل- وفود من جميع الطبقات وسائر الهيئات كيفما كانت صيغتها، يقدمون إليها مطالبهم ويفضون إليها آلامهم، فتقابلهم مقابلة تليق بمنـزلتها ومنزلة من أوفدوها ...
مقابلة الطبيب الفاحص النزيه للمريض الذي أنهكته الآلام وألحت به الأوجاع، مقابلة تفعم قلوبهم رجاء وأملاً في الشفاء العاجل، حققها الله وأتى بالفرج القريب.
ولا يسعنا المقام لتتبع تنقلات هذه اللجنة وشرح تفاصيلها، فقد تصدت لذلك الجرائد اليومية بما فيه غنى، ولكنا نتساءل هنا عن موقف أمتنا في ميزاب إزاءها؟ فهل هي مستعدة كما استعد غيرها لمقابلتها والإفضاء إليها بما تشكوه من آلام وتعانيه من نكبات وما يغشاها من فساد في جميع نواحي حياتها؟ وهل هي ملتفتة إلى هذه الأخطار المحدقة بها؛ تاركة كل ما يشغلها عن الاهتمام بها من نزاع لا مبرر له وشقاق؛ يُعدّ الاستمرار عليه في هذا الوقت العصيب من أعظم الجرائم وأكبر الموبقات.
أيتها الأمة الكريمة إن الخطر داهم والمسؤولية خطيرة والعاقبة وخيمة، فلا سبيل لتلافي هذه الأخطار ودرء هذا الفساد إلا بتضامن القوى وتكاتف الجهود، والوقوف صفا واحدا لصد هذه الأخطار وإصلاح هذا الفساد الذي جره عليها إهمالنا لواجباتنا، وزاده تفرقنا تفاقما وانتشارا، فها إن الوقت قد حان والفرصة قد سنحت، وانتهازها أصبح فرضا لازما لا يهمله إلا خائن لدينه وأمته ووطنه .
إن ميزاب يسير بخطى فسيحة نحو الخراب، فإذا لم نتداركه وقع في هوته لا محالة، فيصبح وطن حافظ على دينه ومميزاته -واعتز بهذه المحافظة ما يزيد عن عشرة قرون- في خبر كان .
فهذا التجنيد الإجباري يستنـزف دمه ويهدد كيانه بما يجر وراءه من ويلات تصيب حالته الدينية والاقتصادية والاجتماعية في الصميم، وهذه الضرائب الفادحة التي تعرق عظمه بعد أن أكلت لحمه، والتي يرزح تحت عبئها الثقيل وتنوء بحملها أمة نزلت بواد غير ذي زرع، لا يكسو أرضه غير الرمال المحرقة، ولا يجلل جباله غير السواد الدال على قساوة الطبيعة، ولا تجود سماؤها إلا بمقدار، ولا يتوصل الإنسان إلى ماء يزيل به عطشه إلا بعد أن يقطع إليه مراحل في أعماق الأرض.
وهذه الإدارة العسكرية تتصرف فيه تصرف الحاكم بأمره، ولا تتقيد بقانون ولا تحتكم إلى منطق، ولا تعرف الرحمة والشفقة إلى نفسها سبيلا.
وهذه المدنية الفاجرة تزحف إليه بجنودها الجرارة، فتتخذ من الحانات والمواخير والمقامر ومجالس اللهو أعشاشا تبيض فيه وتفرّخ، وقد كان لعهد قريب لا يعرف معنى لهذه الموبقات المهلكة للحرث والنسل، ولا يرى لها وجودا بين ظهرانيه.
وهذه المحاكم الشرعية -التي عليها المعول في حسم الخصومات وإصلاح ذات البين وإعطاء كل ذي حق حقه وفي بناء صرح العائلة على أساس متين من المودة والرحمة- تقفل واحدة بعد واحدة، وينتزع من باقيها أهم خصائصها، ويتربع على منصة الحكم فيها من لم يتلق في حياته درسا في الفقه الإسلامي ولا في العربية، ولا يستطيع أن يكتب أو ينطق بكلمة واحدة صحيحة، بل لا يعرف أن هناك علما يقال له الفقه يتوقف عليه أداء وظيفته، ولا لغة تسمى العربية يتوقف عليها فهم هذا العلم.
وهذه مصالح الوطن وشؤونه العامة تتصرف فيها السلطات التنفيذية -التي لا يهمها إلا المحافظة على وظائفها، وملء جيوبها بإفراغ جيوب الأمة البائسة- تصرفا يناقض أوضاع الجمهورية الفرنسية، ولا يجر على الأمة إلا المحن والبلاء العام.
وهذه حرية الإنسان تسلب عنه حتى في اختيار من ينيبه عنه في معالجة بعض شؤون خاصة محصورة في دائرة أضيق من سَمّ الخياط.
وهذه دُور التعليم توصد بأقفال من المضايقات والإجراءات القاسية، وتوضع في طريقها العراقيل والعقبات التي تصد الناس عن التعليم وتنفرهم من العلم، وتحملهم على إهمال أولادهم وتركهم مشردين تتقاذفهم الطرقات، يؤثرون الجهل على علم دونه قلل الجبال ودونهن حتوف.
وهذه البطالة تنتشر وتجر وراءها شرورا ومفاسد تستغيث من هولها أرقى الأمم وأخصب البلاد، فكيف بوطن ميزاب الذي بلغ به الضعف المادي والأدبي حدا لا يأتي عليه وصف، ولولا قوة إيمان سكانه -التي جعلتهم يتلقون هذه النكبات المتوالية بصبر وجلَد نادري المثال؛ محافظة على دينهم المقدس الذي لا يستطيعون أن يحافظوا عليه إلا بين جباله القاحلة وأراضيه الجرداء، والذي يرونه هو الكل في حياتهم، وعزاءهم الوحيد عما فاتهم من رغد العيش ونعيم الحياة- لتركوه مأوى للذئاب العاوية، ومزحفا للحشرات السامة ومجالا للرياح الذارية، ولكان لهم مضطرب واسع في الأرض ذات الطول والعرض.
ذلك هو بعض ما ينتاب ميزاب من المصائب وما يحدق به من أخطار وما يهدده من عوامل الخراب، فهل في ذلك كفاية لتنبيه الأمة من غفلتها واتخاذ الأسباب لدرئه؟ وهل يهنأ لذي غيرة بال؛ ويطيب له عيش ويطمئن له جنب في مضجعه وهو يرى رأي العين الحالة التي أصبح عليها وطنه؟ وهل يبقى لمن يملك ذرة من الإيمان متسع من الوقت للنزاع والشقاق وهو يقرأ دائما: ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين.
هل تتخذ الأمة -وعلى رأسها علماؤها ورؤساؤها وأولوا الغيرة فيها- حدا فاصلا بين ماض ذهب بما فيه من تقاطع وتدابر وغفلة وإهمال، وبين مستقبل تبني فيه حياتها على أساس من الإنصاف والإخلاص للمصلحة العامة والتفاني في سبيلها؟
هل تبرهن على هذا المستقبل المأمول بما تبذله من المساعي في جمع كلمتها وضم جهودها، ورفع صوتها بالتشكي والتظلم والتماس الحقوق أمام هذه البعثة؛ النـزيهة الغرض النبيلة المقصد ؟ إنا منتظرون .