جابر بن موسى باباعمي(*)
يُعتبر الإبداع والتفكير الإبداعي من أهم وسائل النمو والتطور السريع الذي يشهده العالم اليوم في كل المجالات، وقد غدا من الأبجديات التي يستعملها العلماء والاقتصاديون والسياسيون وغيرُهم في الدول المتقدمة للوصول إلى نتائج جادَّة ومعتبرة، ولهذا فإنَّ ظاهرة الإبداع والاهتمام بالمبدعين لم تُترك لمحض الصدفة، بل أصبحت من الركائز والضروريات الممهِّدة للنجاح. وعليه فإنَّ من الأولوية بمكان أن يجد الإبداع اهتماماً أكثر من الدول النامية لتصل إلى الأهداف المرجوة، وتردم الهوَّة العلمية ”الإبداعية“ التي تفصلها عن الدول المتقدمة. وفي هذا النسق رأيت أن أضع بين يديك عزيزي القارئ هذه المقدمة والمدخل بغية تقريب مفهوم الإبداع ثم بعد ذلك محاولة تحويله إلى أداة مدرَّة لمنافع ونتائج ميدانية.
ماذا تعرف عن الإبداع؟
كثيراً ما سألت هذا السؤال، فتلقَّيتَ أجوبة كثيرة تحمل آراء البعض واجتهاد الآخر، وقد تكون مختلطة بمفاهيم متشعبة، غير أنَّ الجواب عند المتخصصين يحدِّد معنى الإبداع ويبين بدقة شروطه وطرق تحقيقه، ونذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:
*ـــ الإبداع: هو عملية الإتيان بالجديد.
*ـــ الإبداع: هو الخروج من المعتاد(2).
*ـــ إنه الاستعداد والقدرة على الإنتاج(3).
*ـــ عملية الاختراع والصنع.
*ـــ إيجاد شيء غير مسبوق بمثله ولا بزمانه.
*ـــ وبتعريف مختصر وشامل نقول: «الإبداع هو نشاط إنساني ذهني راق ومتميِّز، ناتج عن تفاعل عوامل عقلية وشخصية واجتماعية لدى الفرد بحيث يؤدِّي هذا التفاعل إلى نتاجات أو حلول جديدة مبتكرة للمواقف النظرية أو التطبيقية في مجال من المجالات العلمية أو الحياتية وتتصف هذه المجالات بالحداثة والأصالة والمرونة والقيمة الاجتماعية»(4).
فالإبداع إذن قد يكون صنوًا في بعض مناحي معناه للاختراع، ولكنه أشمل منه، بحيث لا يقتصر على ما هو مادي بل يتعداه إلى الجانب الأدبي والفكري.
وأعظم وأجلُّ مبدع هو الله تعالى خالق الأكوان ومبدعها، فإنَّ من صفاته عزَّ وجلَّ ومن أسمائه الحسنى ”البديع“ {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ وَ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ}(5)، وهذه الصفة التي وصف بها الله تعالى نفسه شاهد على قدرة الله تعالى وعظمته وروعة خلقه.
وهنا يجب أن نضع النقاط على الحروف ونقول: إنَّ عملية الإبداع البشري لا تجاري إبداع الخالق عزَّ وجل في شيء، بل هي توجيه لنعمة من أعظم نعمه تعالى وهي العقل، وتوجيهها يجب أن يكون لما فيه خير الإنسان وسعادته في الدارين. ولا يخفى على القارئ ما في كتاب الله من الحث على التأمل والتفكير، والنظر في الملكوت، وإعمال العقل لعمارة الأرض، وما فيه من ذم للتكاسل والغفلة والجهل.
فالاهتمام بالإبداع والاختراع والتطور لا يتعارض أبدًا مع ثوابت ومبادئ ديننا الحنيف، بل بالعكس فإنَّه مطلب شرعي وعقلي وحضاري في الآن نفسه، والمؤمن القوي (جسديا وفكريا) خير من المؤمن الضعيف (في ما هو معنى الحديث). ولقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته يجتهدون لإيجاد طرق جديدة لفعل الخير و”يبدعون“ شتى الوسائل لإرضاء الله تعالى زيادة على الذكر والصلاة والجهاد والمعاملات وغيرها، وكان التسابق مثلاً بين أبي بكر الصديق وعمر الخطاب رضي الله عنهما في الإنفاق بطرقهم الخاصة. كما أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم يحثُّ على الإبداع في ما يعود بالخير على المسلمين، ففي الحديث الشريف: «من سنَّ في الإسلام سُنَّة حسنة فعُمِل بها بعدَه كُتِب له مثلُ أجر من عمَل بها ولا يَنقُصُ من أجورهم شيء...» (الحديث)(6).
القدرات المكونة للتفكير الإبداعي:
عملية الإتيان بالجديد تتطلَّب منا الخروج من السياق العادي للتفكير إلى اتباع نمط جديد في التفكير، الذي يتضمن مجموعة من القدرات العقلية تحددها غالبية البحوث والدراسات التربوية والنفسية في هذه النقاط الثلاث:
الطلاقة ـــ المرونة ـــ الأصالة
1 ـــ الطلاقة : (Fluency):
تتضمَّن هذه القدرة الجانب الكمِّي في العملية الإبداعية، وهذا بتعدُّد الأفكار في فترة زمنية محددة، وقد يكون التعبير عنها لفظياً أو كتابياً أو بأساليب تعبيرية أخرى. وتُقاس هذه القدرة بحساب عدد الأفكار التي يُقدِّمها الفرد عن موضوع معين في وحدة زمنية ثابتة مقارنة مع أداء الأقران.
2 ـــ المرونة : (Flexibility):
وتتضمن الجانب النوعي في العملية الإبداعية، وهي القدرة على الانتقال بين الأفكار، وعدم التصلُّب في فكرة أو موقف معين، وهي أيضًا القدرة على تغيير الحالة الذهنية بتغيُّر الموقف، وهذا ما يطلق عليه بالتفكير التباعدي. وعكسها الجمود أو الصلابة(Rigidity) أي التمسُّك بالموقف أو الرأي أو التعصب.
3 ـــ الأصالة : (Originality):
وهي الجانب التجديدي في العملية الإبداعية، أي قدرة الشخص على توليد فكرة جديدة أصيلة، أو إنتاجٍ غير مألوف لم يسبق إليه أحد. و تُسمَّى الفكرة أصيلة إذا كانت لا تخضع للأفكار الشائعة كما يجب أن تتصف بالتميز.
مبادئ التفكير الإبداعي:
1ـــ عدم الإفراط في تبسيط الأمور أو تعقيدها :
عليك بالتفكير الجدِّي في نمط حياتك وطريقة تفكيرك ورد فعلك، واتخذ قرارك فيما يخص أعمالك وأقوالك، وابتعد عن مُشتِّـتات الأفكار والجهود، وكذا الجزئيات والمحبطات، وانظر بشمول وذكاء ومعرفة، وقوّم أفعالك، وركز على إجراءات الحل ومراحله.
2 ـــ الخبرة مُتجدِّدة و الإبداع يُعمِّقُها:
إذا كانت المشكلة غير قابلة للحل فعليك بتجريب طرق أخرى، لأن الحل الثالث دائماً موجود، وابحث عن البدائل، وابتعد عن الرفض وتقبَّل آراء الآخرين، ففيها من الخبرة والمعرفة ما يعزِّز ويجدِّد خبراتك.
3 ـــ الفهم و الاستيعاب:
قبل توضيح هذا المبدأ أريدك أن تحاول الإجابة على هذا السؤال: كم عدد أفراد كل جنس من الأجناس التي أخذها آدم عليه السلام معه في سفينته؟
عند الإجابة يقوم الدماغ بعملية البحث في ثناياه، وحتى تكون الإجابة دقيقة يجب أن تحدِّد المطلوب بدقَّة، فهذا يُسهِّل عملية البحث، فالمعلومة التي يسأل عنها موجودة في نص السؤال الذي فيه مغالطة، فالقضية مرتبطة بسيدنا نوح عليه السلام وليس آدم، إلا أنَّ عدم فهم السؤال أو عدم قراءته بدقة والتسرع في الإجابة يعود إلى الخطأ في الفهم والاستيعاب. ومـمَّا يتفرع عن الفهم والاستيعاب تفادى إطلاق الأحكام القيمية أو التعميمية، فعند سماعك لمعلومة أو لنبإ ما فعليك التثبت والتبيُّن والتحقُّق كي لا تكون من النادمين.
مراحل التفكير الإبداعي:
أولا ً : مرحلة العمل الذهني (Mental Labour) :
الاستغراق والاندماج العميق في المشكلة حيث إشغال الذهن بالمشكلة أو بالموقف المثير الذي يتعرَّض له الفرد.
ثانيا ً : مرحلة الاحتضان (Incubation):
تتضمن هذه المرحلة من التفكير الإبداعي تنظيم المعلومات والخبرات المتعلقة بالمشكلة واستيعابها، وبعد ذلك يتمُّ استبعاد العناصر الجانبية غير المتعلقة بالمشكلة، و ذلك تمهيداً لحالة الإبداع أو الظهور بحالة فريدة. ويمكن لهذه المرحلة أن تدوم لفترة قصيرة أو طويلة، وقد يظهر الحل فجأة دون توقُّع.
ثالثاً: مرحلة الإشراق أو الإلهام (Illumination):
يطلق على التفكير في هذه المرحلة مصطلح ”الشرارة الإبداعية“ (Creative Flash) أو ”الإلحاح“ أو ”الحث الإبداعي“ (Creative Induce). وفي هذه المرحلة يقوم المبدع بإنتاج مزيج جديد من القوانين العامة تنتظم وفقه العملية الإبداعية، وتكون النتائج بعيدة عن التنبؤ، حيث تظهر الأفكار والحلول لهذا المستوى وكأنها انتظمت تلقائياً دون تخطيط، وبالتالي تتوضَّح العمليات والأفكار الغامضة وتصبح شفَّافة وتظهر لدى المبدع على شكل مسارات محددة واضحة المعاني.
رابعا ً : مرحلة الوصول إلى التفاصيل، وتنقية الأفكار:
(Elaboration Access) (Refinement of an Ideas):
الحالة التي تتملَّك الفرد بعد وصوله إلى مرحلة إشراق الحل تُتبع بحالة توليد استثارة جديدة لحلٍّ آخر جديد، أو توليد مشكلة في جزء من الحل للوصول إلى حل أكثر تقدُّمًا وإبداعا. لذا فالمبدع لا يستقرُّ في حالة انفعالية ثابتة لسعيه المتواصل عن الحل، حيث يمثل ذلك تنقية للأفكار والخطوات بهدف الوصول إلى صورة يرضى عنها المبدع(7).
وعلينا أن نشير إلى أن الباحثين اختلفوا في شأن هذه المراحل، فهي ليست ثابتة الترتيب، وقد يكون بعضها غير ضروري أو شرطي للحصول على الإبداع، كما أننا وجدنا في البحوث التي توصلنا إليها اختلافًا بيِّنًا في السرد والوصف، ولقد أشارت بعض المراجع إلى هذا الاختلاف ومنها ”سلم الإبداع“(8).
نعم ، تستطيع أن تتعلم وتُعلِّم الإبداع:
على كل متعلم أن يعرف هذه القاعدة جيداً، ويعلم أنه قادر على كسب هذه المهارة وأنها ليست مواهب وراثية أو عبقريات منحصرة في جنس دون آخر، أو ناس دون آخرين. وفي تعليم الإبداع حديث طويل سنفصل فيه إن شاء الله في بحث لاحق، ونقتصر الآن على طريقة واحدة دون باقي الطرق، وهي طريقة عملية مبسَّطة تفيدنا في جوانب كثيرة من الحياة الاجتماعية والعملية والعائلية:
طريقة العصف الذهني (Brain Storm):
ابتكر هذه الطريقة عالم يدعى أزبورن (Osborn)؛ وتهدف إلى تشجيع الطلاقة والمرونة والأصالة في التفكير. والتدرُّب على هذه الطريقة يتمُّ من خلال طرح مشكلة محدَّدة على مجموعة من الأشخاص، بحيث يُطلب من كل واحد منهم طرح أكبر عدد ممكن من الحلول لها. ويتمُّ تطبيق هذه الطريقة بتقسيم المشاركين إلى مجموعات صغيرة تتراوح بين (5 ـــ 10) أفراد، تجلس كل مجموعة على طاولة مستديرة ويطلب من كل فرد فيها تقديم أكبر عدد ممكن من الاقتراحات والحلول لتلك المشكلة، دون أيِّ انتقاد لأيِّ فكرة من الأفكار المطروحة. وفي النهاية يتمُّ التنسيق بين هذه المجموعات للوصول إلى أحسن حل للمشكلة.
وتقوم هذه الطريقة على تحقيق أهداف أساسية لإبداع الأفكار منها:
* يؤدي تراكم المعلومات والخبرات وازدحامها في أذهان الأفراد إلى تداخل الأفكار والحيلولة دون ظهورها، وبالتالي فتكليف الأفراد في التفكير في مشكلة محدَّدة يساعدهم في استثارة الأفكار والبحث عن الحلول.
* يخشى الكثير من الأفراد ويتحفظون على آرائهم وأفكارهم خوفا من انتقاد الآخرين لها، وبالتالي هذه الطريقة تضمن لكلِّ فرد أن يقدِّم أي فكرة مهما كانت لأنَّه لا يُسمح بالانتقاد في أثناء جلسة العصف الذهني التي تستمر من (5 ـــ 10) دقائق.
* الغزارة والكثرة في طرح الأفكار وتحريك عمل العقل تؤدي إلى النوعية والجدية والأصالة في إيجاد الفكرة المتميزة، والشكل التالي يبين العلاقة بين غزارة الأفكار والخيال وتحويلها إلى نتائج أو تركها تضمحل وتتلاشى بعدم الاهتمام بها.
--------------------
الهوامش
1)- أستاذ مادة الإبداع بالمدرسة العلمية الجديدة، الجزائر.
2)- طارق السويدان: مبادئ الإبداع.
3)- نعيمة الخاجة وعبد الناصر فخور: سلَّم الإبداع، ط1. 2000.
4)- التعليم المفتوح، 1999، علم نفس التربوي.
5)- البقرة، الآية: 117.
6)- رواه مسلم: صحيح مسلم، ج04، ص: 2059. رقم: 1017.
7)- عاقل، فاخر: التربية والإبداع، دار العلم للملايين، بيروت، 1975.
8)- انظر: نعيمة الخاجة، عبد الناصر فخور، مرجع سابق.
نُشر المقال بدورية الحياة، العدد: 08، الصادر في رمضان 1425هـ/ نوفمبر 2004، ص: 143.