الهجرة مفهوم وحقيقة
أ/ عيسى بن محمد الشيخ بالحاج
معهد الحياة ـ القرارة

الحمد لله الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا، عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال، يخلق ما يشاء ويختار، سبحانه هو الواحد القهار.
وأشهد أن سيدنا وحبيبنا محمدا عبد الله ورسوله، أرسله ربه بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، هو صاحب اللواء المعقود، والمقام المحمود، والموقف المشهود، والحوض المورود.
اللهم صل عليه، وعلى آل بيته الطيبين الذين واسوه ونصروه، وصحابته المجتبَين الذين آووه وعزروه، فكانوا للورى مثالا يقتفى، وحديثا يصطفى، وذكرا يحتفى، وعلى الذين سلكوا نهج الرشاد بعدهم ممن آتاهم الله رشدهم، فزادهم الله هدى وآتاهم تقواهم.

أيها الإخوة المؤمنون، إن لله تعالى أياما تترى علينا طوال العام دواما، نعيش أحداثها تباعا، ولا نستطيع عنها انفصاما، اصطفاها المولى جل في علاه بما خلد فيها من مآثر، وجلاها بما ورد فيها من مفاخر، جعلها منازل على قارعة الطريق يتفيأ ظلالَها كلُّ راكب أعياه المسير، وأقامها موارد يرد معينها كلُّ سارب أظمأه الهجير، ونصبها منابر يأنس بنورها الساري في ظلمة الليل البهيم، لعل الغافلَ يستذكر، والضعيفَ يستنصر، والضالَ يستبصر، حكمة بالغة فما تغني النذر. فلقد مرت علينا من هذه الأيام الخالدات قبل زمن يسير يومُ التاسع من ذي الحجة، أعظم يوم في العام، يومُ عرفة الذي أنزل الله تعالى فيه قوله الخالد: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الاِسْلاَمَ دِينًا} (سورة المائدة: 3)، والذي قال فيه المصطفى عليه السلام الحج عرفة، وصومه لغير الحاج يكفِّر سنة ماضية وسنة آتية. ومن بعده حلَّ علينا يوم عيد النحر، وهو يوم الحج الأكبر، يوم التضحية والفداء، ويوم الإخلاص والوفاء، للواحد الديان الذي يعلم السر وأخفى. ونحن على بعد أيام من حدث جليل، ومعلم أثيل، يكر علينا كل عام من غير أن يحيي فينا مواتا، ويحل علينا على الدوام من غير أن يزيل عنا سباتا، وقد ضربت على المسلمين من الذلة مسحة، وغشيتهم من المسكنة نفحة، حدث قدسه الأسلاف فكانوا في أعلى عليين، ودسه الأخلاف فكانوا في أسفل سافلين، حدث صنعه الأجداد فكانوا غرة في جبين الورى، وضيعه الأحفاد فكانوا ذرة في مهين الثرى، ولاشك أن هذا اليوم قد يدور في خلد بعض المسلمين فما يقيمون له في نفوسهم خُلدا، ويسهو عنه أكثر الغافلين فيمر عليهم مرور الوابل على صفوان فيتركه صلدا، وقد لا أجشم نفسي عناء التدليل عليه، ولا أرهق أفكاركم مشقة السؤال عنه، فهو عند الأولين مرقوم بيوم الهجرة للحياة، فاتخذوه بداية تأريخ لأمة الإسلام مجيد، وهو عند الآخرين موسوم بيوم العطلة للسُّبات، فرفعوه شعارًا لا يذكي في النفوس شيئا ولا يجيد.
أيها الإخوة الأعزاء، ويا بني قومي الأوفياء، تعالوا معي نتصفح على استحياء منا مقامَ أولئك الذين صنعوا هذا الحدث العظيم، وخلدوا ذكرهم في آي الذكر الحكيم، فكان لهم لسانُ صدق في الآخرين، ومقعدُ صدق عند مليك رب العالمين، لننظر كيف أمسى حال المسلمين اليوم بعد مضي مئين من السنين، وكيف أضحى أمرهم بعد أن ضننا على أنفسنا بسلوك نهج الرشاد، وخلدنا إلى دار المعاش في غفلة عن دار المعاد، فاكتفينا من الثمرة بالقشور فاستبدلنا الذي هو أدنى بالذي هو خير، ولقد امتدح الله تعالى أولئك الأفذاذ من صفوة مُبدع الخَـلق، وصُحبة خير الخلق مدحا لم يرق إليه غيرهم، وخلع عليهم من الصفات ما لا مطمع فيها لأحد بعدهم، فاصطلح على تسميتهم بالمهاجرين، وصفا غالبا عليهم دون سواهم، فكانوا موضع رضاه، وموطن توبته، وموئل محبته، ووارثي جنته {وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالاِنجِيلِ وَالْقُرْءَانِ وَمَنَ اَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} (سورة التوبة: 111) وقد يتعجب المرء حقا من المكانة الرفيعة بم استحقوها، ويتساءل عن المرتبة الشريفة كيف حققوها ؟. ولكن لا عجب، فما ذاك بسر في كتاب مكنون، ولا بخبر في حرز مصون، فالأمر باد للعيان يراه من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، ويدركه كلُّ إنسان دان نفسه واستعد ليوم الوعيد. فلا نلهثْ وراء سراب بحثا عن الأسباب، أو طلبا للجواب في غير آي ربك في مكنون الكتاب، فهي اصدق لهجة وأبلغ خطاب. فاستمعوا إلى ربكم كيف يفصل القول، ويعدد الفضل فيقول: {فَالذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الاَنْهَارُ ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ} (سورة آل عمران: 195)؛ وقال في شأنهم: {الذِينَ ءَامَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمُ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَآئِزُونَ يُبَشِّرُهُمْ رَبـُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا اِنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} (سورة التوبة: 20-22).
إنها الهجرة إذن من دار الكفر إلى أرض الله الواسعة حفاظا على دين المولى، وإيثارا للآخرة على زهرات الحياة الدنيا، فكان البر الرحيم جل في علاه وليا لهم ونصيرا. وإنه الإخراج من الديار جبرا، والطرد من الأوطان قسرا، فهذا رسول الله يقف على مشارف مكة يوم أخرجه قومه قائلا لمكة: «ما أطيبك من بلدة وأحبك إليَّ، ولولا أنَّ قومك أخرجوني ما سكنت غيرك» . وقال في حجته وهو واقف على راحلته: «والله إنك لخير الأرض وأحب الأرض إلى الله، ولولا أني أُخرجت منك ما خرجت». وإنه الاستيلاء على الأموال قهرا في واضحة النهار جهرا، فهذا صهيب الرومي رضي الله عنه لما أراد الهجرة قال له كفار قريش: أتيتنا صعلوكا حقيرا فكثر مالك عندنا، وبلغت الذي بلغت، ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك، والله لا يكون ذلك، فقال لهم صهيب: أرأيتم إن جعلت لكم مالي أتخلون سبيلي؟ قالوا: نعم، قال: فإني جعلت لكم مالي. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ربح صهيب، ربح صهيب. وإنه الإيذاء بلغ أشنعه، والعذاب أدرك أبشعه، بما لا طاقة للبشر تحمله، ما نجا منهم أحد ولو رسول الله، فما زادهم إلا إيمانا وتسليما، فهذا بلال رضي الله عنه يخرجه سيده أمية بن خلف إذا حميت الظهيرة، فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صلبه، ثم يقول له : لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى، فيقول وهو في ذلك البلاء: «أحد أحد». وإنه القتال في سبيل الله في بسالة وشهامة، طلبا للشهادة والكرامة، في غزوات متواليات، وفتوحات متتاليات، لم تعرف فتورا ولا خفة، بل هي تزداد مع مرور الأيام شراسة وضراوة، في شظف من العيش، وشدة من قلة ذات اليد، حتى قال قائلهم: إنَّ هما إلا الأسودان، والعدو قائم، والسيوف على أعتاقنا، فما زادوا على أن قالوا: {حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} (سورة آل عمران: 173)، وإنه القتل في سبيل إعلاء كلمة الحق، والموت من أجل نصرة وعد الصدق، شهداء يسعون إلى الشهادة سعيا، ويستسيغون المنية ريا، {فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} (سورة آل عمران: 146) في بطولة نادرة، وشجاعة فاقرة، فهذا جعفر بن أبي طالب أحد قادة غزوة مؤتة، عقر فرسه ودخل المعركة فأخذ اللواء بيمينه فقُطعت، فأخذه بشماله فقُطعت، فاحتضنه بعَضُدَيه حتَّى قُتِل رضي الله عنه وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، بعد أن ضربه أحد رجال الروم فشطره نصفين. وإنه الإيثار في ملحمة المؤاخاة، والإنفاق في سبيل الموالاة، فهذا ذو النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعدما جهز جيش العسرة بصُرَّة فيها ألف دينار فوضعها في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقلِّبها ويقول: «ما ضرَّ عثمان ما فعل بعد هذا اليوم» يردِّدها ثلاثا. وإنه وإنه مما لا يمكن عده ولا حصره، ولا جمعه ولا حشره، فقد صار في ذهن كل أحد معروفا، وفي قلب كل فرد موصوفا. في ورع مشهود، وشرف محمود، ووقوف عند الحدود، امتثالا لأمر الرب المعبود، فأكرم بهم من قومٍ {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُومِنينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآَئِم ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُوتِيهِ مَنْ يَّشَآءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (سورة المائدة: 54). تلك ملحمة خالدة خلودَ الدهر، صنعها أولئك الصحب الأماثل، فحق لهم دون سواهم هذا الفضل الذي اكتسبوه قبل أن يُسَدَّ بابُه يوم أن ارتفع نداء بلال من فوق الكعبة مرددا «الله أكبر! الله أكبر!» في إجلال وخشوع، رددت صدى نَداه جبال مكة وشعابها في إذلال وخضوع، وإذا بالحبيب المصطفى يعلنها مدوية بأعلى صوته، ويطلقها مجلجلة وقد دالت دولته، وشمخت عزته، وخشعت الأصوات له فلا تسمع إلاَّ همسا، وقد نزلت عليه سورة النصر يوم الفتح قائلا : «الناس حيز وأنا وأصحابي حيز. ألا إنه لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية».
أيها الإخوة الأوفياء تلكم حقيقة الهجرة في ذلك الزمان الفذ، وذلك مفهومها في أولئك الذين تسلقوا ذرى المجد، فكان مَن بَعدَهم لو أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه، فكيف حال المسلمين اليوم يا ترى وقد تغير مفهوم الهجرة وصار نوعا آخر مما يعم شأنه مهما اشتط المكان، ويستمر حاله مهما امتد الزمان، فلم تعد الهجرة في مفارقة الأهل والولدان، ولا في مباعدة الأموال والأوطان، وإن شاع هذا في هذا الزمان فكان كثير المسلمين يؤثرون ترك بلاد الإسلام ويستطيبون في بلاد الكفر المقام، فكانوا من حيث يشعرون أو لا يشعرون عونا لأعداء الإسلام . وإنما الهجرة ما حدده الحبيب المصطفى في حجة الوداع مخاطبا أعظم حشد للمسلمين في زمان النبوءة قائلا: «أأنبئكم من المهاجر؟ المهاجر من هجر السيئات ممَّا حرم الله عليه». وقال: «ألا إن المهاجر من هجر السوء». ولا أدلَّ على مفهوم كلمة السيئات والسوء من كثرة ترددهما في القرآن الكريم عشرات المرات بمعنى الكفر والعصيان، والعناد والفسوق، والظلم والجحود، وكلها تبعد المرء عن الصراط المستقيم، وتنيله سخط الواحد القهار، في سواء الجحيم وبئس القرار. ومن عجيب أمر الله تعالى في كتابه أن يرتب على آيات الهجرة والجهاد نهيَه عن كثير من المعاصي والموبقات، وحكمَه في كثير من الحدود والحرمات، فاقرؤوا إن شئتم قوله من سورة البقرة: {إِنَّ الذِينَ ءَامَنُواْ وَالذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا} (سورة البقرة: 218-219)، إلى آخر الأحكام المتعلقة بالأموال واليتامى، والنكاح والحيض، واليمين، والإيلاء والطلاق، والرجعة والرضاع، والخطبة والمتعة، ثم العدة والصلاة وغير ذلك، .ولترتيب آي القرآن بعضِها على بعض أسرار وحكم يدركها العلماء ويستنبطها الحكماء.
معاشر السادة الأكارم؛ تلكم حقيقة الهجرة، التي أرادها الحق جلَّ جلاله من جميع المسلمين والمسلمات، وهي التي ارتضاها لهم سببًا لنيل رضوانه والخلود في الجنات، فما مدى وفائهم لأهدافها، وتحقيقهم لغاياتها حتى يستحقوا مثوبة الهجرة فيكونوا من المهاجرين؟ إنها أسئلة تترى على الذهن كثيرا ولا نستطيع عدها، وصور من عدم الوفاء تتراءى عيانا ولا نستسيغ حصرها، فهي حسرة تذيب الفؤاد، وتُدمي القلب، وتنكئ النفس، وتُدمع العين، إلاَّ ما رحم ربِّي.
* فهل هاجر المسلمون طُرق البدع وسبل الضلال فأخلصوا العبادة لله، وابتغوا إليه الوسيلة دون سواه؟ ألسنا نرى براثن الشرك تخدش جسد الأمة في كثير من مظاهر العبادة، التي تخرج صاحبها من دائرة الإيمان فتوقعه في حفر النفاق والشرك، بالتوسل إلى الأضرحة والأموات، والتمسح بالقباب والعتبات المنبثة في جميع بلاد الإسلام؟
* هل هاجر المسلمون ربقة الشقاق والخلاف، واعتصموا بحبل الله القويم جميعا فكانوا صفا واحدا في مواجهة الأعداء؟ ألسنا نرى بأسهم بينهم شديدا، تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى، في صراع لا يتناهى، وقد رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها، فأذاقهم الله لباس الجوع والخوف في مذلة وهوان، وألبسهم شيعا يذيق بعضهم بأس بعض؟
* هل هاجر المسلمون إضاعة الصلاة واتباع الشهوات، فحافظوا على الصلاة كاملة أركانها، وجاؤوا بها تامة في كل أوقاتها؟ ألسنا نرى الصلاة كيف صارت عبئا ثقيلا، لا يقيمها المسلمون غالبا إلا في المناسبات كالجنائز والجمعة والأعياد؟
* هل هاجر المسلمون شرب الخمور والمسكرات، وتعاطي المفتِّرات والمخدرات، وهل هاجروا الميسر والقمار؟ ألسنا نرى ذلك أمرا مباحا، وعملا مستساغا، بل ومما تشجع عليه كثير من الحكومات، فانهمك شباب المسلمين في غمار الجريمة فكانوا في أسفل سافلين؟.
* هل هاجر المسلمون الفسق والفجور، وانتهاك حرمات ربات الخدور؟ ألم يعد الزنا مباحا، وعملا مقننا، تبنى له البيوت بل القصور، وصارت في أعين متعاطيه تجارة لن تبور، فارتطم الفتيان والفتيات في مهاوي الرذيلة لا يلوون على شيء حتى نادوا بالويل والثبور؟.
* هل هاجر المسلمون الربا؟ ألم تقم لممارسته مؤسسات في كل مكان، وتعالت لشأنه البنوك في كل ميدان، تغري الغافلين بالوقوع في حمأته في كل آن، مؤذنة بحرب من الله ورسوله، وفتنةٍ لا تصيبنّ الذين ظلموا خاصة، تشيب لها الولدان، وتدع الحليم حيران؟.
* هل هاجر المسلمون تقليد اليهود والنصارى، فخالفوهم في نمط معاشهم، امتثالا لقول المصطفى صلى الله عليه وسلم : «خالفوهم ولو في شراك نعلهم»؟ ألسنا نرى كيف أقبلوا عليهم يقلدونهم في كل شيء، ظاهرا وباطنا، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلوه، فانتزعت سيما الإيمان من الوجوه، وانسحبت حقيقة الإسلام من الوجود، فكانوا في الأهواء سواء، وما الاحتفال التي أقاموه بمناسبة رأس السنة الميلادية ببعيد!.
* هل هاجر المسلمون موالاة اليهود والنصارى والكفار الذين اتخذوا دين الله هزؤا ولعبا؟ وهل هاجروا اتخاذهم أولياء من دون الله، ألسنا نرى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة، فكانوا يعوذون بهم فزادوهم رهقا، وما كان لهم من الله من واق؟.
* هل هاجر المسلمات مظاهر التبرج السفور، والتعري على شواطئ الأنهار والبحور؟ ألسنا نرى المرأة كيف راحت تنسلخ من حيائها، وتتجرد من ثيابها، وتبدي مفاتنها، على غير استحياء وقد استشرفها الشيطان فهو لها قرين في مراتع التحلُّل والفسوق؟.
هل هاجر المسلمون فحش القول وتجنبوا حصاد الألسنة التي تكب أصحابها على مناخرهم في النار؟ ألسنا نسمع ونرى ما تلوكه الألسنة، وتقيئه الأفواه والمطابع والشاشات من فحش وسباب، وبهتان ونميمة، وغيبة وافتراء، فجاؤوا {شَيْئًا اِدًّا يَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الاَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا} (سورة مريم: 89-90)!
* هل هاجر المسلمون مظاهر الغش والغرر والاحتكار؟ وتجنبوا أكل أموال الناس بالباطل وابتعدوا عن طرق الكسب الحرام؟ ألسنا نرى أكل الأمانة باد للعيان، وتتداولَ مختلف صور البيع المحرمة في كل مكان، ابتغاء الربح السريع من أي طريق كان، فأنبتت أموالهم نكدا، جسدا غدي بسحت فكانت النار أولى به!
* هل هاجر المسلمون الكسل والخمول؟ وانتهوا عن الركون إلى الدعة واللهو والمجون؟ ألسنا نراهم في سباتهم يغُطُّون، وفي ضلالهم يعمهون، يأكلون من فتات أسيادهم، ويلبسون من نسيج غيرهم، ويحاربون بسلاح أعدائهم، فكانوا من الأراذل والمستضعفين، ومن بادي الرأي المستعبدين؟...
ماذا عساي أن أحصي مما لا يمكن إحصاؤه من السيئات، وماذا عساي أن أعدد مما لا يمكن عده من أعمال السوء، مما كان لزاما على المسلمين أن يهاجروه، وهم على بينة من أمرهم حتى يكونوا من المهاجرين حقا، ولعمري لهذه هي أفضل طريقة للدفاع عن حرمة رسول الله الذي يتعرض للمهانة هذه الأيام، ولن يضروه شيئا، وأنجع وسيلة للذود عن حمى خيرة خلق الله يخشاها العدو المتربص على الدوام، فما تجرأ أعداء الله على العبث بقداسة رسول الإسلام، والاستهزاء بعزة خير الأنام إلا لأنهم يعلمون أن أكثر أتباعه اليوم من المسلمين هم {كَمَثَلِ الذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَآءً وَنِدَآءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} (سورة البقرة: 171)، فما أجمل هذه الهبة التي فاهت بها لهوات المسلمين تنديدا وإنكارا، ودانتها حكومات المسلمين مقاطعة واستنفارا، وإننا لنحيِّي من أعماق قلوبنا كل المواقف المعبرة التي قامت بها الشعوب والحكومات تجاه هذه الفعلة الشنعاء، التي تمخَّض بها أحفاد السامري كرها وجحدا، واستبضعها أولاد قلب الأسد بغضا وحقدا، غير أننا نعد الرد المبين على أعداء رسول الإسلام، لا يجليه فحسب مقاطعة بضائع الأفاك الكذوب، بل مقاطعة طبائع أتباع الصليب، والحب الثمين لخير الأنام لا يجسده مسيرات في الشوارع تجوب، بل في اتباع سنة النبيء الحبيب؛
أَتَعْصِي الإِلَهَ وَأنتَ تُظهِرُ حُبَّهُ .:.:. هَذا لَعَمْرِي فِي القِيَاسِ بَدِيعُ
لَو كَانَ حُبُّكَ صَادِقًا لأَطَعْتَـهُ .:.:. إنَّ الـمُحِبَّ لِمَن يُحِبُّ مُطِيـعُ
فهيهات هيهات أن يتحقق لهم هذا ما لم يوطدوا العلاقة بخالقهم، ويعاودوا ربط الصلة بربهم، ويعتصموا بحبله، ويستمسكوا بعروته، {إِلاَّ الذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُومِنِينَ وَسَوْفَ يُوتِ اللَّهُ الْمُومِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} (سورة النساء: 146). فما كان أسرع تحقيقَ النصر للأولين بعد هجرتهم، فما كادت تمر سنتان على ذلك حتى تحقق لهم أعظمُ نصر في تاريخ الإسلام يوم الفرقان يوم التقى الجمعان، في غزوة بدر الكبرى، {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمُ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (سورة آل عمران: 123). ألا إن نصر الله قريب يا مسلمون إن نحن هاجرنا. إنه لن يتحقق إلا على أساس السنَّة الإلهية القائمة على مبدإ التغيير، ومبدإ التغيير فقط؛ {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيـِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيـِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} (سورة الرعد: 11)، وأين هجرتنا من هجرتهم. فحقِّقُوا الشرط يحقَّق لكم الجزاء؛ {يَآ أَيـُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتَ اَقْدَامَكُمْ} (سورة محمد: 7).... {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَّنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} (سورة الحج: 40).
عيدٌ بأيّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ
بمَا مَضَى أمْ لأمْرٍ فيكَ تجْديدُ
فما أعظم حظ الأولين وقد تعبوا فسعدوا، وما أبخس حظ الآخرين وقد لعبوا فشَقَوا، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها. هذا وعدُ الله؛ {وَعَدَ اللَّهُ الذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الاَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمُ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَاةَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (سورة النور: 55-56) صدق الله العظيم.
اللهم إنا نعوذ بك من زوالِ نعمتك، وتحوُّلِ عافيتك، وفجاءةِ سخطك، وجميعِ غضبك، وهنيئا لنا حلول العام الهجري معشر المسلمين، فاللهم اجعلنا ممن يعيشه طاعة فيرقى، ولا تجعلنا ممن يعيشه معصية فيشقى.
{اِنَّ اللَّهَ وَمَلآَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيءِ يَآ أَيـُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (سورة الأحزاب: 56) صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما. {سُبْحَانَ رَبـِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلاَمٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (سورة الصافات: 180-182).


--------------------
الهوامش
هذه خطبة ألقيت أول مرَّة في مسجد الشيخ محمد علي دبوز يوم الجمعة 19 ذو الحجة 1246هـ / 20جانفي 2006م

نشرت الخطبة في دورية الحياة، العدد: 10، 1427هـ/2006م، ص299-308.

اسم الكاتب