لا يختلف الإنصاف ـ في جوهره ـ من مجال لآخر، فلا خصوصية للإنصاف العلمي
عن أي إنصاف آخر. فالإنصاف مبدأ ومنهج وخُلُق، سواء كان علميا أو قضائيا
أو اجتماعيا أو سياسيا...وإذا كان هناك مِن خصوصية للإنصاف في المجال العلمي، فهي أنه أوجب فيه وأليق به من أي مجال آخر،
وأن الإخلال به في هذا المجال، هو أضر وأشنع منه في أي مجال آخر. فالعلم أولاً، من طبيعته أن يكون ثمرة للنزاهة والموضوعية في النظر والحكم. وهو يفقد صفته العلمية بقدر ما يفقد من النزاهة والإنصاف، حتى إذا كثر فيه التحيز والهوى صار مجرد جهل وإنتاج للجهل. وكما قال الإمام الشاطبي: "وإذا صار الهوى بعض مقدمات الدليل لم ينتج إلا ما فيه اتباع الهوى."[1]
والأسباب التي تمنع الإنصاف وتدفع إلى التحيز والإجحاف في المجال العلمي، قد تكون إعجابا بالنفس وتنزيهاً لها، وقد تكون خوفا من الانتقاص في نظر الناس، قد تكون لمجرد الغيرة والكراهية، وقد تكون تعصبا مذهبيا، أو تحزبا طائفيا، لنصرة "أصحابنا" والنكاية بـ"خصومنا"، وقد تكون منفعة تجتلب، أو مضرة تجتنب...
وكل هذه الأسباب وغيرها، قد شابت قدرا كبيرا من تراثنا وتاريخنا العلمي، وخاصة في العلاقات والانتقادات المتبادلة بين المذاهب والطوائف والفرق؛ كما بين السنة والشيعة، وبين المعتزلة والأشاعرة، وبين أهل النظر وأهل الأثر، وبين المذاهب الفقهية، وبين السلفية والصوفية...
ولست أعني بذلك النقاشات والاعتراضات والردود العلمية والفكرية البريئة والنزيهة، فهذه لا بد منها ومرحّب بها، ولكني أعني الانتصار الدائم للنفس والمذهب والطائفة، والمناوأة المطَّردة للمخالف، شخصا كان أو مذهبا أو طائفة. وأعني كذلك تلك النظرة التي لا يرى أصحابها في ذاتهم، ولا يذكرون لأنفسهم ولجهتهم، إلا كل خير وصواب وتنزيه، مع التعظيم والتفخيم. ولا يرون ولا يذكرون للجهة المخالفة أو المخاصمة، إلا كل عيب وخلل وزلل، مع تهويله وتشنيعه.
قال ابن القيم رحمه الله: "وهذه آفة ما نجا منها إلا من أنعم الله عليه وأهَّله لمتابعة الحق أين كان، ومع من كان. وأما من يرى أن الحق وقفٌ على طائفته وأهل مذهبه، وحِجْرٌ محجور على مَنْ سواهم، ممن لعله أقرب إلى الحق والصواب منه، فقد حُرم خيرا كثيرا، وفاته هدى عظيم "[2]. ففي مثل هذه الحالات يسود الغلو والتشدد والتشنج، وتضطرب الموازين، وتلتبس الحقائق، ويضيع الاعتدال والوسطية والإنصاف، وتضيع الفائدة والاعتبار بمثل قوله تعالى: (أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ)[الرحمن/8، 9].
ومن الأمثلة الشهيرة في هذا الباب، ما ذكره ابن القيم عن مواقف بعض الفئات من الصوفية وما يقع لهم من تعبيرات وأحوال، مما يعرف بشطحات الصوفية، حيث قال: "وهذه الشطحات أوجبت فتنة على طائفتين من الناس:
ـ إحداهما حُجبت بها عن محاسن هذه الطائفة ولُطفِ نفوسهم وصدق معاملتهم، فأهدروها لأجل هذه الشطحات، وأنكروها غاية الإنكار، وأساءوا الظن بهم مطلقا. وهذا عدوان وإسراف؛ فلو كان كل من أخطأ أو غلط تُرك جملة وأهدرت محاسنه، لفسدت العلوم والصناعات والحِكَم وتعطلت معالمها.
ـ والطائفة الثانية حُجبوا بما رأوه من محاسن القوم وصفاء قلوبهم وصحة عزائمهم وحسن معاملاتهم، عن رؤية عيوب شطحاتهم ونقصانها، فسحَبوا عليها ذيل المحاسن، وأجْرَوا عليها حكم القبول والانتصار لها واستظهروا بها في سلوكهم. وهؤلاء أيضا معتدون مفرطون.
ـ والطائفة الثالثة، وهم أهل العدل والإنصاف، الذين أعطوا كل ذي حق حقه وأنزلوا كل ذي منزلة منزلته. فلم يحكموا للصحيح بحكم السقيم المعلول، ولا للمعلول السقيم بحكم الصحيح، بل قبلوا ما يقبل وردوا ما يرد."[3]
إن المسلمين عامة، وعلماءهم خاصة، مفروض فيهم ومفروض عليهم، أن يكونوا منصفين في جميع الأحوال، ومع جميع الأصناف: مع القريب والبعيد، ومع الموافق والمخالف، ومع الولي والعدو، ومع الحبيب والبغيض. والإنصاف لا يعني التنازل عما هو حق وصواب وعدل، ولا يعني التخلي عن نصرة من تجب نصرتهم وتأييدهم، ولا مقاومة من تجب مقاومتهم. كما أن الإنصاف لا يعني المداهنة مع ما هو باطل وضلال وظلم. لا، ليس هذا هو المطلوب في الإنصاف.
الإنصاف مع الموافق والقريب، والولي والحبيب، يكون بعدم الميل معهم، وعدم مجاراتهم، وعدم الانتصار لهم لمجرد قربهم وحبهم. والإنصاف مع المخالف والبعيد، والعدو والبغيض، يكون بعدم التحامل عليهم، وعدم المبالغة فيما يؤخذ عليهم، وعدم بخسهم شيئا مما في محاسنهم وفضائلهم، ومما لهم فيه حق وصواب.
وبعبارة أوضح: الإنصاف هو أن ينصف المسلمُ غيرَ المسلمين، وأن ينصف منهم المسالمين والمحاربين. والإنصاف هو أن ينصف السنيُّ الشيعة، ويقول لهم أحسنتم وأصبتم، في إحسانهم وإصابتهم، أو يقول لبعض أهل السنة: أخطأتم وأسأتم وظلمتم، حين يصدر عنهم شيء من ذلك. وهكذا يفعل الشيعي مع السنة.
والإنصاف هو أن ينصف كل ذي مذهب المذهب الآخر، وأن ينصف كل ذي طائفة الطائفة الأخرى، وينصف كل ذي رأي أصحاب الرأي الآخر...
ويحضرني هنا الموقف الجليل لابن تيمية ـ وهو من أساطين المذهب الحنبلي ـ حين سئل عن أصول المذهب المالكي، ومنزلةِ الإمام مالك... فأملى ـ رحمه الله ـ في ذلك كتابا مضمونه (تفضيل مذهب الإمام مالك وأهل المدينة وصحة أصوله)[4].
ومثل هذا موقف الإمام الشاطبي، حين تطرق إلى بعض الاجتهادات الفقهية التي تنتقد على الحنفية ويعابون بها. فقد شرحها شرحا رفيعا، ودافع عنها دفاعا باهرا، ثم ختم ذلك بقوله: "وهذه جملة مما يمكن أن يقال في الاستدلال على جواز التحيل في المسألة. وأدلة الجهة الأخرى ـ يقصد أصحابه المالكية ـ مقررة واضحة شهيرة، فطالعها في مواضعها. وإنما قُصِد هنا هذا التقرير الغريب، لقلة الاطلاع عليه من كتب أهله. إذ كتب الحنفية كالمعدومة الوجود في بلاد المغرب، وكذلك كتب الشافعية وغيرهم من أهل المذاهب ومع أن اعتياد الاستدلال لمذهب واحد، ربما يُكسب الطالبَ نفورا وإنكارا لمذهبٍ غير مذهبه، من غير إطلاع على مأخذه، فيورث ذلك حزازة في الاعتقاد في الأئمة الذين أجمع الناس على فضلهم وتقدمهم في الدين واضطلاعهم بمقاصد الشارع وفهم أغراضه. وقد وُجد هذا كثيرا."[5]
فهذا هو الإنصاف، الذي يتحقق به العدل والمحبة، والاعتدال والوسطية. وبدونه تفشو المغالاة والكراهية، والإجحاف والعصبية. وتأتي بعد ذلك شرور لا نهاية لها إلا بنبذ مقدماتها وبداياتها ومسالكها.
1- الموافقات 4 /222.
2- مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة ـ دار الكتب العلمية ببيروت ـ د ت, 2/75.
3- مدارج السالكين بين إياك نعبد وإياك نستعين ـ دار الكتاب العربي ببيروت ـ ط2 ـ 1393/1973, 2/39.
4- نشر الكتاب بهذا العنوان ، بتحقيق أحمد مصطفى الطهطاوي ، دار الفضيلة للنشر والتوزيع بالقاهرة ـ د.ت.
5- الموافقات2 / 390.
والأسباب التي تمنع الإنصاف وتدفع إلى التحيز والإجحاف في المجال العلمي، قد تكون إعجابا بالنفس وتنزيهاً لها، وقد تكون خوفا من الانتقاص في نظر الناس، قد تكون لمجرد الغيرة والكراهية، وقد تكون تعصبا مذهبيا، أو تحزبا طائفيا، لنصرة "أصحابنا" والنكاية بـ"خصومنا"، وقد تكون منفعة تجتلب، أو مضرة تجتنب...
وكل هذه الأسباب وغيرها، قد شابت قدرا كبيرا من تراثنا وتاريخنا العلمي، وخاصة في العلاقات والانتقادات المتبادلة بين المذاهب والطوائف والفرق؛ كما بين السنة والشيعة، وبين المعتزلة والأشاعرة، وبين أهل النظر وأهل الأثر، وبين المذاهب الفقهية، وبين السلفية والصوفية...
ولست أعني بذلك النقاشات والاعتراضات والردود العلمية والفكرية البريئة والنزيهة، فهذه لا بد منها ومرحّب بها، ولكني أعني الانتصار الدائم للنفس والمذهب والطائفة، والمناوأة المطَّردة للمخالف، شخصا كان أو مذهبا أو طائفة. وأعني كذلك تلك النظرة التي لا يرى أصحابها في ذاتهم، ولا يذكرون لأنفسهم ولجهتهم، إلا كل خير وصواب وتنزيه، مع التعظيم والتفخيم. ولا يرون ولا يذكرون للجهة المخالفة أو المخاصمة، إلا كل عيب وخلل وزلل، مع تهويله وتشنيعه.
قال ابن القيم رحمه الله: "وهذه آفة ما نجا منها إلا من أنعم الله عليه وأهَّله لمتابعة الحق أين كان، ومع من كان. وأما من يرى أن الحق وقفٌ على طائفته وأهل مذهبه، وحِجْرٌ محجور على مَنْ سواهم، ممن لعله أقرب إلى الحق والصواب منه، فقد حُرم خيرا كثيرا، وفاته هدى عظيم "[2]. ففي مثل هذه الحالات يسود الغلو والتشدد والتشنج، وتضطرب الموازين، وتلتبس الحقائق، ويضيع الاعتدال والوسطية والإنصاف، وتضيع الفائدة والاعتبار بمثل قوله تعالى: (أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ)[الرحمن/8، 9].
ومن الأمثلة الشهيرة في هذا الباب، ما ذكره ابن القيم عن مواقف بعض الفئات من الصوفية وما يقع لهم من تعبيرات وأحوال، مما يعرف بشطحات الصوفية، حيث قال: "وهذه الشطحات أوجبت فتنة على طائفتين من الناس:
ـ إحداهما حُجبت بها عن محاسن هذه الطائفة ولُطفِ نفوسهم وصدق معاملتهم، فأهدروها لأجل هذه الشطحات، وأنكروها غاية الإنكار، وأساءوا الظن بهم مطلقا. وهذا عدوان وإسراف؛ فلو كان كل من أخطأ أو غلط تُرك جملة وأهدرت محاسنه، لفسدت العلوم والصناعات والحِكَم وتعطلت معالمها.
ـ والطائفة الثانية حُجبوا بما رأوه من محاسن القوم وصفاء قلوبهم وصحة عزائمهم وحسن معاملاتهم، عن رؤية عيوب شطحاتهم ونقصانها، فسحَبوا عليها ذيل المحاسن، وأجْرَوا عليها حكم القبول والانتصار لها واستظهروا بها في سلوكهم. وهؤلاء أيضا معتدون مفرطون.
ـ والطائفة الثالثة، وهم أهل العدل والإنصاف، الذين أعطوا كل ذي حق حقه وأنزلوا كل ذي منزلة منزلته. فلم يحكموا للصحيح بحكم السقيم المعلول، ولا للمعلول السقيم بحكم الصحيح، بل قبلوا ما يقبل وردوا ما يرد."[3]
إن المسلمين عامة، وعلماءهم خاصة، مفروض فيهم ومفروض عليهم، أن يكونوا منصفين في جميع الأحوال، ومع جميع الأصناف: مع القريب والبعيد، ومع الموافق والمخالف، ومع الولي والعدو، ومع الحبيب والبغيض. والإنصاف لا يعني التنازل عما هو حق وصواب وعدل، ولا يعني التخلي عن نصرة من تجب نصرتهم وتأييدهم، ولا مقاومة من تجب مقاومتهم. كما أن الإنصاف لا يعني المداهنة مع ما هو باطل وضلال وظلم. لا، ليس هذا هو المطلوب في الإنصاف.
الإنصاف مع الموافق والقريب، والولي والحبيب، يكون بعدم الميل معهم، وعدم مجاراتهم، وعدم الانتصار لهم لمجرد قربهم وحبهم. والإنصاف مع المخالف والبعيد، والعدو والبغيض، يكون بعدم التحامل عليهم، وعدم المبالغة فيما يؤخذ عليهم، وعدم بخسهم شيئا مما في محاسنهم وفضائلهم، ومما لهم فيه حق وصواب.
وبعبارة أوضح: الإنصاف هو أن ينصف المسلمُ غيرَ المسلمين، وأن ينصف منهم المسالمين والمحاربين. والإنصاف هو أن ينصف السنيُّ الشيعة، ويقول لهم أحسنتم وأصبتم، في إحسانهم وإصابتهم، أو يقول لبعض أهل السنة: أخطأتم وأسأتم وظلمتم، حين يصدر عنهم شيء من ذلك. وهكذا يفعل الشيعي مع السنة.
والإنصاف هو أن ينصف كل ذي مذهب المذهب الآخر، وأن ينصف كل ذي طائفة الطائفة الأخرى، وينصف كل ذي رأي أصحاب الرأي الآخر...
ويحضرني هنا الموقف الجليل لابن تيمية ـ وهو من أساطين المذهب الحنبلي ـ حين سئل عن أصول المذهب المالكي، ومنزلةِ الإمام مالك... فأملى ـ رحمه الله ـ في ذلك كتابا مضمونه (تفضيل مذهب الإمام مالك وأهل المدينة وصحة أصوله)[4].
ومثل هذا موقف الإمام الشاطبي، حين تطرق إلى بعض الاجتهادات الفقهية التي تنتقد على الحنفية ويعابون بها. فقد شرحها شرحا رفيعا، ودافع عنها دفاعا باهرا، ثم ختم ذلك بقوله: "وهذه جملة مما يمكن أن يقال في الاستدلال على جواز التحيل في المسألة. وأدلة الجهة الأخرى ـ يقصد أصحابه المالكية ـ مقررة واضحة شهيرة، فطالعها في مواضعها. وإنما قُصِد هنا هذا التقرير الغريب، لقلة الاطلاع عليه من كتب أهله. إذ كتب الحنفية كالمعدومة الوجود في بلاد المغرب، وكذلك كتب الشافعية وغيرهم من أهل المذاهب ومع أن اعتياد الاستدلال لمذهب واحد، ربما يُكسب الطالبَ نفورا وإنكارا لمذهبٍ غير مذهبه، من غير إطلاع على مأخذه، فيورث ذلك حزازة في الاعتقاد في الأئمة الذين أجمع الناس على فضلهم وتقدمهم في الدين واضطلاعهم بمقاصد الشارع وفهم أغراضه. وقد وُجد هذا كثيرا."[5]
فهذا هو الإنصاف، الذي يتحقق به العدل والمحبة، والاعتدال والوسطية. وبدونه تفشو المغالاة والكراهية، والإجحاف والعصبية. وتأتي بعد ذلك شرور لا نهاية لها إلا بنبذ مقدماتها وبداياتها ومسالكها.
1- الموافقات 4 /222.
2- مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة ـ دار الكتب العلمية ببيروت ـ د ت, 2/75.
3- مدارج السالكين بين إياك نعبد وإياك نستعين ـ دار الكتاب العربي ببيروت ـ ط2 ـ 1393/1973, 2/39.
4- نشر الكتاب بهذا العنوان ، بتحقيق أحمد مصطفى الطهطاوي ، دار الفضيلة للنشر والتوزيع بالقاهرة ـ د.ت.
5- الموافقات2 / 390.
الفئة