الأستاذ: قاسم بن حمو حُجاج
ـ جامعة ورقلة ـ
مقدمة
إن هذا الموضوع يحتاج وحده إلى أيام دراسية، لذلك من الصعب الإحاطة بجوانبه كلها في هذا البحث. ولأنه يتطلب منهجيا وعلميا تعريفا بمفاهيم عديدة ذات علاقة بالموضوع كـ: مفاهيم الإنسان والإنسان السياسي، الرجل السياسي والعمل السياسي، المجتمع والمجتمع السياسي والمدني، السلطة والنخبة السياسية، السلطة السياسية والدولة، السياسة العقلانية المكيافيلية والسياسة الشرعية، التنظيم السياسي الرسـمي والتنظيم اللارسـمي، العولمة والعولمة السياسية، الديمقراطية والشورى، التنمية السياسية ومكوناتها: الهوية السياسية، والثقافة السياسية، والتنشئة السياسية، المشاركة السياسية، والتكامل السياسي، والتغلغل السياسي، والتوزيع السياسي للموارد وغيرها.
وأؤكد في هذا الاستهلال أنه لا تنمية حضارية بدون تنمية شاملة ولا تنمية شاملة بلا تنمية سياسية ولا تنمية سياسية بلا تنمية اقتصادية ولا تنمية اقتصادية بلا تنمية ثقافية وأخلاقية وذوقية راقية. كما أنه لا ديمقراطية سياسية بلا ديمقراطية اجتماعية، بلا ديمقراطية ثقافية. ولا ديمقراطية وطنية إن لم تكن محلية وكوكبية في آن واحد.
ومن هنا سنحاول الاقتراب من الموضوع المقترح من خلال المحاور التالية:
أولا: أهمية موضوع التنشئة السياسية في ظل العولمة.
ثانيا: بعض فرص ومخاطر العولمة وأثرها على التنمية السياسية
1)-بعض مميزات وفرص العولمة (العولمة السياسية خاصة)
2)-بعض مخاطر العولمة (العولمة السياسية خاصة)
ثالثا: التنشئة السياسية: تعريف وأهداف ومستلزمات
***
يُبدي علماء علم النفس السياسي وعلم النفس التربوي وعلم الاجتماع السياسي وعلوم الاتصال والإعلام فضلا عن علم السياسة المعاصر، اهتمامًا كبيرا ومتزايدا بالقيم والانتماء والهوية والسلوك البشري وبآليات انتقالها وتوريثها للأجيال الجديدة ضمن الجماعة الوطنية الحديثة، وبدورها في تشكيل خزان الدوافع المعيارية التي تشكل الفعل ورد الفعل، السلوك والسلوك المقابل، اهتمامها بالنظم التربوية والتعليمية وتكوين الرأي العام واتجاهاته ودور وسائل الإعلام والدعاية والاتصال وبالتصويت السياسي والنظم الانتخابية وبالتنمية الشاملة ـ ومنها التنمية السياسية ـ وما تطرحه على صناع القرار من مواجهة مشكلاتها المتعلقة أساسا ببناء الهوية السياسية الوطنية، وبالمشاركة السياسية الديمقراطية في صنع واتخاذ القرارات، وبالاندماج السياسي ضمن مؤسسات الجماعة الوطنية، وبالتوزيع السياسي الديمقراطي للموارد الاقتصادية بحيث تحقق آلياتها نوعا من العدالة والمساواة والديمقراطية الاجتماعية. إذ لا ديمقراطية سياسية بلا ديمقراطية اجتماعية... كما تهتم تلك العلوم بما تتطلبه تلك العملية من اعتماد استراتيجيات وبرامج ومناهج ومؤسسات للتنشئة الاجتماعية ومنها ـ فيما يعنينا هنا ـ التنشئة السياسية.
وللتذكير فإن هذا الاهتمام العلمي البحثي والعملي تنامى خلال الفترة التي أعقبت نجاح الثورات الصناعية والإعلامية منذ بداية القرن العشرين وخاصة بعيد الحرب العالمية الثانية. ولكن يزداد هذا الاهتمام بتلك الجوانب المتعلقة بتوجهات الفئات الاجتماعية المختلفة إزاء العملية السياسية مع تسارع وتيرة ديناميكية التغيير الاجتماعي ومستويات الاعتماد المتبادل بين الدول وتداخل وتشابك المجالات الوطنية واختراق الحدود الجيوـ سياسية والجيو ـ ثقافية والجيوـ معلوماتية والجيو ـ اقتصادية، أي مع ما أصبح يسمى بالعولمة ـ أو بالأحرى العولمات ـ بكل تداعياتها وأبعادها وأشكالها: ثقافية وسياسية واقتصادية وتكنولوجية وعلمية واجتماعية وروحية واستراتيجية وبيئية... الخ.
أولا: أهمية موضوع التنشئة السياسية في ظل العولمة:
إذا، يكتسي إثارة هذا الموضوع حاليا أهمية خاصة لما لتنشئة الأجيال من أهمية حيوية خاصة في بلداننا النامية التي تشهد انفجارا ديموغرافيا وحركية سكانية سريعة، مصحوبة بأزمات تنموية وسياسية جعلتها تدور في حلقة مفرغة للتخلف، مما يقتضي ضبط استراتيجيات مستقبلية محكمة للتنمية الشاملة والسياسية للناشئة عامة وللشباب خاصة. هذا الشباب الذي يشكل الغالبية العظمى للتركيبة البشرية لمجتمعاتنا والتي تراهن عليها قوى عديدة في الداخل والخارج تنتمي إلى عالم السياسة والمال والدين والفن والرياضة والاستخبارات والتسويق والإعلام والتجارة والإجرام والإرهاب(1).
والحركات المتطرفة والأصوليات المختلفة تسعى للتلاعب ببنياتها العقلية والإدراكية والسيكولوجية وقيمها عن بعد مسوقة أوهام وأحلام ومشاريع بعض قوى العولمة.
حيث إن العولمة في أحد تعريفاتها المتكاثرة والمضاربة تعبر عن: «تقاطع/convergence عالمي للمواقف والقيم التي تساهم في إقامة أجواء نفسية، روحية، وجدانية متداخلة للمجموعة البشرية العالمية بشكل غير مسبوق فيما مضى»(1).
ثانيا: بعض فُرَص ومخاطر العولـمة وأثرها على التنمية السياسية:
ومن هنا فإن العولمة السياسية بفرصها ومخاطرها تعرف من مجموعة من مكوناتها الأساسية وهي:
أ) - بعض مميزات وفرص العولمة و(العولمة السياسية خاصة):
1)- إعادة تعريف مفاهيم سياسية كلاسيكية(1) مرتبطة بالظروف التاريخية الحضارية لظهور الدولة الوطنية الحديثة مثل: السيادة الوطنية، الهوية الوطنية، الحدود الوطني، الاقتصاد الوطني، السوق الوطنية، الهوية الوطنية، اللغة الوطنية... بحيث تنسجم مع التحولات التي تدفع إليها ديناميكية العولمة الاتصالية والاقتصادية...
2)- تنامي أدوار ووظائف المجتمع المدني وطنيا وعبر الأوطان وتزايد الوعي المواطني بأهمية المشاركة السياسية محليا ووطنيا وكوكبيا للحيلولة دون تداعي عدوى الأزمات والأمراض العابرة للحدود الوطنية وحلها ضمن شروط ممارسة الديمقراطية المحلية والوطنية عن طريق الحركة الجمعوية .
3)- الأخذ بمبدأ الحكم الصالح والشفافية والنظافة السياسية في إدارة الشأن العام وتنمية الموارد الاقتصادية بعيدا عن المحسوبية والرشوة والمحاباة والغموض واللصوصية وإهدار الموارد في مشاريع ترفيهية بذخية ترهن مستقبل الأجيال القادمة وتحول دون تحقيق تنمية مستدامة حقيقية.
3)- زيادة درجة التسييس لأوساط واسعة من البشر بعد طول احتكار للمجال السياسي من طرف السياسيين وأساليبهم السرية في إدارة الشأن العام وانكشاف الكثير من ممارساتهم عبر السلطة الرابعة ومواقع الإنترنت والقنوات الفضائية والمعارضات السياسية وهذا أتاح فسحة أكبر من المشاركة العامة والاهتمام بالشأن العام للمدينة والدولة وقلص من حدة تهميش أو هامشية الدور السياسي لقطاعات سكانية كثيرة.
4)- تزايد وتيرة الحراك الجيلي وسرعة تنضيج وعي الصغار والشباب من الأجيال الجديدة التي عاصرت ثورة المعلومات والاتصالات والدمقرطة مما يضغط في اتجاه التجديد الجيلي والتداول الجيلي على السلطة والقيادة ـ على أساس الإدارة عبر الفريق والذكاء الجماعي ـ على المستويات المحلية والمركزية، خاصة لما أضحى يتطلبه الفعل السياسي من مهارات لا تكفي فيه القدرة الخطابية وكاريزما الشخصية والإنجازات البطولية لقيادات الجيل المخضرم من الأجيال الشبانية السابقة.
5)- تعقد العمل السياسي وتزايد تكاليفه المعنوية والمادية على المستوى الفردي والمحلي والوطني والدولي مما يتطلب تكوينا مستمرا للنخب السياسية وتعبئة للذكاء الجماعي الوطني والتقليل من نموذج الدولة الشديدة التدخل في التفاصيل والمشكلات الصغيرة لمواجهة تعقدية وتسارع وتيرة الأنشطة الإنسانية المتدفقة عبر الحدود الهلامية.
6)- انتشار ثقافة حقوق الإنسان ومفاهيم المواطنـة والديمقراطية السياسية والتعددية السياسية، وتزايد المطالبة المجتمعية بالمزيـد مـن الشفافية والشرعية والإدارة الديمقراطية للحكـم والشؤون العامة بحيث تطالب بجهاز دولي فعال اقتصاديا.
7)-تزايد الأخذ بمبدأ النسبية الثقافية والتعددية الثقافية في بناء الجماعات المحلية والوطنية والتكتلات الإقليمية الكبرى لتلافي انفراط رابطة العقد الوطني ولتعبئة جميع الموارد البشرية الوطنية المتاحة بكافة ألوان طيفها بعيدا عن السياسات والنماذج المفرطة في التجانسية التنميطية للهوية الوطنية.
***
ب)- بعض مخاطر العولمة السياسية و(العولمة السياسية خاصة):
يمكن أن نوجز مجموعة من المخاطر والتغيرات السلبية التي تصاحب العولمة السياسية وهي كما يلي:
1) انهيار دولة الرفاهية الاجتماعية في ظل سيطرة أيديولوجيا الليبرالية الجديدة، وغياب طريق ثالث أو حلول بديلة مستقلة عن الفكر الأحادي السائد، ما عدا محاولات محتشمة لما يسمى باقتصاد السوق التضامني / الإنساني وتجارب أخرى تعيش الحصار تستند إلى الأطروحة الاقتصادية الإسلامية.
2) أزمة تماسك الدولة الوطنية(الدولة الأمة) وابتذال سيادتها بسلطة التكنولوجيات القديمة والجديدة خاصة، وانكشافها الأمني (الاستخباراتي)، وانطماس الحدود بين الداخل والخارج (كثافة التفاعلات العابرة للأنساق الوطنية وتزايد الاعتماد المتبادل وتلاعب الأقوياء بالتبعية المتبادلة وتسارع عمليات التدويل)، اختراق القيم الأخلاقية والدينية والثقافية والتلاعب بها باستغلال التناقضات الداخلية وإعادة تكييف المنظومات والمؤسسات الاجتماعية والدينية والقانونية الوطنية تحت ستار الإصلاح والشراكة والتعاون.
3) التوظيف الذرائعي المصلحي التبريري والكيل بمكيالين إزاء قضايا حقوق الإنسان والديموقراطية.
4) تفكيك البنى الوطنية والتقليدية لحساب القوى الكوكبية بتأليب إحداها على الأخرى وضرب الاقتصاديات الوطنية عبر ضرب منظومة القيم.
5) تنامي نفوذ قوى العولمة من شركات كوكبية ولوبيات ضاغطة وحكومات ومنظمات نافذة وإمبراطوريات كوكبية (شموليات جديدة) اقتصادية، إعلامية علمية، خاصة تستخدم تكنولوجيات الفضاء والإنترنت ـ التي تتجه إلى التصغير والإتاحة والشبكية والرخص ـ للتلاعب بالبنيات العقلية والإدراكية والسيكولوجية وتعلب وتسوق قيم السوق الاستهلاكية عن بعد وتضبط الأجندات السياسية لشعوب بأكملها ـ بحكوماتها ـ وفق مشيئتها.
6) انتشار الجريمة المنظمة والفساد الاقتصادي والسياسي والرشوة الدولية والوطنية مما يضفي على النشاط السياسي في أي بلد حالة من الشك وعدم الثقة.
7) استحواذ البيروقراطية والتكنوقراط على القرار السياسي الوطني وتوظيف المعرفة والخبرة التقنية والفنية في إدارة الأزمات والملفات بالتنسيق مع مثيلاتها دوليا بعيدا عن الرقابة الشعبية الوطنية والمحلية ديمقراطيا على قراراتها المصيرية.
كما أن هذا الوضع النخبوي الوطني في البلاد العربية الإسلامية متأزم، ومن مظاهر أزمته حالة الاختراق والاستتباع لأجزاء هامة من النخب الاقتصادية والإعلامية والسياسية والعلمية الوطنية، فأصبحت تشكل ـ شعوريا أو لاشعوريا ـ تلك الفروع والامتدادات للنخبة البورجوازية الكوكبية التي تتلاقى مصالحها العابرة للقوميات (منتديات كرون مونتانا، ودافوس ومنظومة الأمم المتحدة ومنظومات الشركات المتعددة الجنسيات) بحيث تنقطع عن الهموم الوطنية وتنغلق في عالمها الخاص الوظيفي.
8) تزايد مخاطر خوصصة الدولة ـ كمجال عام ـ إلى جانب خوصصة الشركات العامة، على يد بعض النخب المتنفذة من مافيات المال والسياسة وتحويل قوى العولمة الاقتصادية للحكومات الوطنية إلى مجرد حكومات محلية تقوم بإدارة ملفات محلية عن طريق المناولة والشراكة والدبلوماسية الاقتصادية بحيث تحول الوطن إلى"مشروع شركة" على حد تعبير ضياء رشوان(1). وتحولت الحكومات إلى إدارات أعمال محلية للشركات الكبرى الدولية.
9) تزايد عمليات توحيد وتنميط وتدويل المقاييس والمعايير عبر العديد من المنظمات والتكتلات العابرة للقوميات التي تعد مجالا حيويا للتأثير والنفوذ الحضاري للخصوصية الغربية واتساع تلك العملية من المجال التكنولوجي، البيئي، العلمي، الاقتصادي إلى المجال السياسي والتربوي ـ التعليمي، الإعلامي والديني مما يهدد الخصوصيات الوطنية والحضارات غير الغربية بالسحق الحضاري. ومن أمثلة ذلك الاتجاه دفع الولايات المتحدة الأمريكية بمشاريع «إصلاحية» للمنظومات التعليمية والدينية والثقافية إلى البلدان العربية تحت ستار مكافحة الإرهاب وتجفيف منابعه (خطة ابنة ديك اتشيني ـ باول لدمقرطة مجتمعات الشرق الوسط).
10) سهولة استثارة النزعات الأقلياتية وصناعة الهويات الانفصالية عبر التوظيف الذرائعي المصلحي لثقافة حقوق الإنسان لتهيئة الأجواء للمزيد من النهب والاستحواذ على الثروات الوطنية التي أساءت بعض النخب المحلية إدارتها لصالح تنمية وطنية متوازنة ودائمة ناجحة لصالح الأجيال الصاعدة الجديدة.
11) ترهُّل الرابطة الوطنية وامتهان رموزها وتحول الخطاب الوطني إلى نوع من الضحك على الأذقان، وممارسة التضليل السياسي على الممارسات اللاوطنية واللاديموقراطية عبر انتشار لغة الخشب والرقابة على الفكر الحر والتضييق على الحريات الفردية والجماعية وتنامي القيتو الجهوي والطائفي وألوان من التعصب القبلي والعروشي واللغوي والمذهبي والأيديولوجي والحزبي الضيق كتعويض عن فشل الانتماء الوطني التنميطي الذي ساد خلال تطبيق نظم الحزب الواحد، وخاصة فشله في تحقيق المساواة والحريات والإشباع الكافي للحاجات الإنسانية الأساسية في الغذاء والصحة والتعليم والسكن... بما يحفظ الكرامة الإنسانية.
ذلك أن الانتماء مُطمئن للقلق الأساسي، ومعزِّز للأمن مع الذات ومع الآخرين، ولا يترسخ الأمن إلا بالمقدار الذي تتكامل فيه حلقات الانتماء ويتسع مداها، لكن الأمن يضيق عندما تتأخر وتتصارع حلقات الانتماء وتبرز التناقضات بينها، تناقضات تغذيها قوى ذات طموحات ضيقة ومصالح ومآرب معينة في الداخل والخارج. فيصبح الانتماء في حلقاته الأضيق ـ خلال الأزمات ـ ملاذا للكثيرين ومنطلقا لتشكيل قوى المعارضة السياسية التي يمكن في أيِّ لحظة أن توظف من قوى العولمة.
حيث إن مشكلة أزمة الانتماء الوطني ليس في الواقع ناتجة عن التمايزات الطبيعية المتأتية من التمايز في السن والكفاءة والجنس ومكان الميلاد، لأن التعددية والتنوع ثراء للذات الفردية والجماعية وليست تهديدا لها، إذ التمايز ضروري لإغناء الذات، ويُمكِّن من التكامل والتفاعل طالما أنه لا يشكل وسيلة لزيادة الامتيازات، ومن ثمة الإخلال بالعدل والمساواة مما يؤدي إلى تزايد الخلل والمظالم الاجتماعية ومنه إلى التباعد والتفكك فالانفجار إذا لم تتحرك قوى الاندماج السياسي ـ الاجتماعي الإيجابي والوفاق الديموقراطي مع النفس ومع الآخرين ضمن الوطن الواحد(1).
12) صعود نفوذ وسلطة التكنوقراط والأدوكراسي /L’ah-docratie على حساب السياسة والسياسيين في تقرير مصير الحياة العامة للدولة ـ الأمة. ومن هنا أطروحة نهاية السياسة وأزمة السياسة التي تتغذى ـ من وجهة نظر الفلسفة السياسية ـ من فرضية نهاية الحداثة وبداية ما بعد الحداثة. إذ الأمر يتعلق بخفوت وهج السياسة وهامشيتها خاصة مع انتعاش الخطاب النيوليبيرالي مع العولمة الجارية منذ الثمانينيات الأخيرة وصعود التقنوقراطية الوطنية والدولية التي تدافع عن ضرورة استقلال المؤسسات الدولية عن السياسة لضمان فاعليتها في أداء وظائفها على أكمل وجه بعيدًا عن نزعة التمركز حول الذات التي تميز السياسة والسياسيين... علما أن الخطاب التقنوقراطي يستند إلى مطلبين أساسيين:
أ)-إزالة الهالة عن السياسة وعن قدرتها الأسطورية الحالمة وتحويل وظيفتها إلى مجرد وظيفة تسييرية لأمور المدينة (الدولة) .
ب)-التخفيف الأقصى من تأثير السياسة على المؤسسات المتعددة الأطراف. فالخبير كفيل بإيجاد الحلول والإجابة اللائقة تقنيا على المشكلات القائمة.
كما يرى الوظيفيون والبنيويون أن السياسة فقدت من جوهر وظيفتها بسبب تحكم الاحتكارات في الزمن العالمي، فالخيارات السياسية الوطنية تجد نفسها محكومة بمنطق الأسواق المالية المعولمة. وحتى من جهة السياسات الاجتماعية الوطنية نجد النخب الوطنية تتبنى استراتيجيات تضفي مرونة على سوق العمل والمنظومة الاجتماعية الموروثة عن الثورة الكينيزية ودولة الرفاهية الاجتماعية بهدف حفز الاستثمارات الأجنبية المباشرة للدخول إلى الأسواق الوطنية.
كما أن نهاية أزمة السياسة ترتبط بنهاية الإقليم الوطني ونهاية الدولة الأمَّة ونهاية الحدود بمفهومها التقليدي الذي طالما كان فضاء تنمو وتنتعش فيه الرابطة الاجتماعية الوطنية الواحدة، ذلك أن الإقليم طالما شكل المخيال السياسي للإنسان خلال القرون الثلاثة الأخيرة. لكن التبادلات والتدفقات والاتصالات المادية واللامادية العابرة للقوميات والحدود قد فجرت الهوية المتماسكة للإقليم الوطني ومن ثمة للوحدة الوطنية بمفهومها التنميطي الموروث عن التجربة الأوروبية منذ عصر الأنوار.
مما سبق نفهم كيف يحدث ابتعاد السياسة والسياسيين عن المواطن العادي بحيث تصبح السياسة مجالا وامتيازا تحتكره اللوبيات الوطنية المتحالفة مع اللوبيات والطبقات والهيئات الدولية الكبرى التي لا تعبأ بآراء ومواقف ومصالح المواطن المحلي والوطني كثيرا(1) ، والتي باتت تشكل طبقة كوسموبوليتية كوكبية لها تقاطعاتها الأيديولوجية والمصلحية.
ومن هنا نفهم أيضا ـ حسب نظرية يورغن هابرماس حول السيطرة ـ كيف تحدث أزمة الدافعية وهي أزمة تكامل اجتماعي تضاف إلى أزمة العقلانية التنويرية في المجتمعات الغربية الرأسمالية بالذات. وهي إحدى أزمات التكامل في النسق(النظام الاجتماعي عامة) ومصدر أزمة الشرعية حيث إن الدولة لا تصبح في هذا الوضع أداة للتوفيق بين المصالح المتضاربة لمواطنيها الذين تحكمهم ويصبح مبرر وجودها محل تساؤل وجدل.
وإذ يؤثر طغيان الدولة وزيادة سيطرة الطبقة التكنوقراطية، تلك السيطرة اللازمة لإدارة الأزمات، على وظائف الدولة وعلى فعالية الفعل السياسي، فإنه يؤثر على إضعاف دافعية الناس للمشاركة السياسية مشاركة فعالة في النظام على أي وجه من الوجوه. بل إن الملاحظ هو تراجع الدافعية عن المشاركة في الحياة العامة عموما(1).
إذا كانت أزمة الدولة ـ الأمة في المراكز الغربية حقيقة تشهد بها القوى المناهضة للعولمة داخل الغرب نفسه، وتشهد بها الدراسات الأكاديمية ـ مثلا دراسات يوغان هبرماس الاجتماعية النقدية ـ التي تنبه على وقوع الدول الوطنية والديمقراطية الغربية والرأسمالية البورجوازية رهينة قوى إنتاجية متطورة متمركزة بيد أقلياتية ذات روابط شبكية كوكبية تتذرع بسلطة بيروقراطية وإيديولوجيا بورجوازية تقنوية علموية شمولية قمعية ذات بنيات معرفية تعمل مستقلة عن الأهداف والغايات العليا التي رسمت لها ابتداء فأضحت بلا مبرر أخلاقي إذ هي بعد أن سيطرت على الطبيعة تسعى إلى بسط سلطتها على الإنسان كنوع.
وهنا تبرز أهمية وأولوية التنشئة السياسية. فأي تعريف لها وما هي أهدافها ومستلزماتها علما بأننا نعيش في مجتمعات تعاني أزمات هيكلية وقيمية عديدة.
***
ثالثا: التنشئة السياسية:
تعريف وأهداف ومستلزمات
إنَّ التنشئة السياسية في أبرز تعريفاتها هي: «تعليم القيم والتوجهات السياسية بواسطة أدوات التنشئة كالأسرة والمدرسة وجماعات الأصدقاء ووسائل الإعلام [والجمعيات والنقابات والأحزاب وغيرها]، وهي العملية التي يتم من خلالها نقل الثقافة السياسية للمجتمع من جيل إلى جيل، وترتبط كمفهوم بمفاهيم أخرى مثل الشرعية والهوية والولاء والمواطنة، وتهدف لتحقيق الاستقرار في العلاقة بين الشعب والدولة»(1).
وتتحقَّق أهداف التنشئة السياسية باستبطان الفرد للقيم السياسية السائدة في المجتمع والعالم الذي أصبح قرية اتصاليا، ومن هنا إدراكه لمعاني الحق والعدالة والخير والشر والحوار والصراع.
ونظرا لأهمية التنشئة السياسية كمدخل أساسي من مداخل عملية التنمية الشاملة، فإني أعتقد أن الخروج من أزمة التنمية الشاملة ومنها أزمة التنشئة السياسية التي تشهدها مجتمعاتنا يتوقف على كفاءة عملية إصلاح النظام الوطني والعربي والإسلامي التي تتوقف على مستوى النسق الكلي على حل حقيقي وجذري لأزمات ثلاث كبرى هي: أزمة الهوية والتعايش والقيم، وأزمة الشرعية وبناء المؤسسات ودولة القانون، وأزمة التنمية والتحديث.
لكن ينبغي التأكيد على أن أول خطوط المواجهة الجديدة في ظل طوفان العولمة الجارف يكمن في إصلاح الداخل، بتمتين حدودنا من الداخل، ابتداء من الإنسان ـ الفرد إلى الإنسان ـ الجماعة، من الحارة والحي إلى البلدية إلى الولاية إلى الجهة إلى الوطن، ومنه يمكن أن نأمن على أجيالنا الجديدة السباحة في أمواج العولمة العاتية.
لذا فإن توفير بعض مستلزمات التنشئة السياسية في ظل التغيرات المذكورة يتطلب إقامة التنمية السياسية المحلية والوطنية والمغاربية والعربية... ابتداء من مدخلها الرئيسي وهو مدخل التنشئة السياسية للأجيال الجديدة. على أن تضطلع كل خلية اجتماعية بمهمتها في التنشئة ابتداء من الأسرة إلى الروضة إلى المدرسة إلى الجامعة إلى المسجد على مؤسسات الإعلام إلى الأحزاب إلى البرلمان إلى البلدية إلى الولاية إلى النقابات إلى الجمعيات إلى مؤسسة الخدمة الوطنية إلى مؤسسة الجيش وغيرها. ومن تلك المستلزمات نذكر ما يلي:
*- تكييف منظوماتنا الوطنية المعنية ـ مباشرة أو بشكل غير مباشرـ بالتنشئة السياسية أن تؤكد أي عملية تنمية على مجموعة من البدائل والخيارات الجديدة ضمن أولوية تعزيز منظومة القيم الثقافية والأخلاقية التالية وهي قيام التنشئة السياسية والتنمية الشاملة عامة على:
أ)-الحرية بديلا عن النزعة التسلطية.
ب)-المعرفة بديلا عن الامتلاك المادي.
ج)-العمل عوضا عن الحظوة من السلطة والمال.
د)-العمل الجماعي عوضا عن الانفرادية.
هـ)-حرية المرأة ـ في حدود القيم والضوابط الشرعية ـ بديلا عن تسلط الرجل.
و)-المؤسسات بديلا للفردية .
ز) -الإبداع عوضا عن الاتباع.
ح)-التعاقد الاجتماعي بديلا عن الولاءات الضيقة.
ط)-الكفاءة بديلا للمحسوبية(1).
*-تجسيد القائمين على شؤون الحكم للقدوة السياسية والأخلاقية العملية لا الخطابية في التصدي للشؤون العامة باعتبار هذا أول شروط التعليم السياسي للأجيال الجديدة، وهذا شرط أساسي لتجسيد فكرة الحكم الصالح. وذلك لحماية الأجيال الجديدة من آفات: الكذب السياسي وأشكال من الرشوة والزبونية والنفعية والمحاباة والمحسوبية والعنصرية والتعصب والخيانة والغدر والأنانية السلبية والوصولية والانتهازية والنفاق والتملق والانهزامية وعبادة الأشخاص...
*-فهم ديناميكية العولمة بمفارقاتها وفرصها ومخاطرها وتطوير سياسات لإصلاح منظوماتنا الاجتماعية المحلية والوطنية والأسرية، كما بيناه أعلاه.
*-ضبط القيم الأساسية المرجعية التي يقيم عليها النظام السياسي ـ الاجتماعي تنميته المستقبلية بحيث تقام التنشئة السياسية (إدارة العنف الاجتماعي رمزيا / التربية = إدارة العنف سلميا) على قيم الإسلام المعتدل وقيم الوطنية المعترفان بالخصوصيات والناشدان للعالمية والقيم الإنسانية السامية التي تكرم الإنسان بلا تمييز مطلق وتروم إسعاده عبر الحوار السلمي والديمقراطية الشاملة الحقة ونشدان الوحدة والائتلاف في ظل التسامح والتعدد.
*-إدراك أهمية المشاركة السياسية ومنها العمل السياسي من منظورهما الإسلامي الذي يتلخص في ما يسمى في فقه السياسة الشرعية بالواجبات العينية والكفائية. ويعد مفهوم «العمل» أحد أهم المفاهيم القرآنية الأساسية، مرتبطا بمفاهيم الإيمان، التقوى، الاستخلاف، الابتلاء، الشكر... فجعله الله شرطا من شروط الإسلام وسببا في الحياة الطيبة في الدنيا والآخرة، وعليه بنى الله الجزاء والتفاضل بين العباد في الدرجة والمنزلة لا على النسب والقومية والجنس. وينقسم الفعل التكليفي إلى خمسة: واجب ومندوب وحرام ومكروه ومباح. وينقسم الواجب إلى عيني وكفائي: فالعيني هو ما طلب الشارع فعله من فرد من الأفراد المكلفين ولا يجزئ قيام مكلف به عن آخر. وأما الواجب الكفائي فهو ما طلب الشارع فعله من مجموع الملكفين لا من كل فرد منهم، بحيث إذا قام به بعض الملكفين فقد أدى الواجب وسقط الإثم والحرج عن الباقي، وإن لم يقم به أي فرد من الأفراد أثموا جميعا بإهمال الواجب.ويختلف الواجب الكفائي عن الواجب العيني في أن الأول هو ما طلب الشارع حصوله من جماعة المكلفين، لا من كل فرد منهم، لأن مقصود الشارع حصوله في الجماعة... فالطلب في هذا الواجب منصب على إيجاد الفعل لا على فاعل معين.
ومن أمثلة الواجب الكفائي:
الجهاد والقضاء والإفتاء والتفقه في الدين وأداء الشهادة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر(*) وإيجاد الصناعات والحرف والعلوم التي تحتاجها الأمة وإعداد القوة بأنواعها وغيرها مما يحقق مصلحة عامة الأمة.
والمهم هنا هو أنه إذا تعين فرد لأداء الواجب الكفائي كان واجبا عينيا عليه. والمحك هنا ليس في الكم وإنما كفاية غرض وقصد.
وضمن هذه الواجبات الكفائية يدخل العمل السياسي فهو إما فرض عين كالبيعة والشورى العامة، أو فرض كفاية كالجهاد والولايات العامة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر(1).
وإذا كان تعريف «السياسة» في علم السياسة الغربي هو «فن الممكن» و«فن التلاعب بمتغيرات القوة»، أي هو مفهوم يستبطن قيم الصراع والتكيف والحلول الوسط وتحكيم العقل والواقع، فإن مفهوم «السياسة» في علم السياسة الإسلامي هو «القيام على الشيء بما يصلحه»، أي أن السياسة حسب تعريف ابن عقيل الحنبلي في كتابه (الفنون)، هي: «ما كان فعلا يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه الرسول، ولا نزل به وحي» وقد جاء قوله هذا معقبا على قول شافعي ادعى فيه أنه: «لا سياسة إلا ما وافق الشرع»، فإن أردت بقولك «إلا ما وافق الشرع» أي «لم يخالف ما نطق به الشرع: فصحيح. وإن أردت لا سياسة إلا ما نطق به الشرع فغلط، وتغليط للصحابة»(1).
إذًا تعريف السياسة في المنظور الإسلامي يعني في النهاية: «إصلاح الخلق بإرشادهم إلى الطريق المنجي في الدنيا والآخرة»، مستبطنا قيم تكريم الإنسان والعدل، وهو تكليف عام كفائي يخاطب به جميع أفراد الأمة.
إن جوهر المسألة الأساسية في التنمية السياسية وفي العمل الإسلامي هو ضرورة انضباط المتصدين للعمل السياسي بأحكام الشريعة وأخلاقيات الإسلام ومراعاة مقاصد الشريعة والمصالح المرسلة وفقه الموازنات وفقه الأولويات وفقه مراتب الأعمال وفقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفقه الاختلاف وفقه السنن، بالإضافة إلى ضرورة الاطلاع على القوانين الحاكمة للدولة الوطنية الحديثة ومنطق عملها في ظل علاقات دولية متعولمة.
ويرتبط العمل السياسي بالمسؤولية الفردية، فهو واجب شرعي مطلوب من الجميع إما على وجه العينية أو الكفائية. فالعمل السياسي ليس سنة ولا نافلة ولا تطوعا بل فريضة تتأسس على مفهوم الاستخلاف الذي هو مصدر الالتزامات الإيجابية والسلبية التي تقع على عاتق المسلم ذكرا وأنثى "القادران" = اشتراط القدرة والأهلية.
وكما أن المشاركة السياسية والعمل السياسي مسؤولية فردية فهو مسؤولية جماعية تضامنية، إذ على غير المتفرغين للعمل السياسي إعانة المتفرغين له وإعانة الدولة التي يناط بها ببعض الفروض كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن الواجب على الأمة مراقبة الحكومة وأجهزتها ورجال السياسة وحملها وحملهم على القيام بالواجبات الكفائية وإلا أثمت الحكومة وأثمت الأمة. لأن وجوب العمل السياسي يدخله ضمن مفهوم «الواجب» و«الأمانة» و«المسؤولية الفردية والجماعية» وليس فقط تحت مفهوم «الحق» الذي يستعمله البعض للتمسك بحقهم في الإعراض عن المشاركة السياسية في كثير من الدول العربية والإسلامية متسببين بسلبيتهم في استمرار أزمة الشرعية.
*- الفصل النهائي في مسألة الجدل حول الهوية الوطنية بتنشئة الأجيال الجديدة على اكتشاف الآخر والمعرفة والتعارف والاعتراف على حد قول المفكر علي يحيى معمر. فالجزائريون يحملون عن بعضهم البعض العديد من الصور النمطية التمييزية والكليشيهات الراسخة منذ آماد سحيقة في الذاكرات الجماعية والثقافة الشعبية والتي تُوَرِّثُ للأجيال الناشئة ألوانا من الكراهية للآخر والتبرم من التنوع والاختلاف واعتباره تهديدا للأنا المحلية أو الوطنية. وهذه من مهام الأسرة والمدرسة والإدارة والأحزاب والخدمة الوطنية وغيرها من مؤسسات التنشئة الاجتماعية والسياسية.
*-تصحيح أخطاء التفكير الشائعة والقاتلة في تربيتنا الأسرية والاجتماعية والسياسية عموما، والتي تنعكس على مستوى تنميتنا ومشاركتنا السياسية التي لم ولـن تتماشى مع مستلزمات ومقتضيات بناء مجتمعات المستقبل أي مجتمع المعلومات، منها:
ضعف التفكير العلمي والمنهجي، التعميم الخاطئ، الربط الخاطئ، الميل إلى الراديكالية والغلو والتطرف، القطع في الظنيات أو الأمور الاحتمالية، المبالغة في التبسيط، النظرة الأحادية، افتراض خيارين لا ثالث لهما، الخلط بين الآراء والحقائق، التعامل الخاطئ مع الأخبار من خلال الخلط بين الرواية والتقويم ومن خلال تأثير العاطفة على قبول الخبر ورفضه، الاعتراض بالمثال، الغلو في اعتقاد المؤامرة، الجهل بأساليب التخطيط والبرمجة والاستشراف والتطلع إلى مستقبلات بديلة للخروج من مآزق الحاضر وتجاوز مستقبلات متشائمة، افتقاد العلاقة الصحيحة بين الأسباب والنتائج، تأثير الخبرة الشخصية المحدودة، الدفاع عن واقع المجتمع، تضخيم الانحراف والفساد، الانشغال بالمصالح الخاصة، الانشغال بالنقد على العمل، انتظار البطل والمخلص القادم... الخ
*-التنشئة على مبدأ تحمل المسؤولية وعدم التهرب من تحمل تبعاتها بدل تحميل المسؤولية وتلفيقها للآخرين، وذلك بتنمية ثقافة الاعتذار والاستقالة والتنازل والاعتراف بالخطأ والتقصير عند تأكد حدوثه حتى لا تتكرر الأخطاء وتقل الفضائح المتعلقة بالحق العام.
*-الاهتمام المبكر بالإدراكات السياسية للناشئة من خلال المناهج المدرسية التي ينبغي أن تتضمن قيم الشورى والديمقراطية وقيم التسامح والأخوة والصدق والوفاء والوطنية الصادقة وغيرها من القيم الاجتماعية والسياسية العالية.
*-ضرورة تكامل أدوار الأسرة ومؤسسات التنشئة السياسية الأخرى في ترقية الوعي لا تزييفه، وربط الفرد بهموم وطنه وأمته وهموم الإنسانية جمعاء.
*-بناء إنسان مشارك مبادر يقدم المصلحة العامة على الخاصة إذا تعارضتا، ويفرق بين المجال العام والخاص لممارسة الحقوق والمسؤوليات دون خلط مع الاستعداد للدفاع عن الوطن وحمايته من أنواع الفساد والظلم الاجتماعي عبر تقديم ثقافة أداء الواجب ـ على حد تعبير المفكر الجزائري مالك بن نبي ـ لأنه بأدائها تتحقق الحقوق تلقائيا.
*- التنشئة على مقتضيات فكر عصر المعلومات والعولمـة. فمما ينبغي أن تتخلص منه منظومات التنشئة عامة تلك الخصائص النمطية للفكر السائد في الوطن العربي بالعمل على غرس الخصائص النمطية للفكر والثقافة التي يتطلبها عصر المعلومات والعولمة، كالتفكير الابتكاري بدل التقليدي، والمفهومي بدل السطحي، والخلافي بدل الدوغماتي، والنقدي التفنيدي الإبداعي بدل الاستسلامي الاتباعي الإمعي، والعلمي السنني بدل الخرافي المصادم للسنن، المنظومي بدل الدمجي، الاستشرافي البدائلي بدل الماضوي والحاضري الأحادي الحتمي، الحدسي بدل القاطع، المبادر بدل السلبي، الجماعي أو الفريقي بدل الفردي الأناني، العولمي بدل المنغلق على المحلي، الحوسبي بدل السردي، التواصلي بدل الانطوائي، التوليدي بدل فكر التذرع بالأمثلة لإبداء المعارضة لأي فكرة جديدة،...الخ.
*-ضرورة التحديد والفهم الصحيح لجملة من المفاهيم الإسلامية الأسرية والاجتماعية الدالة على العلاقة السلطوية مثل مفاهيم: القوامة والشورى والديمقراطية والوطن والشهادة والمواطنة والالتزام والمسؤولية والحرية والقانون و الشريعة والأمانة والأخوة العالمية(*). ونصرة المظلوم والتكامل والتدرج في التغيير والعفو والاعتذار والقيام بالواجبات مع المطالبة بالحقوق والتعاون... وغيرها من المفاهيم والقيم.
*- نشر الثقافة السياسية الإسلامية الصحيحة في أوساط الشباب من غير غلو ولا تعصب، والانفتاح العقلاني على الثقافات والأديان من غير كراهية للآخر لأنه آخر. وهنا يؤكد واقع التنشئة السياسية في مستوياتها المختلفة عندنا على غياب البعد الحضاري الذي يستهدف إعداد إنسان تتشكل علاقته بالخالق والكون والحياة الدنيا والحياة الآخرة والبشر طبقا للرؤية الإسلامية الصحيحة المتزنة. وهذا يتوقف بدوره على حل المشكلات الحيوية الأساسية للأجيال الجديدة المتعلقة بالتعليم والشغل والسكن والزواج وإلا كانت الشروط الموضوعية متوفرة لتفريخ السلوك السياسي المتطرف.
*- تطوير الإعلام السياسي الشباني نحو المزيد من التفاعلية والمباشرة بما يثقف فكره ويحرر عقله ويخلّق سلوكه ويهذّب ذوقه بدل ما تشهد مثلا جل أكشاكنا وقنواتنا الفضائية من غزو لصحافة الإثارة والميوعة والعنف الجنسي والغناء والرقص الماجن.
*- استعادة مكانة الطبقة المتوسطة في المجتمع لدورها الأساسي في رفع سقف الثقافة السياسية للطبقات الدنيا ولدورها في التقريب بين الطبقات وزيادة التماسك الاجتماعي ورفع نسبة المشاركة السياسية وتفعيل منظمات المجتمع المدني لتجسير الفجوة بين النخب السياسية المعزولة عن المجتمع العام...
*- تنمية أهمية بناء مجتمع وثقافة "الوحدة في ظل التنوع والتعدد" السياسي، الثقافي، الحزبي، الفكري، اللغوي، الحضاري...
*- ترقية ثقافة التداول على السلطة والعمل الجماعي ضمن فريق بعيدا عن الأنانية أي بعيدا عن ظواهر تضخم الذوات واستفحال الأنوية أي التمركز حول الذات.
*- إقامة المنظومة التعليمية على أسس تنمي الإبداع والابتكار والعصامية في التكوين وتحويل العلاقة أستاذ ـ تلميذ أو طالب إلى علاقة شراكة لا علاقة تبعية وأبوة ووصاية. وأيضا التوقف عن طرق التلقين والحفظ عن ظهر قلب وترديد المعلومات وإملاء المعارف في ظل اكتساح الذاكرة الصناعية والعقول الصناعية لعالم المعرفة، مع إهمال العناية بقدرات الطالب على التحكم في زمام المعرفة.
فبدل تعليم يغلب عليه أسلوب التركيز على تكديس المعلومات وأكوام متفرقة من الحقائق لا رابط بينها، بغرض استعادتها عند الطلب، فإنه ينبغي التركيز على التعليم بالأهداف ينتهج أسلوب تعليم مهارات التعلم الذاتي والتعلم للتعرف وللعمل ولتحقيق الكينونة ولمشاركة الآخرين. لأنها الطريقة التي تتماشى مع عصر المعلومات والتفاعلية بين الآلة والإنسان. أما الطريقة الأولى فمن نتائجها على السلوك الفردي والاجتماعي تكريس الاعتماد على الآخرين، بينما التفكير فعل مستقل، والعمل الاجتماعي ـ ومنه العمل السياسي ـ فعل مُنبَنٍ على الوعي المستقل بالذات وعلى المسؤولية الشخصية إزاء المشاركة في تقرير المصير ولا يتنافى هذا مع الالتحام بهموم الأمة والمجتمع الصغير والكبير.
كما أنَّ التعليم القائم على الحفظ تعليم يدرب على الاعتماد على السلطة والخضوع للأمر الواقع وإعادة إنتاج النماذج السلطوية القائمة وتغييب الفكر النقدي، وتضخيم الفكر النقلي، وهي طريقة صالحة فقط لصناعة الأتباع والـمُتَكفَّل بهم وغير المستقلين في شخصيتهم. إنه تعليم لا يراعي الاختلافات والفروق بين الناشئة والمناطق والثقافات ويشجع على الامتثالية والتجانسية والجماعية ويؤكد على المركزية بدل اللامركزية، وعلى القيم الأحادية بدل قيم التنوع، وعلى الجماعية بدل التوازن بين الجماعية والفردية، وعلى الطاعة والاتباع بدل الاختيار الحر...
خلاصة القول: من خلال ما سبق يمكنني القول إن العمل السياسي من الفروض الكفائية التي تظل مجتمعاتنا ـ ومنها مجتمعنا المحلي ـ مقصرة في العناية به سواء من خلال مدخلاته فضلا عن مخرجاته. وتعتبر التجربة الديمقراطية الصاعدة في بلادنا فرصة لأجيال الغد للتدرب على القيادة السياسية والتكوين السياسي في التنظيمات المختلفة مع اشتراط التركيز فيها على الالتزام بالثوابت الكلية للإسلام والوطنية والقيم الإنسانية والانتصار للمصلحة العامة، كلما حدث الخلط بينها وبين متغيراتها.
--------------------
الهوامش
(1) تشير الأرقام التي نشرها بعض الخبراء الجزائريين ـ منهم الباحث محمود بوسنة من جامعة الجزائر ـ خلال أشغال الملتقى الدولي حول الإرهاب خلال 28 ـ 29/10/2002 بالجزائر إلى أن المنتمين إلى الجماعات المسلحة كانت نسبتهم حسب أعمارهم كما يلي:
*- أقل من 25 عاما ---> 07%
*- 26 إلى 30 سنة ---> 21.94%
*- 31 إلى 35 سنة ---> 42 %
*- أكثر من 35 سنة ---> 25.49 %
(انظر يومية الخبر عدد 3614. 28/10/2002. ص 02)
مما يدل على أن فئة الشباب هي الفئة الأغلب بين المنتمين لهذه الجماعات إذا اعتبرنا الفئة الشبانية تمتد من سنة 15 إلى سن 35 سنة على اعتبار أنها تمتد على طول هذه السنين بسبب ظاهرة النضج المبكر جنسيا وفكريا في مرحلة المراهقة ونظرا أيضا لتمدد فترة الشباب إلى مراحل متأخرة بسبب طول مدة التمدرس والتكوين فالخدمة الوطنية وطول فترة العزوبية وتأخر غشيان عالم الشغل أزمة البطالة المزمنة ومن ثمة تأخر دخول الأجيال الجديدة عالم الراشدين المستقرين اجتماعيا المشاركين سياسيا بتبني خط سياسي تغييري سلمي عقلاني معتدل..
(1) تعريف العولمة من صياغة الأمين العام للأمم المتحدة السابق كوفي عنان ورد في دراسة فرنسية ينظر :
William D. Angel, «Les Jeunes et La Mondialisation : Acteurs et Victimes», in :Agora.. N°19. 1er trimestre 2000. pp17-29. voir: p18.
(1) مثل مقولات: نهاية التاريخ ونهاية السياسة ونهاية الخصوصية ونهاية النيوليبيرالية (بعد تفجيرات 11 سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة الأمريكية) ونهاية الأيديولوجيا، ونهاية الفلسفة، ونهاية الدولة الوطنية، ونهاية المكان، ونهاية الجغرافيا، ونهاية المدرسة، ونهاية المدرِّس، ونهاية الكتاب، نهاية الورق، ونهاية الفيزياء، ونهاية المكتبة، ونهاية العمل، ونهاية الخطية، ونهاية الوسطاء، ونهاية الذاكرة، ونهاية المونولوج وبداية الديالوج... التي هي في الواقع بدايات لتحولات جديدة غير مسبوقة تاريخيا.
ومقولات: ما بعد الحداثة، وما بعد الصناعة، وما بعد القومية، وما بعد التيلورية، وما بعد الكينيزية، وما بعد الكتابة، وما بعد البترول، وما بعد عصر المعلومات، وما بعد الإنترنت، وما بعد الفوردية... الخ
ومقولات مصانع بلا عمال، وتعليم بلا معلِّمين، وبرمجة بلا مبرمجين، ومركبات بلا سائقين، وطيارات بلا طيارين، ومدرسة بلا أسوار، واتصالات بلا خيوط، وموظفون بلا مكاتب، وسياسة بلا نواب، وتَرحال بلا انتقال، وجيرة بلا قرب ...الخ من المقولات التي تبدأ ببادئة مثل متعدد اللغات، متعدد الجنسيات، ومتعدد الاختصاصات، وعابر للحدود، وعابر للقوميات، وعابر للاختصاصات، وعابر للقارات، وعابر للأقاليم ...الخ
للمزيد انظر: نبيل علي، الثقافة العربية وعصر المعلومات، رؤية لمستقبل الخطاب الثقافي العربي، العدد 265 من سلسلة عالم المعرفة، إصدار المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت. يناير 2001م. ص 14 ـ 19.
(1) انظر: ضياء رشوان، «الخطاب العربي الكوكبي الجديد وممارساته» (3من3)، «تحويل الوطن إلى مشروع شركة يدمر معنى الوطنية»، جريدة الحياة اليومية اللندنية .العدد 12585. 14 أوت 1997م. ص 07.
(1) انظر: د. نزار الزين، «إنماؤنا النفسي الوفاقي» محاضرة ضمن ندوة الدراسات الإنمائية بعنوان الإنماء والوفاق الوطني المؤتمر الوطني التاسع في 28ـ29/03/1980 ببيروت لبنان تحت إشراف د. رياض الصمد ط1. 1401هـ/1981م نشر المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع. بيروت. ص 59 ـ 76. انظر الصفحات 72 ـ 75.
(1)Hakim Ben Hammouda, «Perspectives structurelles sur la Mondialisation», in: Bulletin du Cordesria. Dakar-Sénégal.. N°01. 2000. p30-39. surtout p31.
Voir aussi:
http://www.sas.upenn/african-studies/cordesria/codes-menu.html.
(1) إيان كريب، تر: محمد حسين غلوم، النظرية الاجتماعية من بارسونز على هابرماس، العدد 244 من سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت. ذو الحجة 1419هـ/ أفريل 1999م. ص357-359.
(1) هبة رؤوف عزت، المرأة والعمل السياسي، رؤية إسلامية، رسالة ماجستير مطبوعة، صادرة عن دار المعرفة. الجزائر. 2001. ص206 ـ207.
(1) راجع التقرير العربي حول التنمية الإنسانية، لسنة 2001م الصادر عن الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي التابع لجامعة الدول العربية بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة للتنمية تحت إشراف الدكتور نادر الفرجاني. أنظر التقرير المنشور كاملا – بفصوله الثمانية وملاحقه الثرية- على موقع الإنترنت التالي:
http://www.undp.org/rbas/ahdr/abychapter.htm
(*) إنَّ النهيَ عن المنكر فرضُ عينٍ على كلِّ من رأى منكرًا، وليس فرض كفاية، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «من رأى منكم منكرا فليغيره...» (الحديث)، و«من» تفيد العموم. [الـمُراجع، هيئة التحرير].
(1) هبة رؤوف عزت، مرجع سابق. ص 87 ـ 95.
(1) يوسف القرضاوي، السياسة الشرعية في ضوء نصوص الشريعة ومقاصدها. مؤسسة الرسالة. بيروت. ط01. 1421هـ/ 2000م. ص 32.
(*) الأخوة بمفهومها الشرعي هي أخوَّة الإيمان، {إِنَّمَا الْمُومِنُونَ إِخْوَةٌ} (سورة الحجرات: 10) أمَّا مصطلح «الأخوَّة العالمية» فهو من آثار العولمة والأمركة، فالمنطلق العقدي هو: {أَفَمَن كَانَ مُومِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لاَّ يَسْتَوُونَ} (سورة السجدة: 18)، هذا مبدأ أساسيٌّ، وهو لا يتعارض مع مبدأ إحسان المسلم لأخيه الإنسان {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا} (سورة البقرة: 83)، ما لم يقع الاعتداء، {لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمُ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ(8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمُ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَّتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (سورة الممتحنة: 8-9)، فالأخوة بمفهومها الشرعي العقدي لا يستحقها إلا المؤمن. [الـمُراجع، هيئة التحرير].
نشر المقال في دورية الحياة، العدد: 11، 1428هـ/2007م، ص81-102.
الفئة