إن تاريخ البشرية يحدثنا أن الإنسان كان في حركية مستمرة لأجل تطوير حياته وتحسين أوضاعه، وتوفير سبل السعادة والحياة الهنيئة لنفسه، كما كان يحاول الاستفادة من التجارب السابقة له والبناء عليها لدفع عجلة الحياة إلى الأمام لديه.
عاش هذا الإنسان في تفاعل مستمر مع بني جلدته، إيجابا وسلبا، كما لم يكن بوسعه العيش بمفرده أو الانزواء بنفسه بعيدا عنهم، وقد عبر عن هذا المعنى عالم الاجتماع والتاريخ ابن خلدون بقوله: «الإنسان اجتماعي بطبعه» ...
كما عبر عن ذلك المفكر الجزائري مالك بن نبي برأيه أن الإنسان في حاجة مستمرة لأن ينسج مع بني جلدته شبكة علاقات اجتماعية يحاول من خلالها أن ينشئ مجتمعا ويقيم حضارة ويرسي أعرافا وقيما وتقاليد، ويحدد أهدافا يعيش لتحقيقها ويعمل على تجسيدها(1).
هذه هي طبيعة الحياة البشرية كما فطرها الله تعالى، وحباها بالعقل، وأيدها بالشرع.
إذا أتينا لنتوقف مع المجتمعات الإسلامية فلا نجدها ترتفع عن هذه المنطلقات البشرية العامة، حيث كانت تحتاج بين الحين والآخر إلى من يجدد لها دينها ويصلح أوضاعها ويأخذ بيدها إلى الطريق السوي بعد ما يكون قد أصابها من زلل وزيغ وإعياء حضاري بسبب ظروف الحياة المتقلبة.
أشار رسولنا الكريم محمد عليه الصلاة والسلام إلى هذا الأمر بقوله: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها»(2). وفي حديث آخر ينبئنا الرسول عليه الصلاة والسلام أن هذه المهمة موكلة أساسا إلى علماء الأمة، واعتبرهم المؤهلين شرعا لتحمل هذه المسؤولية العويصة والأمانة الثقيلة حينما قال: «إن العلماء ورثة الأنبياء»(3).
لا يختلف اثنان في أن أقدر أفراد البشرية على القيام بعملية إصلاح أوضاع المجتمعات هم الأنبياء، بسعيهم في تطبيق شريعة الله تعالى في أقوامهم وإسداء النصح لهم والأخذ بيدهم إلى المصالح والمنافع، ذلك لكونهم مؤيدين بالوحي، وباتصال مباشر بالله، حيث يأتيهم المدد والتوجيه والتقويم والتأييد.
بعد أن يرحل هؤلاء الأنبياء يكونون قد تركوا من خلفهم القدوة والنموذج الفردي والجماعي الذي ينبغي أن يقتفى ويقتدى به، حيث يقول الله تعالى في هذا: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ إِسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الاَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}(4).
بعد هذه الدرجة الرفيعة للأنبياء يأتي العلماء المصلحون، الذي يعد عملهم مقاربة لنهج الأنبياء، ومحاولة لاقتفاء آثارهم واتباع خطاهم، كما أمرهم الله تعالى بذلك، طبعا آخذين بعين الاعتبار المصالح والمقاصد وتغيرات الأحوال ومستجدات الأوضاع، التي تعد من السنن الكونية للبشرية التي فطر عليها هذا الإنسان في هذا العالم.
نحاول في هذه الدراسة أن نقف على الأسس الفكرية التي قامت عليها إحدى هذه التجارب الإصلاحية الإسلامية بهدف إعادة ترتيب الأمور وتغيير الأوضاع ووضعها على الطريق القويم في مجتمعها، وذلك في ما عرف بالحركة الإصلاحية في وادي ميزاب بالجزائر أثناء القرن العشرين من التاريخ المعاصر.
إذا حاولنا اختصار تعريف الحركة الإصلاحية في وادي ميزاب نقول إنها نتاج جهود سابقة لها، كانت إرهاصاتها الأولى خلال القرن الثامن عشر مع الشيخ أبي زكرياء يحيى الأفضلي إثر جهوده التي قام بها في نشر العلم وإصلاح المجتمع، ثم تقدمت خطوة إلى الأمام مع طلبته الذين كان من أبرزهم الشيخ عبد العزيز الثميني، ثم تواصلت المسيرة وبدأت تشهد توسعها وتمكنها مع ظهور قطب الأيمة الشيخ امحمد اطفيش، حيث تركزت على الجهد العلمي التنويري في جانب التأليف والتعليم لحاجة المجتمع لذلك، مع بقاء الجهد الإصلاحي الاجتماعي ضعيف التأثير بحكم استفحال ظروف متردية مستعصية متمثلة أساسا في الجمود والجهل والفاقة والاستعمار.
مع مطلع القرن العشرين كانت دعوات الإصلاح تتعالى من أرجاء المجتمع متأثرة بعوامل خارجية على رأسها هزة الحرب العالمية الأولى، والإصلاح القادم من المشرق، والحركة السياسية والعلمية التونسية.
كانت هذه الأسباب وراء تحرك شرارة الإصلاح في وادي ميزاب وتجميع صفوفه ودخوله في مرحلة جديدة، جعله يتحول إلى حركة اجتماعية، ثم إلى مدرسة فكرية، ذات منهج وأهداف وخطة عمل ومؤسسات على أرض الواقع.
قاد هذه الحركة ثلة من الشباب المثقف المتكون تكوينا دينيا شرعيا أصيلا، مع التفتح على العالم الإسلامي والاستفادة من تجاربه، والاحتكاك بفعالياته.
كان على رأس هذه الثلة الشيخ إبراهيم بيوض والشيخ إبراهيم أبو اليقظان والشيخ أبو إسحاق إبراهيم اطفيش والشيخ عبد الرحمن بكلي والشيخ عدون شريفي والشيخ سليمان بن يوسف والشيخ صالح بابكر.
.../... يتبع