أيُّها الشَّاب قِفْ وتأمَّل واعْتبر
السّادة أعضاء جمعية الشّيخ اطفيش المحترمين، السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حفظكم الله ورعاكم وسدّد خطاكم، ووفّقكم في مشروعاتكم الخيرية، وأعمالكم الاجتماعية، وهداكم إلى ما يحبّه ويرضاه، وجعل الحنّة مثواكم.
وصلتني دعوتكم الكريمة لشهود لحظات إيمانية تاريخية؛ وحضور محفل تكريم رجل ليس كالرّجال، والتّذكير بأعمال مجاهد هو بِدعٌ من المجاهدين والأبطال، وتأبين أبي المشاريع الاجتماعية في التّلّ الجزائري. المرحوم الشّيخ الحاج يحيى بن محمد ألجون.
بقدر ما فرحت بهذه الدّعوة الغالية، تأسّفت لعدم تلبيتها متحسّرًا؛ بسبب ظروفي الصّحيّة، التي حرمتني من مكرمة شهود نتائج الإحسان، وعاقبة العمل في كلّ ميدان. نسأل الله أن يعوّضنا عن هذا الحرمان من الحضور في المكان، جزاء من الحسنات بقدر المشاعر التي في الوجدان.
أيّها الحاضرون المحتفون بأعمال الرّجل العظيم، أنا لا أقدّم إليكم مجالات عمله الجليل، ولا أعرض عليكم مسيرة جهاده الكبير، فلست مؤهّلا لذلك. كنت سأستفيد وأعرف بعضًا من ذلك لو كنت معكم حاضرًا، فأفوز فوزًا عظيمًا. إنّ من حضر من المشايخ ومُلازِمي الشّيخ يحيى في حلّه وترحاله، ومن شاركه نشاطه وتحرّكاته، ومن رصد حياته ودرسها دراسة متأنية، واقفًا على مواطن العبر ومكامن الدّروس، ومظاهر العظمة فيها... سيتلو عليكم صفحات من هذه التّضحيات، ويتحفكم بنفحات من هذه المكرمات.
إنّ أستاذنا في العمل الدّؤوب المستمرّ، وفي الجهاد المتواصل في مختلف الجبهات، ومعلّمنا مكارم الأخلاق، وقدوتنا في قوّة الشّخصية، وسياسة الأمور، والكياسة في مواجهة الطّوارئ والمفاجآت، والمهارة في توجيه الحياة نحو الأحسن والأفضل والأجدى... بعون من الله وتوفيقه - إنّ شيخنا في كلّ هذه الجوانب وغيرها لحقيق علينا أن نستمع إلى ما يقال عنه، وأن نتأمّل في حياته ومسيرته العظيمة لنُفيد منها ما ينفعنا لدنيانا وأخرانا، إنّ لنا فيه القدوةَ الحسنة، َ والمثلَ الأعلى.
أيّها الشّباب النّاهض بخاصّة، أريد منكم أن تنصتوا جيّدًا إلى ما يتلى عليكم من سيرة الرّجل العامل بما قدّر الله له من جهد، وبما منحه الله من علم. إنّ شيخنا لم يؤتَ علمًا كبيرًا، لكنّه مُنِحَ العمل الكبير بما عَلِم. عَلَمُنا دخل معترك الحياة الاجتماعية شابًّا يافعًا، فأبلى البلاء الحسن، ودأب الدّأبَ المتواصل؛ رغم نقصٍ في التّجربة، وسرعان ما تكوّنت لديه، وأنتجت النتاج الطّيّب؛ بفضل إخلاصه وصدقه ووفائه للواجب، ووعيه لرسالته الدّينية والاجتماعية، وقد بقي لها وفيًّا إلى آخر أيّام حياته.
معلّمنا ترك مسقط رأسه القرارة مسافرًا من أجل طلب الرّزق الحلال، وهو شابّ في كامل فتوّته، وأقبل على الدّنيا، يأخذ منها نصيبه، فعرف كيف يستفيد منها في حدود ما أمر الشّرع، ويطلبه منطق تلبية مطالب النّفس، التي تبني الشّخصية، ولا تصيب الكيان والأركان.
التحق بحلقة العزّابة وهو في ريعان الشّباب، أهّلته إلى هذا المنصب أخلاقه وسمته وسيرته ونشاطه، وثقة المجتمع في شخصه وفي حسن دأبه لخدمته، والقيام بشؤونه وتصريف أموره.
نجح في تجارته ماديًّا ومعنويًا، منذ انطلق فيها شابًا إلى أن بلغ من العمر طويلاً. وطوّر من مفهوم التّجارة والاستثمار، ما أعطى الدّروس للآخرين، وقدّم النّموذج في التّوسّع في العمل التّجاري، بما يناسب كلّ مرحلة وظرف ومستوى...
انطلق في خدمة المجتمع مبكّرًا عن طريق توفير مشروعات لتنميته، وبواسطة جمع الأموال لبنائه، فكان في كلّ هذا القدوة والنّموذج في منهجية القيام بهذا الجانب، بعد أن اكتسب تجربة غنيّة، استفاد منها كثير ممّن دخل هذا المضمار.
ناضل في ميدان فضّ النّزاعات، وحلّ المشاكل القائمة بين النّاس، من مختلف المستويات والأعمار والفئات، وكان الله يوفّقه إلى الدّخول فيها، ومعرفة حقيقة النّزاع، وتقليب وجهة النّظر للوصول إلى الحلول المناسبة، المفضية إلى إصلاح ذات البين، والتّأليف بين القلوب... كان يفعل هذا منذ دخل معترك الحياة الاجتماعية، وهو صغير.
ما ذكرناه غيض من فيض. على العموم إنّ الشّيخ يحيى أخذ من شبابه وقتًا كبيرًا، اغتنمه واستثمره في خدمة المجتمع، وفي أداء الأمانة، والقيام بالمسؤولية. بسلوكه هذا، يقدّم لنا صورة عن سيرة السّلف ومنهجهم في العمل الجادّ الهادف المثمر. ويعطي الدّليل على أنّ فترة الشّباب هي مرحلة العطاء، ومحطّة مهمّة في البناء والتّنمية، ويسدي النّصيحة للشّباب، وينبّههم أنّ قوّتهم وفُتوَّتهم يجب صرفُهما في خدمة الصّالح العام، والسّير بهما في طريق الخير والإحسان والتّضحية.
فلينظر كلّ شاب في هذه المسيرة، وفي هذا النّهج، وليعرض أعمال معلّمنا وهو شاب على نفسه، ويقارن كلّ مرحلة عَمِلَ فيها شيخُنا بالمرحلة التي هو فيها، وليتأمّل فيما قدّم فيها هو من أعمال، ليقوّم مسيرته، وينقد سيرته. بهذا تكون الاستفادة من أمثال هذه اللّقاءات والنّدوات والذّكريات والاحتفالات. هذا ما أريد أن أشير إليه في هذه الوقفة العجلى، وفي هذه اللّفتة العابرة. وفّقنا الله إلى الاقتداء بهذه السّيرة العطرة، وهدانا إلى سبل السّلام وإلى فعل الخيرات وترك المنكرات. ربّنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاّ للذين آمنوا ربّنا إنّك رؤوف رحيم.
الحميز يوم الأربعاء: 12 من جمادى الثّانية 1431هـ
26 من ماي 2010م
محمد بن قاسم ناصر بوحجام
الفئة