الأستاذ: صالح بن أحمد حدبون
مدير «داخلية الحياة» - القرارة
في ليلة الأحد 04 أفريل 1971م بمناسبة زفاف نجل أبينا الروحي الشيخ عدُّون - رحمه الله - الدكتور شريفي يوسف بن سعيد أُقيمت حفلة أدبية في رحاب مدرسة الحياة وحضرها الإمام الشيخ بيّوض إبراهيم - رحمه الله - وألقى فيها درسا قيِّما أشاد فيه ببعض خصال الشيخ عدُّون، وهذا مُلخَّص هذا الدرس:
ما كان في قصدي أن أُلقي درسا هنا ما دمتم تسمعون إلى دروسي في المسجد دائما وكذلك خطب الجمعة بعد أن وفّقنا الله تعالى لإقامتها.
رأيت من واجبي أن أحضر معكم مثل هذا الحفل رغم أنّ حضوري في حفلات الأعراس قليل جدّا وخاصّة في القرارة، وقديما قيل: إذا لم تستطع أن تسوّي بين الناس في العطاء فسوّ بينهم في المنع. ولكن بعض الأعراس تستثنى لضرورة خاصّة. فلكلِّ قاعدة شواذّ.
صورة الشيخ عدون وابنه الدكتور يوسف (العريس)
وعرس اليوم من الشواذِّ وهي مناسبة كريمة يجب أن أحضرها وأشهدها ولو حبوا، ولماذا يا ترى؟ الجواب: لأمرين اثنين: الأول يتعلَّق بماضي الوالد، والثاني يتعلَّق بمستقبل الولد. فللوالد ماض ناصع مليء بالخير وبفعل الخير، وله حاضر سعيد، ونتمنَّى أن يطول حتى يلقى الله وهو عنه راض.
وإن نسبة 99 في المائة من التكريم اليوم إنَّما هو للوالد فعلى الولد العريس أن يعتبر حتَّى ينال مثل هذا التكريم في مستقبل حياته.
كان الخطيب البارع الأستاذ فخَّار والشاعر المبدع الأستاذ باجو والقصيدة العصماء التي سمعناها الآن للأستاذ بربوشة أشادت بذكر مناقب الشيخ عدُّون، وهو يستحقُّ آلاف المرَّات أكثر ممَّا قيل فيه. ولا أظنُّ أنَّ أحدًا في هذا الحفل يعرف حقيقة الشيخ عدُّون وبلاءه مثل ما أعرفه أنا. وبودّي لو كان لي قلم سيّال أو لسان قوَّال لكتبت وكتبت ولقلت وقلت. ومجيئي إلى هذا الحفل وحضوري فيه معكم إنّما كان لهذا القصد. ولم يكن يمرُّ بخاطري أن يسبقني ممَّن سبقني إلى ما سأقول. فالشيخ عدّون ركيزة هذه الحركة الإصلاحية والنهضة العلمية - مع تجوُّز في الوصف - وإن كانت مطامحنا أبعد ممَّا وصلنا إليه ولكن مع ذلك فهي نهضة لا تنكر ولقد أعطت بعض ثمرات هذا الإصلاح. فالشيخ عدّون - في القرارة على الأخصّ - هو الركيزة، وأضغط على هذه الكلمة، فهو العمود الفقري أو السارية التي يرتكز عليها كلّ ما فوقها.
فالتعليم الابتدائي والثانوي وما حفَّ بهما من مشروع البعثات الطلابية وكلها مراكز مفيدة نرجو برَّها وذخرها عند الله. هذه المنشآت كلها كان الشيخ عدّون الركيزة التي تعتمد عليه. فقد أعاننا الله تعالى على مدّها وتوسيعها بحسب ما منحنا من إمكانيات وما أزاح الله أمامنا من عقبات.
والحركة تسلَّمناها في 27 رمضان 1339هـ - شهر جوان 1921م - فإذا اعتبرنا التاريخ الهجري فلقد أكملنا 51 عامًا وندخل في 52، وإذا حدَّدت هذا التاريخ فلأنَّه تاريخ وفاة مربِّينا الشيخ الحاج عمر بن يحيى - رحمه الله - الذي دفن يوم 27 رمضان 1339هـ - ومن ذلك التاريخ لا تزال - بفضل الله - الراية بأيدينا مرفوعة. وفي ذلك الوقت كان الشيخ عدّون طالبا من الطلبة تبدو عليه مخائل الإخلاص وحبِّ العلم وهي الميزة التي امتاز بها.
وأذكر أمرين متمايزين - وهي من غرائب الصدف - بين طبعي وطبعه وخلقي وخلقه. فأنا: والدي - رحمه الله - توفي في 25 رجب 1339هـ، قبل وفاة الشيخ الحاج عمر ابن يحيى - رحمه الله - بشهرين وترك ديونا وأمورا ثقيلة وكنتُ قضيت قرابة عام في العمل بالمتجر في «سانطارنو»، وكانت لوالدي تجارة هناك، ولقد وقعت تطوُّرات كبيرة في التجارة بسبب الحرب العالمية الأولى، وانهارت التجارة فبعثني والدي لإنقاذ تجارته. ولما توفي الوالد - رحمه الله - اتّصلت بشركائه لتصفية التركة وبعد ذلك رجعت إلى القرارة إلى الميدان العلمي ولكن كتب إليَّ الإخوان من سانطارنو يطلبون منّي وبكلِّ إلحاح أن أعود إلى دكَّان والدي لإنقاذ التجارة مع شركائه وكان عمري يبلغ 21 سنة. ولكن كتبت إليهم معتذرًا ورافضًا طلبهم لأنَّني أشعر في قرارة نفسي أنِّي خُلقت لإنقاذ أمَّتي، وكانت لي عقيدة راسخة في نفسي لا تتزحزح وتحمَّلت جرَّاء ذلك أشياء كبيرة ملأتني من مفرق رأسي إلى أخمص قدميَّ بأنَّني خُلقت للعلم، وهذا الشعور هو الذي دفعني إلى ذلك الموقف الجريء الذي اتَّخذته يوم وفاة شيخي الذي فارقته على الساعة 11 ليلا وتوفِّي هو على الساعة 12، ووقع النبأ علينا وقتئذ كالصاعقة، فسار فكري إلى كيفية الحفاظ على هذا الحمل الثقيل الذي تركه الشيخ، إنَّه حمل المسؤوليات التي كان يشرف عليها في الأمَّة. إنَّها أثقال سياسيَّة واجتماعية وإصلاحية كلّها كانت ملقاة على رأسه. وأتذكَّر عندما كان الغسَّالة يهيئون جثمان الشيخ ناديت أحد الطلبة ليطوف بجميع زملائه الطلبة فيخبرهم أنَّ اللقاء العامَّ لكلِّ الطلبة سيكون بعد الجنازة مباشرة فمن المقبرة إلى المدرسة. ولقد شعرت بقوّة الاهتمام لحمل هذه الراية في الوقت الذي كان الناس كلُّهم يبكون بالدموع الغزيرة وأتذكَّر تأثُّر الشيخ الحاج محمَّد المؤذِّن لما خرجنا من دار الشيخ قبيل وفاته، وكان يبكي ويقول: إلى أين نذهب إذا مات الشيخ وتركنا؟ وأجبتُه على الفور: «لا تخف لقد ربَّانا لمثل هذا اليوم».
رجع الطلبة كلُّهم من الجنازة إلى دار القراءة فوقفتُ فيهم خطيبا وعزَّيتُهم في فقيدنا الشيخ المرحوم. وقلتُ لهم: إنَّ أيَّام العزاء ثلاث تتعطَّل فيها الدراسة، ومن بعدها يعود النظام الدراسي كما كان ولا ينقصه شيء إلاَّ وجود الشيخ - رحمه الله - وكان ما كان، ورجعت المياه إلى مجاريها.
وكان للشيخ عدُّون الفضل الأكبر في ذلك. ولقد كان قبل ذلك في التجارة بمدينة «سريانة»، ولكنَّه رجع إلى طلب العلم، ولكن عرضوا عليه مُلحِّين أن يرجع إلى التجارة وهو في حالة شديدة من الفقر وطلب الرزق، وهو يتيمٌ طالب نجيب وطال الإلحاح عليه ولكنَّه أصرَّ على البقاء في ميدان العلم وقال لهم: لا أترك العلم أبدًا. ومن الغريب أن تتلاءم أخلاقه وطباعه معي. ومن تلك اللحظة كان هو حامل للراية معي وكان الحمل عليه ثقيلاً وأنا أزيد له الأثقال لأخفِّف عن نفسي. وقد مضت على ذلك خمسون عامًا.
ولقد فتح المعهد من جديد في 21 ماي 1921، وكان له منذ ذلك الوقت حلقة يدرِّسها، وله دور في تأسيس المعهد وإدارته، ولا شكَّ أنَّ أكثر من في الحفل من الضيوف كانوا وقتئذ طلبة وتخرَّجوا في هذا المعهد، ولقد تفرَّقت بهم الآن سبل الحياة شرقًا وغربًا، وكلُّهم تحمَّلوا مهامّ مختلفة في الحياة ولأجل ذلك ربّيناهم ليكونوا في هذه الوظائف. فأولادنا منبثّون في كامل القطر الجزائري و99 في المائة منهم صالحون والحمد للّه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من هو على قيد الحياة أمثال «الشيخ حمُّو فخَّار» الذي لا يزال يعمل في حقل الإصلاح، فكم من أجيال جاءت وتربَّت، ونشكر الله على صلاح أغلبهم، وما شذَّ إلاَّ القليل ممَّن زلَّت به قدمه، وهؤلاء يُعدُّون على اليد الواحدة، والبقية كلُّهم صالحون يقومون بواجبهم في كلِّ الجهات. لكن من بقي بجانبي من أوَّل لحظة إلى اليوم وكلُّ شيء مرتكز على كاهله هو الشيخ عدُّون. فهو حامل لأثقال المعهد والطلبة على ظهره وكلَّما جاءني طالبٌ يطلب عذرًا أو يشكو شيئا أقول له اذهب إلى الشيخ عدُّون وأنا أقدِّر ما عليه من أثقال وما بقي لي الآن شيء من هذه المسؤوليات إلا ما قلَّ وندر، والباقي كلُّه على كاهل الشيخ عدُّون.
والشيء الذي يقضُّ مضجعي الآن كلَّما مرَّ بخيالي - ونحن بشر مُعرَّضون للخطر - هو إذا مرض الشيخ عدُّون أو مات، من يحمل بعده هذه الأثقال؟ وإنَّ هذا الهمَّ يمرُّ عليَّ كلَّ حين؛ ففي العام الماضي مرض الشيخ عدُّون وحملت همًّا كبيرا وهذه الفكرة أظلمت الدنيا أمام عيني، وأنا إلى هذه اللحظة لم أجد من يطمئنُّ إليه خاطري، وحسبي الله فهو الذي أحسن إلينا في الماضي وهو الذي سيحسن إلينا في الباقي. ومنذ الخمسينيات فإنَّ كلَّ من تعلَّم شيئا إلا وكان بفضل الشيخ عدُّون، وهذا الجمع الحاشد كلُّه اعتراف بهذا الجميل فمثل هذه المشاركة في العرس هو عنوان الشكر الذي لا يقدَّر بقيمة. ونحن لا نريد منكم جزاء ولا شكورا، بل نحن نُسَبُّ ونُشتَمُ من طرف أناس نريد لهم الخير ويريدون لنا غير ذلك من أنواع المكر إلى درجة الاغتيال، وهذا ما يتبعنا إلى اليوم ونحن نعلم أنَّ الله يتولَّى أمرهم، ونقول: «حسبنا الله ونعم الوكيل». وما كان ينبغي لمن قضى مثل هذا العمر الطويل أن يخاف إلا ما شاء الله، لهذا أريد أن أقرِّر هذا في هذا الحفل لعلِّي لا أدرك عرس ابنه الآخر، وأنا عمري خمسة وسبعون سنة، وقد كنت أعتذر من الحضور في هذا الحفل، ولكن من واجبي الحضور وتأدية التهنئة لعلِّي لا أدرك أعراس بقية الأبناء، وعجَّلت بهذا الكلام لتسجيل ماضي الوالد وهذا هو ماضيه بأخصر ما يُمكن أن يُقال وهو عبرة للمعتبر وخاصَّة الطلبة.
***
وأمَّا الأمر الثاني فهو يتعلّق بمستقبل الولد ونرجو أن يكون مثل أبيه ولو أنَّه سلك طريق مداواة الأبدان وأبوه سلك طريق معالجة الأديان! فلنا من دارٍ واحدة مُعالج للبدن ومعالجٌ للرُّوح. ومُعالج البدن يجب أن يكون صحيح الروح يعالج ضميره أوَّلا كي يكون له ضميرٌ دينيٌّ لا ينظر إلاَّ لمستقبله ومصيره المحقَّق وهو لقاء الله. أمَّا المصير الذي يتغنَّى به الناس فإنَّنا نجهل أعمارنا كلَّنا. فالواجب أن نجعل نصب أعيننا لقاء ربِّنا والله لما نعى على الظالمين قال: {أَلاَ يَظُنُّ أُوْلَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ} [المطففين:4-5]. وهذا هو سرُّ النجاح ولا ينجح في دنياه إلاَّ مَن جعل لقاء الله نصب عينيه. فنرجو لابننا العريس مستقبلا زاهرًا، ولقد اختار هذا النوع من العلم. ولقد سمعنا العلماء يقولون في كتاب: «العلم يدعو للإيمان»، وليس مرادهم هو علم الشريعة بل مرادهم هو علم الطبيعة والحياة وتشريح الإنسان، وفي ذلك اطِّلاع على أسرار الكون وعلى عجائب الله في هذا الجسم الإنساني. ونحن نعرف الظواهر ولكن الأطبَّاء يطَّلعون على خبايا القلب والكبد وغيرها من الأجهزة العجيبة ودورها داخل الجسم، وهذا شيء عجيب حقًّا، والأطباء يطَّلعون على هذه الأسرار ولا يقفون على سرِّها، والحياة كلُّها سرٌّ من أسرار الله والروح من أمر ربِّي وما أوتيتم من العلم إلاَّ قليلا.
وأحقُّ الناس بتقوى الله هم الأطبَّاء وعلماء الطبيعة والباحثون، فهم يطَّلعون أكثر منَّا على كلِّ حركة، ويقولون: سبحان الله، لا إله إلا أنت سبحانك، فهم باطِّلاعهم على هذه الأسرار أحقُّ الناس بالإيمان وتقوى الله، والويل لهم إن لم يَدْعُهم علمهم للإيمان. فعلى أطبَّائنا أن يستجيبوا لله فإنَّ العلم يدعو للإيمان ومن حقِّ الأطبَّاء أن يكونوا أقوى إيمانًا منَّا، لأنَّنا نتلمَّس العلوم تلمُّس الأعمى ممَّا نقرأ من كتابات العلماء الذين اطَّلعوا على أسرار العلم ودوَّنُوها، ولكنَّهم يطَّلعون ويرون كلَّ ما في الإنسان من العجائب.
أنجب الشيخ عدُّون أربعة أولاد ذكورا، وكلُّهم سلموا وتجاوزوا مرحلة الخطورة. تُرى إذا حضر أجل الشيخ عدُّون - حفظه الله - فأنا أقول لشريفي بالحاج أن يترك كلَّ ما في يده لثقتي به، فهو نُسخة من أبيه.
وعلى الأثر نجد ابنه محمَّدًا الذي سلك طريق الفنِّ والخطِّ فهو بارع في هذا الفنِّ؛ فنِّ الرسم والخطِّ، ولا أظنُّ أن يوجد من هو أبرع منه في الجزائر، فهو يكتب أجمل الخطوط. والفنونُ يتّصل بعضها ببعض كفنِّ الخطِّ والرسم والنحت. والحمد لله أنَّه لم يجتذبه الفنُّ الآخر الذي قد يرديه كالذي يصوِّر الصور العارية وينحتها بأي مادَّة كانت، وهذا حرام في الشريعة، وهو ما يميل إليه أكثر الرسَّامين. وأذكر رسومًا كثيرة ومن أبرعها رسم في غلاف مجلَّة العربي عدد يناير الماضي وهي صورة فنِّية لشيخ هرم يتفكَّر في الحياة، ونظرتُ إليها عشرات المرَّات أتأمَّل في براعة تصوير رجل اشتعل شيب رأسه متَّكئ وعيناه كيف تحدقان؛ وهي صورة من أغرب ما يكون، وأمثال هذه اللوحات تُقوَّمُ بالملايين، ومنها الصور الخليعة التي تستهوي الكثير من المصوِّرين.
ولقد تكلَّمت مع الابن محمَّد، وأحمد الله أن جعل فيه الميل إلى الخطِّ، والميل إلى رسم القرآن، ولعلَّ هذا سرٌّ من أسرار تربيته، وظهر هذا في سَمْتِه وهيئته، ولقد عاش في القاهرة ولم يستهوه شيءٌ ممَّا استهوى الكثير من الشباب أمثاله. ونرجو من هذا الولد الثالث أن يسلك طريق أبيه وطريق أخويه، وهما لم يجلبا عارًا لأبويهما، ونرجو أن يسلك طريقهما، وطوبى له إن سلكه.
أمَّا كون طلب العلم أو المداواة أو تثقيف الأذهان كما نرى في شريفي بالحاج وهو معلِّم أو أخيه محمَّد رسَّاما للخطوط فالكلُّ نافعٌ والسرُّ إنّما هو في القلب حين يكون عامرا ملآن بالعقيدة وضاربة جذورها فيه، وهي الكلمة الطيبة التي شبَّهها الله بالشجرة الطيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، وهي العقيدة المتمكِّنة في القلب، فيظهر أثرها في الجوارح فاللسان لا يقول إلا صدقا، واليد لا تكسب إلا حلالا، وهذه من فروع الشجرة المغروسة في القلب.
تعلَّموا يا شباب كلَّ علم وطيروا إن استطعتم إلى السماء وليكن دينكم معكم واحذروا من سخافات بعض الشباب إذا أمر أحدهم بمعروف أو نهي عن منكر قال: إيه! الناس طلعوا إلى القمر وأنتم لا زلتم هنا بأفكاركم القديمة.
ويلك يا هذا ! إنَّك تفتخر بعلم غيرك وهل يتغيَّر دين الله بصعود الناس إلى القمر؛ فما قيمة علمك بالنسبة لعلم رواد الفضاء؟ وهل شاركتهم في اكتشافاتهم؟ فلا فضل لك أبدًا، إنَّما أنت سمعت خبرهم كما سمعه البلداء والناس جميعا وأنت تكفر بربِّك لأنَّ فلانا صعد إلى القمر ! فاحذروا يا شباب من هذه الانزلاقات الخطيرة.
وبعد؛ فلقد أطلت عليكم، ولا بدَّ أن نعرف فضل أهل الفضل حتى نعتبر ونسعى لتكون أواخر أيَّامنا خيرا من أوائلها، ونطلب من الأبناء أن يسلكوا طريق أبيهم. وإن كان للأبناء العبرة من أبيهم فليوسف العبرة من أبيه وأخويه والكلمة لكم جميعا أيُّها الشباب لتعتبروا.
أبدا ما تعلَّمنا لنيل درهم ولا دينار وما كان يخطر ببالنا أن نسأل من أين نأكل، ومن الغريب أنَّ هذه الفكرة لا تأتينا، والله سبحانه يرزقنا من طرق شريفة فلا نتذلَّل لمخلوق ولا لغنيٍّ أبدا. ومشايخنا يحرِّضوننا على طلب العلم ويقولون لنا: «لطالب العلم رزقان؛ رزقٌ له ورزق لكتابه».
وأذكِّركم بهذه النكتة، فليس كلُّ الطلبة يتفوَّقون في العلم، وهذه من تجارب حياتنا، مَنْ أظهر الله فيه موهبة صلاحه للتعليم وعرض عليه أساتذته وطلبوا منه أن يبقى في ميدان العلم فإذا مالت نفسه للدنيا فإنه لا ينال من دنياه إلاَّ ما كتب الله له، فالذي بهرته الدنيا لا ينال منها شيئا، ولقد مرَّت علينا أمثلة كثيرة وكم طلبنا من بعض الآباء أن يُسبِّلوا ابنا من أبنائهم لله فمنهم المستجيب - وما أكثرهم - ومنهم من يصرُّ ويمتنع. ولكن مرَّت علينا نماذج للاعتبار، فالذي رفض الاستجابة لغرض دنيوي دنيء يتعب في مسعاه ولا ينال من دنياه شيئًا، ولولا الاحتفاظ بأسرار الناس لذكرنا أمثلة كانت حالتهم في وقت التعليم أحسن من الحالة التي هم فيها الآن. وقد ينفح الله عبده بنفحات فيفتح له أبواب الخير فإن دخلها أخذ الله بيده، وإن أعرض عنها وكله الله إلى نفسه، والويل لمن وكله الله إلى نفسه !
الزواج عقد مقدَّس ولقد ضلَّ الذي ظنَّ أنَّه عقد مدنيٌّ وهو من العقود الشرعية، كاشتريتُ وبعتُ، بل عليه مسحة من القداسة، ومن شروطه الخُطبة مثل ما في صلاة الجمعة، وليس شرطه الصفقة بعد الاتفاق كما هو في البيع كما يباع الحمار مثلا. وعقد الزواج مهما وقع فيه من تراض واتِّفاق فلا بدَّ من تشهير وقراءة خطبة وشهود حاضرين أثناء قراءة القاضي أو العالم لخطبة النكاح. والخطبة شرط مثل خطبة صلاة الجمعة وصلاة العيد وإذا تمَّت خطبة الزواج تمَّ الزواج. هكذا كان العرب والسلف وعمل الرسول صلى الله عليه وسلم. والرسول صلى الله عليه وسلم عندما خطب خديجة ورضيت قبل أن يعلم عمُّه، وبعد أن علم عمُّه وقع الاجتماع وبدأ عمُّه يخطب خديجة للرسول صلى الله عليه وسلم من جديد وتمَّت الخطبة والموافقة في العلن؛ فلا بدَّ من المحافظة على قداسة الزواج الشرعي والنبي افتخر بنسبه النقي فليس فيه سفاح، وجاء الإسلام وأقرَّ هذا ودعا إليه. ولذلك تؤدَّى الشروط وتُقام الحفلات للتشهير. ويجب أن لا يكون في تلك الحفلات ما يُسخط الله لكي يبارك الله في هذا النكاح ويؤتي بذريَّة طيبة، كما دعا سيدنا زكرياء {رَبِّ هَبْ ليِ مِن لَّدُنكَ ذُرِّيـَّةً طَيِّبَةً اِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَآءِ} [سورة آل عمران: 38]، ودعائه: {وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا}[سورة مريم: 6]؛ أي ترضى عنه وأرضى عنه. فما الفائدة من أن نلد أولادًا ونرميهم في النار، ولو عرف أحد منَّا هذا لدعا لنفسه بالعقم. ولكي يستجيب الله دعاءنا يجب أن نقدِّم بين أيدينا ما يجعل دعاءنا مستجابًا عند الله ليكون أبناؤنا صالحين. فحفلاتنا في الأعراس ترضي ربَّنا ولا نحصرها في أصحاب الصحراء فقط بل يجب أن نقيم أمثالها في التلِّ. ولقد سمعنا أنَّ فينا شبابا تزوَّجوا في التلِّ فأحضروا المحرَّمات، ولكن لم تمض على زواجهم إلا أيَّام فكان ما كان، فكيد الله ومكره شديد لمن حاد عن طريق الله.
وهذا ما ندعو إليه؛ ندعو إلى النكاح المبكِّر، واختيار الزوجة الصالحة، وإقامة الحفلات على النقاء والصفاء، حتى يبارك الله لنا في أمورنا كلِّها.
وهذا ما يمكن أن يقال في هذا العرس المبارك الميمون.
وإنَّ في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
نشر المقال في دورية الحياة، العدد: 11، 1428هـ/2007م، ص255-262.
ملاحظة:
الصورة القديمة غير الملونة (الشيخ بيوض والشيخ عدون) أخذت مساء الأربعاء 16 جمادى الأولى 1395هـ / 2ّ8 ماي 1975م.
الصورة القديمة غير الملونة (الشيخ بيوض والشيخ عدون) أخذت مساء الأربعاء 16 جمادى الأولى 1395هـ / 2ّ8 ماي 1975م.
الفئة