المرحوم محمد بن يحيى سليمان بوعصبانه (1918 ـ 2002 م)
بساطة .. وتاريخ مـضيء(1)
نصادف في حياتنا اليومية كثيرًا من الرجال.. العالِمَ والأمي، الفقير والغني، السقيم والسوي… فيفنى البعض وينقطع ذكرُه، ويفنى الآخر ويخلُد ذكره، لصفاتٍ اتصفوا بها، ومكارم اتَّسموا بها، فغدت نورًا يضيء تاريخهم الذي لم نحفل به كثيرًا، ولم ندرك أهميته إلاَّ بمغادرتهم لنا، وندرك حينها حقيقة قول الشاعر:
فاغنَم لِنفسِكَ قبلَ مَوتِكَ ذِكرَهَا فالـذِّكرُ للإِنسَانِ عُمرٌ ثَـانِ
ومن هؤلاء الرجال المخلصين، الذين نذكرهم اليوم، ونلتمس دربهم المنير؛ المرحوم محمد بن يحيى:
1- نسبه الكامل:
هو سليمان بوعصبانه محمَّد بن يحيى بن باحمد بن يحيى بن الحاج إبراهيم، أمُّه سليمان بوعصبانه مسعودة بنت الحاج محمد، ينتمي إلى عائلة سليمان بوعصبانه العريقة، أكبر عائلات عشيرة ”البلات“ بالقرارة عددًا، والتي يمتدُّ نسبُها إلى الجدِّ سليمان أحد مؤسِّسي عشيرة البلات بالقرارة.
2- مولده ونشأته:
وُلد بالقرارة خلال سنة 1918م، في عائلة ميسورة الحال، وكان نجل والده الوحيد، وله أختٌ واحدة. دخل الكتَّاب في سنٍّ مبكِّرة، شأنه شأن كلِّ الميزابيين آنذاك، ليتعلَّم أوَّل ما ينبغي أن يُتعلَّم من علم الله وهو القرآن. نشأ وترعرع في عائلة محافظة ومتمسِّكة بالقيم الدينية والأخلاقية ومنهج السلف الصالح.
3- مراحل تعليمه:
لما بلغ سنَّ السادسة من عمره انتقل إلى مدينة باتـنة أين يعمل والده ”يحيى بن باحمد“ تاجرًا مع شريكه المعروف بـ”باحمد بن الحاج سليمان بوعصبانة“، دخل مدرسة الأمير عبد القادر التي كانت تدرِّس باللغة الفرنسية، وكان من بين زملائه آنذاك ”محمد بن الحاج عبد الله الهناي“ رحمه الله، و”محمد بن أحمد سليمان بوعصبانة“.. فأكسبته ثقافة ممتازة في اللغة الفرنسية، وتخرَّج منها بشهادة التعليم الابتدائي.
ثم أرسله والده مع آخر بعثة علميَّة ميزابية إلى تونس، في نهاية العشرينيات من القرن الماضي، وكان أبرز زملائه في هذه البعثة: محمد بن الحاج قاسم جهلان، عمر بن صالح أدَّاود، ويوسف حشحوش.
التحق بثانوية ”الصادقية“ بتونس؛ التي تخرَّج منها كبار الزعماء، أمثال: فتحي الزُّهير، وموجي السليم: وزير الخارجية التونسي الأسبق وممثل تونس في جمعية الأمم المتحدة، وكذلك رائد الحزب الدستوري في تونس السيد صالح بن يوسف.
كان محمد بن يحيى ناجحًا ومثابرًا في دراسته، إلاَّ أنه لم يُكتَب له تحقيق حلمه الذي ظل يُراوده وهو نيل شهادة البكالوريا، كان ذلك بسبب قذًى أصاب إحدى عيْنَيْه، فأُجريت له عملية جراحية فيها، مما أعاقه عن الوصول إلى القسم النهائي.
4 - محمد بن يحيى بعد العودة من تونس:
لما عاد محمد من تونس إلى مسقط رأسه بالقرارة سنة 1936م، دخل ”دار العلم“ التي كان يدرِّس فيها الشيخ إبراهيم بيوض - رحمه الله - طلبته، على مختلف مستوياتهم.
وفي هذه الآونة تعرَّف على الشيخ ”محمد علي دبوز“ - رحمه الله - الذي كان من أعزِّ أصدقائه، فأنشآ مع ثلة من الإخوان(2) ما يُسمى بـ: (إخوان الصفاء) سنة 1938م، الذين يلتقون في جلسات دورية لمناقشة مواضيع الساعة، وخاصة السياسية التي تهمُّ الوطن، والاجتماعية التي تهمُّ المجتمع الميزابي، وتبادل آخر الأخبار المحلية والوطنية والدولية، وإبراز المواهب الفنية والشعرية للمشاركة في شتى المناسبات.
5 - بن يحي في حياته العملية:
اشتغل محمَّد بن يحيى معلِّما للغة الفرنسية بمدرسة الحياة بالقرارة لمدة سنة واحدة، إلى جانب دروس التقوية التي كان يقدِّمها في هذه المادة بـ”نادي الحياة“(3)، بعد ذلك استُدعِيَ ليعمل تُرجُمانا بمحكمة بسكرة، نظرًا للمستوى الذي كان يمتاز به في اللغتين العربية والفرنسية، فاشتغل مع السيد الفاضل: ”عز الدين ارتباز“. ولقد كانت له ذكريات سيئة في هذا العمل؛ لاحتكاكه بجرائم الناس ومشاكلهم ومخالفاتهم.
بعد ذلك استدعاه أبوه ”يحيى بن باحمد“ إلى جانبه ليدير معه أمور ”شركة سليماني“ بباتنة، فاستشار السيد خبزي عيسى بن عماره فأرشده إلى الالتحاق بوالده.
كان أبوه يحيى بن باحمد رئيسا للجماعة الميزابية بباتنة آنذاك، وبعد تقاعده تجدَّدت لجنة الجماعة، التي ضمت المرحوم محمد بن يحيى، فكان خير خلف لخير سلف، وكان مقر ”شركة سليماني“ مركزًا للاتصال بين وادي ميزاب ومدن الشرق، فيما يخص القضايا الوطنية والمحلية، وكذا أخبار الشيخ بيوض رائد الإصلاح في الجنوب.
6 - محمد بن يحيى وجهاده الاجتماعي في القرارة ...
عُرف محمَّد بن يحيى في القرارة بنشاطه الاجتماعي الدؤوب، إذ التحق بإدارة عشيرته (البلات) سنة 1950م، وعمره 32 سنة، فبرز في لجنة الشؤون الاجتماعية، وكان يتولَّى معالجة القضايا العويصة، فلجأ إليه خلقٌ كثير لحل قضاياهم ومشكلاتهم؛ سواء أكانوا من أبناء عشيرته أم من أبناء العشائر الأخرى، فكان يقضي بيضة نهاره في حلِّ قضايا الناس، ومشاركة إخوانه من أهل الحلِّ والعقد في إدارة العشيرة أمثال السيِّدَين: ”عيسى بوحجام“ و”حمو لقمان“. كما اختصَّ بتصفية المواريث وتقويم أملاك الناس وتَرِكَاتِهم، حيث كان يتعاون مع المختصين في هذا المجال من شخصيات البلدة: أمثال الشيخ دحمان سعيد، والحاج محمَّد الزيت وغيرهم.
7 - محمد ونشاطه المتعدد في باتنة ...
1. بعد الاستقلال مباشرة شارك محمد بن يحيى مع إخوانه أعضاء ”شركة سليماني“ بباتنة في إعادة تكفين وجمع رفات الشهداء، بالتنسيق مع المجاهد ”صالح باتار“.
2. أنشأ المرحوم مدرسة لتعليم اللغة العربية في مدينة باتنة أواخر سنة 1963م، بمساعدة لجنة من السادة: ”شريف بلقاسم“، ”نايلي عمر“، ”شعباني الوردي“، و”الطاهر مقلاتي“، فكان المرحوم بن يحيى رئيسا لهذه اللجنة، مهتمًّا بجمع التبرعات، وقد استقدمت أساتذة سوريين لهذه المدرسة، التي سُمِّيت: ”بالمدرسة العائلية“، وكان السيد ”محمود الواعي“ يتولى شؤونها الإدارية. فأعطت المدرسة ثمارها وخرَّجت أجيالا مثقفة باللغة العربية، ودامت المدرسة إلى أن أنشئت وزارة التربية.
3. كان المرحوم بن يحيى أوَّل مدير مدرسةٍ للميزابيين في باتنة، وقد انطلق نشاطها بقسميْن اثنيْن، وكان يعتني بتعليم القرآن الكريم والفقه الإسلامي. ولـمَّا قدم الشيخ الحاج عمر صالح (دغيوس) إلى باتنة استحسن منهج المرحوم في التعليم، فطوَّره وأثراه.
4. في لقاءٍ لعقيد الولاية الأولى المرحوم ”الحاج لخضر“ مع أعضاء شركة سليماني بباتنة، كشف عن نيته في بناء مُجمَّع أوَّل نوفمبر، الذي يتضمَّن مسجدًا كبيرا يتَّسع لـ 30 ألف مصلِّي، ومعهدًا لتعليم أصول الدين وعلوم الشريعة، فرحَّب الحاضرون بالفكرة وأبدَوْا استعدادهم الكامل لمساعدته، فاختار العقيد الحاج لخضر، كلاًّ من ”عمر بن الحاج إبراهيم“ و”محمد بن يحيى“ عُضويْن في لجنة بناء الـمُجمَّع، لكن الأجل عاجل عمر بن الحاج إبراهيم، فبقي محمد بن يحيى ينشط مع العقيد بمعية ”الشيخ البُخاري“ والسيد ”عبد العزيز القنطري“، فتجوَّلوا في عدة ولايات من الوطن لجمع التبرعات.
5. للمرحوم دور فعَّال في بناء مُصلى الميزابيين في باتنة، والذي ما يزال يؤدي دوره ورسالته إلى اليوم.
6. انتُخِب المرحوم محمد بن يحيى عضوًا في المجلس البلدي لمدينة باتنة، لمدة عهدتين كاملتين، منذ سنة 1967م، مُكلَّفا بالشؤون الاجتماعية، فانصبت كل اهتماماته في مساعدة الـمُحتاجين، إذْ كان يقضي يومه كاملاً مشتغلاً بقضاء حوائج الناس دون أن يكترث لمصالحه الخاصة، فكان - رحمه الله - رجلا اجتماعيًّا بأتم معنى الكلمة، حتى قيل فيه بأنَّه: (تضحية تمشي على رِجليْنِ)، مهتمًّا بإصلاح ذات البين بين جميع فئات المجتمع، الإباضي والمالكي، في الأوراس وفي ميزاب على حدٍّ سواء.
7. تولَّى ”محمد بن يحيى“ رئاسة جماعة الميزابيين بباتنة، مباشرة بعد وفاة ”عمر بن الحاج ابراهيم“، فاهتمَّ بالمُصلَّى والمدرسة والمعلمين وظروفهم الاجتماعية، وكذا الطلبة الجامعيين الوافدين إلى باتنة، والتجار الـجُدد، والمرضى الذين يقصدون باتنة للاستشفاء، والشباب الـمُقبل على الخِدمة الوطنية، فأصبحت إقامة ”la commune“ التابعة ”لشركة سليماني“ قِبلةً مقصودةً لكل الوافدين إلى باتنة من وادي ميزاب، لقضاء حوائجهم الاجتماعية المهنية والعلمية. كما كان يساعد الطلبة - وخاصة الفقراء - من أبناء الأوراس في الالتحاق ”بمعهد الحياة“ بالقرارة، وبالأخصِّ من الوادي الأبيض بحوز آريس. وبالمقابل كان يستقدم الطلبة المجدِّين من وادي ميزاب للدراسة في المعهد الإسلامي بباتنة، بالتعاون مع الشيخ ”عمر دردور“، والأستاذ ”محمد الطاهر عزوي“.
8. امتدَّت أعمال المرحوم الاجتماعية والإصلاحية في الأوراس إلى مساعدة المدرسة القرآنية في المركب الثقافي التاريخي بدشرة ”أولاد موسى“ التي انطلقت منها الأفواج الأولى للثورة ليلة قيامها، تحت إشراف الشهيد ”مصطفى بن بولعيد“ في نوفمبر 1954م.
8 - محمد بن يحيى ومشاركته في الثورة التحريرية ...
> كان محمَّد بن يحيى صديقا حميما لمفجِّر الثورة التحريرية المباركة، الشهيد ”مصطفى بن بولعيد“.
> في 30 أكتوبر 1954م عبَّأ محمَّد شاحنة مليئة بالمؤونة، بأوامر من مصطفى بن بولعيد تحضيرًا للفاتح من نوفمبر.
> كان محمَّد يتَّصل بأصدقائه الثوَّار في الأوراس وفي خنشلة، بواسطة السيد ”علي زقادة“ أحد أصدقاء الشيخ أبي اليقظان، وكانت لمحمَّد بن يحيى علاقات وطيدة بصاحب المركز الآخر للثورة في يابوس، السيد ”بودراع محمد“، وكان هذا المركز يُمَوَّل بواسطة ”شركة سليماني“، وبتنسيق المجاهد المرحوم محمَّد بن يحيى.
> كوَّنَ محمَّد لجنةً لمساعدة عائلات المجاهدين الموجودين في السجن، وآخرين في الجبال، فوُزِّعت عملية تموين هذه العائلات على ”شركة سليماني“، التي كانت إحدى مراكز الثورة، إلى أن كُشف أمرها، فأُغلق محلُّها لمدة طويلة، وأُدخل أصحابها السجن، فأُذيقوا أشدَّ أنواع التعذيب، مقابل إخلاصهم وتضحياتهم في الثورة، وقد نجى منهم محمَّد بن يحيى بفضل فراره إلى الجزائر العاصمة.
9 - مرضه ووفاته:
في بداية شهر ماي 2002م، أُصيب محمَّد بن يحيى بقصور كلوي حاد، فألزمه المرض الفراش مدَّة شهر كامل، إلى أن انتقل إلى جِوار ربه يوم الأحد 28 ربيع الثاني 1424هـ / 10 جوان 2002م، بمستشفى القرارة.
10 - قيل في حقِّ المرحوم محمد بن يحيى:
* «محمد بن يحي رحمه الله كان أبًا للجميع، وأخًا للجميع». الحاج عمر صالح (دغيوس)
* «إنَّ محمد بن يحيى رحمه كان رجلاً لا ككلِّ الرجال». باحماني مسعود
* «محمد بن يحيى رحمه كان رجلاً اجتماعيًّا، يمتاز بأخلاق طيِّبة ونبيلة، ذو ثقافة عربية وفرنسية، كلُّ عمله جهادٌ في سبيل الله، متواضعٌ مع كلِّ الناس، سخيٌّ بماله، يحبُّ مساعدة الجميع». الشيخ سعيد شريفي (الشيخ عدُّون)
----------------------
الهوامش
1 ـ هذا المقال مستخلص من مداخلات قدمت في الحفل التأبيني الذي أقامته جمعية الفرقان بمدينة باتنة للمرحوم محمد بن يحيى، والمرحوم عيسى بن الحاج إبراهيم سليمان بوعصبانه، وذلك يوم الجمعة: 30 صفر 1424هـ، الموافق لـ: 02 ماي 2003م، وحضرته شخصيات مختلفة وممثلين عن الحكومة، إلى جانب أصدقاء المرحومْين وعُشَرَائهما. وقد اعتمد المقال بالخصوص على ما كتبه السيد ”حمدي سعيد بن محمد بن عمر“، والأستاذ ”محمد الطاهر عزوي“.
2 ـ ومن هؤلاء نذكر: الشيخ دحمان سعيد بن عبد الله المعروف بـ”الشيخ سعيد“، والشيخ الشهيد محمد المرموري رحمه الله، والأستاذ عماره عماره بن إبراهيم، والسيد حشحوش يوسف بن يحيى، والسيد جهلان محمد بن الحاج قاسم، والسيد جهلان محمد بن الحاج بكير المعروف بـ”الطالب“، والسيد الشيخ أحمد عمر الذي كان أكبرهم سنًّا والمتوفى سنة 1942م.
3 ـ نشير - للتاريخ - أنَّ صديق بن يحيى السيد الشيخ سعيد - حفظه الله - كان من أوائل من علَّم النحو الواضح بأسلوبه الحديث في ”دار العلم“ لفضيلة الشيخ بيوض رحمه الله.
نشر المقال بدورية الحياة، العدد: 07، 1424هـ/2003م، ص165.