بيداغوجيا التدريس والتقويم في العلوم الشرعية
(مادة الفقه المقارن أنموذجا)
الدكتور محمد دباغ
أستاذ ـ جامعة أدرا ر ـ
الملخص:
يهدف هذا العرض إلى بيان مختلف الطرائق المتبعة في التدريس والبحث في مجال العلوم الشرعية ، مع إجراء مقارنات بينها وانتقاء ما يصلح منها لمسايرة النظم التعليمية المعاصرة مع مراعاة خصوصيات المواد الشرعية.
أضف إلى ذلك عرض نماذج من نظم التقويم البيداغوجي مدعومة بأمثلة عملية، مع محاولة ربط المادة العلمية الشرعية بما يقابلها من مواضيع الفنون الأخرى ، وذلك حسب الخطة المنهجية الآتية:
تمهيد.
المبحث الأول : بيداغوجيا التدريس.
المطلب الأول: الطرق والمناهج المتبعة.
المطلب الثاني : كيفية تطويرها.
المبحث الثاني : بيداغوجيا التقويم.
المطلب الأول: نظم التقويم.
المطلب الثاني: موازنة واختيار.
المبحث الثالث: طريقة تدريس الفقه المقارن.
المطلب الأول: المحاضرات والأعمال الموجهة.
المطلب الثاني : مواضيع الامتحانات.
الخاتمة.
تمهيد:
إن صلاحية الشريعة الإسلامية وشمولها واستقصاءها للوقائع زمانا ومكانا، يقتضي ضرورة كون أحكامها مسايرة للواقع الذي تطبق فيه، وإذا كانت العلوم المختلفة تسعى لتجديد مناهجها وتطورها كي تواكب العصر، فإن هذا التجديد ضروري في مناهج العلوم الشرعية باعتبارها تتناول تشريعا خالدا لا يحده الزمان والمكان.
ولذلاك يمكننا في هذا البحث أن ننطلق في معالجة الموضوع من الإشكاليات الآتية:
1 ـ هل تخضع الدراسات الشرعية إلى بيداغوجيا التدريس والتقويم المتبعة في كافة العلوم الإنسانية مطلقا أم أنها تنفرد بخصوصيات مميزة؟
2 ـ هل يمكن الاستفادة من بعض البحوث البيداغوجية في حل المشكلات الموضوعية التي تعترض المسلك الفقهي، ومن ذلك مثلا محاولة تدريس الناشئة الفقه دفعة واحدة؟
3 ـ ما هي أنجع الوسائل البيداغوجية والعلمية لضمان تحصيل علمي يرقى بالدراسات الشرعية إلى مستوى التحدي الذي تقتضيه ضرورة الاستجابة لمتطلبات العصر في مختلف الميادين ؟
المبحث الأول: بيداغوجيا التدريس:
المطلب الأول: أهم الطرق والمناهج التعليمية:
*-الطريقة الإلقائية: وهي طريقة ترتكز على دور المعلم في عرض المادة الدراسية من بيانات ومعلومات ويكون دور المتعلم دور المتلقي والمستمع لتلك المادة (1).
وهذه الطريقة منبثقة من نظرية الملكات، حيث تفترض أن أذهان المستمعين كالأوعية الفارغة فتحاول ملأها بالمعارف.
وقد وجهت إلى هذه الطريقة عدة انتقادات منها أنها تجعل للمستمع دورا سلبيا في العملية التعليمية, ذلك بكونه مجرد متلق، ولكن هذه الانتقادات قوبلت بما يعارضها من الإيجابيات حيث إن هذه الطريقة هي الأكثر نجاعة خاصة في ميدان التعليم العالي، كما أنه يمكن تفادي سلبيات هذه الطريقة بدعمها بوسائل تربوية مكملة كالحوار والاستقراء ومطالبة المتعلمين بالتحضير المسبق وكذا المطالعة الخارجية.
وتتلخص أشكال التعليم بهذه الطريقة فيما يلي:
المحاضرة.
العرض القصصي.
الوصف.
العروض السمعية البصرية .
* ـ طريقة حل الإشكالات العلمية:(2)
وتتمثل هذه الطريقة في طرح الإشكال وطرح مختلف الفرضيات لحله، ثم مناقشتها وبالتالي الوصول إلى الحل باتباع الخطوات العلمية والمنطقية في ذلك.
ومن خصائص هذه الطريقة :
*-التدريب على الأسلوب العلمي في حل المشكلات.
*-تنمية ملكة النقد العلمي المنهجي عند الطالب.
لكن استعمال هذه الطريقة في تدريس العلوم الشرعية لا يكون بدرجة استعمال الطريقة الأولى لاحتياج العملية التعليمية في أغلب المواضيع الشرعية إلى الدور الإيجابي للمعلم، حيث لا يقتصر دوره على مجرد التوجيه، ولكن يمكن الاستفادة من هذه الطريقة في بعض المجالات كالأعمال الموجهة والحلقات الدراسية(3).
*-طرق تفريد التعليم :
وهي طرق ترتكز على مراعاة الفروق الفردية ومتابعة المتعلمين واحدا واحدا، وهذه الطريقة لئن كانت صالحة في بعض الميادين والمراحل التعليمية كنظام التدريس بالإجازة ونظم التدريس بالزوايا(4) مثلا فإن تطبيقه في ميدان التعليم العالي يكون عسيرا بالنظر لأعداد الطلبة وكثافة البرامج وغير ذلك من النظم البيداغوجية التي تفرضها طبيعة الدراسة الجامعية.
الـمطلب الثاني: كيفـية تطويرها
يمكن تحديث المناهج التعليمية وتطويرها وفق جملة من القواعد أهمها:
1-التكوين الذاتي للأستاذ(5) حيث إن عليه أن يسعى جاهدا في اتخاذ كافة الوسائل اللازمة لتطوير الأداء وتحسينه ومن ذلك مثلا الاطلاع دوريا على ما يجدُّ في ميدان تخصصه من معارف بيداغوجية وموضوعية إلى جانب إجراء مقارنات بين مختلف الشعب والفصول التي يدرسها في فترات مختلفة حتى يمكنه تقويم التقدم في الأداء.
2-على المدرس أن يبذل جهده في شد انتباه المتلقي بكل الوسائل المساعدة على التفاعل مع المحاضرة.
3-استغلال الوسائل السمعية والبصرية في عرض المادة العلمية.
4-الحرص على تقريب المصطلحات العلمية وربطها بنظائرها من مصطلحات الفنون المختلفة مع تعزيز كل ذلك بالشواهد والأمثلة الواقعية (فرض الكفاية، الجنازة، إتقان الأمة مختلف وسائل الحياة).
5- استغلال خدمات المكتبة الإلكترونية في مجالي التدريس والبحث(6).
المبحث الثاني : بيداغوجيا التقويم:
المطلب الأول: نظم التقويم:
*ـ النظام التقليدي: ويتميز بالمواضيع ذات الصبغة الإنشائية، كما يتميز باسترجاع المعارف بصورة بطيئة عن طريق الأسئلة التحليلية الاستنتاجية، ومن محاسنه:
1 ـ تمكين الممتحِن من قياس القدرة التعبيرية للممتَحَن .
2 ـ تستخدم فيه جملة من العمليات العقلية كالتفكير والتحليل والتركيب والاستنتاج .
3 ـ إظهار شخصية الممتحن.
ومن عيوبه:
1 ـ النسبية في السؤال وقابليته للتأويل والاحتمال.
2 ـ يساعد على التحكم في التغيرات الناتجة عن عامل الزمن.
3 ـ محتمل لتدخل الذاتية في التصحيح(7).
* ـ التقويم الموضوعي: (نظام الاسترجاع البسيط).
يتخذ هذا النظام أشكالا عدة منها:
* ـ الخطأ والصواب.
* ـ اختيار الصواب من بين عدة إجابات.
* ـ الربط بين المعنيين المتناسبين بسهم.
ومن محاسن هذا النظام :
1 ـ أنه لا مجال فيه للذاتية.
2 ـ تنمية بعض المواهب كالذكاء وسرعة الاستحضار.
3 ـ التحكم في الوقت في الامتحان والتصحيح.
4 ـ يُمَكِّنُ من استغلال الوسائل الحديثة في التصحيح.
ومن عيوبه :
1 ـ عدم القدرة على قياس القدرة التعبيرية للممتحن.
2 ـ لا يساعد على إظهار شخصية الممتحن.
3 ـ تدخل عامل الحظ في مصادفة الإجابة الصحيحة(8).
الـمطلب الثاني : موازنـة واختيار:
بعدما تعرضنا إلى محاسن كل نظام تقويمي ومآخذه ينبغي أن نشير إلى أنه في الدراسات الجامعية لابد من اعتماد المسائل الآتية:
* ـ ضرورة محاولة إيجاد نظام تقويم متكامل يتجاوب مع تسارع تطور المعارف العلمية في مختلف المجالات مع أخذ إيجابيات كل من النظامين التقليدي والموضوعي بعين الاعتبار .
* ـ لابد من مراعاة خصائص مجال التكوين المراد تطبيق أي نوع من أنواع التقويم عليه.
لأن ما يلائم العلوم الدقيقة والتكنولوجية مثلا ليس بالضرورة أن يكون ملائما للعلوم الإنسانية والاجتماعية.
* ـ ضرورة الاستفادة من خدمات الإعلام الآلي في عمليات التقويم المختلفة.
المبحث الثالث: دراسة نموذجية:
(تدريس الفقه المقارن)
الـمطلب الأول:
الأبعاد البيداغوجية لـمنهجية الفقه المقارن:
من المعلوم أن دراسة أي مسألة فقهية مقارنة لابد فيها من اعتماد الخطوات الآتية:
1-الخطوات العملية
? تحرير محل النزاع
? ذكر الأقوال
? الأدلة وأوجه الاستدلال
? المناقشة
? الترجيح
? سبب الخلاف
2- البعد البيداغوجي
? تشخيص الإشكالية
? الفرضيات المحتملة
? البرهان العلمي
? تكوين ملكة النقد
? حل المشكلة
? إدراك موضوعية الخلاف الفقهي
3-البعد الموضوعي
? إبعاد ما هو خارج عن موضوع البحث
? الإلمام بمختلف الأقوال والآراء
? بيان مآخذ المجتهدين
? معرفة أوجه الاستدلال الصحيحة
? التطبيق العملي
? رفع الملام عن العلماء
* ـ تحرير محل النزاع.
* ـ ذكر الأقوال.
* ـ ذكر الأدلة مع أوجه الاستدلال.
* ـ المناقشة.
* ـ الترجيح.
* ـ سبب الخلاف(9).
ويمكن تلخيص البعد البيداغوجي للفقه المقارن في الجدول الآتي:
المطلب الثاني :
مواضيع الامتحانات والأعمال الموجهة
يمكن في مواضيع الامتحانات والأعمال الموجهة الاستفادة من مختلف الأنظمة البيداغوجية في التقويم، وذلك باعتماد الأسئلة التحليلية في جوانب معينة، و كذا اعتماد الأسئلة المباشرة في مجالات أخرى، أضف إلى ذلك أنه في مجال الفقه المقارن يحسن التعامل مع القضايا العملية الموجهة إلى الربط بين المعلومات النظرية وتطبيقاتها العملية(10).
الخاتمة:
بعد هذا العرض الموجز لبيداغوجيا التدريس والتقويم نخلص إلى النتائج الآتية :
1 ـ إن في مواضيع البحوث الشرعية ومناهجها المختلفة إشارات مهمة إلى أهم القواعد البيداغوجية الحديثة.
2 ـ ضرورة تطوير مناهج العلوم الشرعية وفق ما تقتضيه المناهج الحديثة في التدريس والبحث مع مراعاة خصوصيات البحث الشرعي.
3 ـ ضرورة التدرج الكمي والنوعي في تقديم المعلومات لأن ذلك يتجاوب منهجيا وموضوعيا مع بيداغوجيا التدريس والتقويم.
--------------------
قائمة المراجع
1- الدريني، الفقه المقارن
2- عبد القادر قدي، محاضرة حول التقويم التربوي، مرقون.
3- علي تعوينات، محاضرة بعنوان طرائق تدريس العلوم الإسلامية في التعليم العالي، ملتقى طرق التدريس، قسنطينة، ماي 2000
4- محمد دباغ، محاضرة بعنوان تدريس الفقه والأصول بين العلم النظري وتحديات الواقع، ملتقى طرق التدريس، قسنطينة، ماي سنة 2000.
5- محمد دباغ، محاضرة بعنوان، المكتبة الإلكترونية ودورها في التدريس والبحث، قسنطينة، نوفمبر، 2001.
6- نبيل عبد الحليم متولي، تقويم المعلم الجامعي، مقال بمجلة كلية الدعوة ليبيا، 1990.
--------------------
المُلحَق: نموذج تطبيقي:
الامتحان الكتابي الأول في مادة الفقه المقارن
السنة الثانية فقه وأصوله
أجب عن سؤالين من الأسئلة الأربعة والمسألة إجبارية
س1: حرِّر محل النزاع في المقدار الممسوح من الرأس في الوضوء مع ذكر دليل واحد للقائلين بالتعميم مع مناقشته.
س2: بين سبب الخلاف في حكم الموالاة في الوضوء مع بيان الراجح في المسألة.
س3: اعتمد الحنفية كثيرا على قاعدة الزيادة على النص نسخ ، اشرح هذه القاعدة مع التمثيل.
س4: اشرح مع التمثيل قاعدة الدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال.
المسألة :
في مناقشة مذكرة تخرج في مجال الدراسات المقارنة شكر رئيس اللجنة الطالب الباحث على استقصائه للموضوع لكنه لاحظ عليه ميله في الفروع إلى مذهب معين ، ثم تدخل الأستاذ المناقش ليسأل الطالب عن كيفية ظهور مصطلح الفقه المقارن ، فأجاب إجابة كافية ، ثم لاحظ عليه تركيزه على كتاب معين في أسباب الخلاف.
أما الأستاذ المشرف فبين أن الطالب تلقى تكوينه الأولي وفق مذهب معين وذلك ما أثر على تحليله الفقهي ، ثم أضاف بعض الملاحظات المنهجية المتعلقة بالمصادر والمراجع .
المطلوب :
1- اختر عنوانا مناسبا لهذه المذكرة مع وضع خطة موجزة.
2 -اذكر الكتاب الذي يمكن أن يكون الطالب قد ركز عليه في أسباب الخلاف مع ذكر كتابين من نظائره.
3- هل يعد التفقه بمذهب معين من قبيل التعصب المذهبي ، علِّل؟
4- اذكر بعض النتائج التي توصل إليها الباحث بمثابة فوائد للدراسات المقارنة.
5- اذكر خمسة من المصادر الأساسية لهذه المذكرة.
والله ولي التوفيق
--------------------
الهوامش
(1) علي تعوينات، محاضرة بعنوان طرائق تدريس العلوم الإسلامية في التعليم العالي، ملتقى طرق التدريس، قسنطينة، ماي 2000، ص: 198.
(2) علي تعوينات، مرجع سابق، ص: 212.
(3) محمد دباغ، محاضرة بعنوان تدريس الفقه والأصول بين العلم النظري وتحديات الواقع، ملتقى طرق التدريس، قسنطينة، ماي سنة 2000، ص: 101.
(4) لقد أثبتت طريقة مراعاة الفروق الفردية نجاعتها في طرق التدريس التقليدية خاصة في مجال حفظ القرآن والمتون الفقهية.
(5) نبيل عبد الحليم متولي، تقويم المعلم الجامعي، مقال بمجلة كلية الدعوة ليبيا، 1990، ص: 289.
(6) محمد دباغ، محاضرة بعنوان، المكتبة الإلكترونية ودورها في التدريس والبحث، قسنطينة، نوفمبر، 2001.
(7) عبد القادر قدي، أستاذ علوم التربية بالمعهد التكنولوجي سابقا، محاضرة حول التقويم التربوي، مرقون.
(8) عبد القادر قدي، المرجع السابق.
(9) الدريني، الفقه المقارن ، ص:3.
(10) انظر الملحق (نموذج لأسئلة امتحان كتابي في الفقه المقارن).
نشر المقال في دورية الحياة، العدد: 11، 1428هـ/2007م، ص22-29.