آثار النهضة العلمية التونسية في فكر الحركة الإصلاحية بوادي ميزاب خلال القرن العشرين
الأستاذ: قاسم بن أحمد الشيخ بالحاج
 جامعة الجزائر 
لا شك أن لكل حركة إنسانية في التاريخ من مرتكزات ومرجعيات تستند إليها وتبني عليها آمالها في الإصلاح والتغيير، وتستلهم منها قيمها وروحها، ثم تنطلق على ضوئها في تشكيل تجربتها وخبرتها، وبناء صرحها وفق المعطيات الميدانية الواقعية التي تصادفها في مسيرتها. 
نحاول في هذه الدراسة أن نسلط الضوء على ما عرف في الجزائر بالحركة الإصلاحية؛ وبالذات في منطقة وادي ميزاب؛ لنبحث في أصول هذه الحركة ونكشف على مرجعياتها الخارجية ومستنداتها التي مكنتها أن تبني نهضتها الإصلاحية. فنكشف عن الأوساط التي استفادت من أفكارها وتأثرت بتجاربها. وذلك بعودتها إلى المسار التكويني لقادتها وأقطابها، ومن خلال تحليل الخطاب الدعوي والخط الفكري الذي حملته وسعت لتجسيده على أرض الواقع. 
 

لا شك أن هنالك أكثر من جهة تشربت منها الحركة الإصلاحية في وادي ميزاب الفكر والمنهج؛ إلا أننا سنحصر الكلام في هذه الدراسة فيما نراه أهم منبع أو مصدر لاستلهام الفكر الإصلاحي، والذي يتمثل في النهضة العلمية التونسية. 
نريد أن نشير قبل ذلك إلى أن الإصلاح في وادي ميزاب مر بمراحل إعدادية مهدت له السبل، ويسرت له الطرق، وهيأت له النفوس، وخصبت له العقول، فقامت بأدوار هامة في محاولة تغيير الأوضاع العامة على مختلف الأصعدة. 
وقد احتلت حلقة العزابة وعلماؤها في هذه العملية الإصلاحية دور الريادة الدينية والاجتماعية فسجلت حضورها القوي وتأثيرها الإيجابي على المجتمع محافظة على كيانه ودفعا للمفاسد عنه. 
لذا يحق أن نعتبر أن المرجعية الأساسية للإصلاح الذي شهده وادي ميزاب تتمثل في العوامل الداخلية التي بني عليها المجتمع، والتي يمكن أن نجملها في العنصرين الآتيين:
*-الإيمان الراسخ بالفكرة الإصلاحية والاقتناع العميق بها، والسعي لاحتضان المجتمع لها، والشعور بمسؤولية تحملها ومواصلة طريقها، وإعلاء صرح بنيانها. بعد جهود العلماء السابقين في هذا الميدان. 
*-امتلاك المجتمع لنظام حلقة العزابة الذي شكَّل الشرايين الناقلة للدم في جسد الإنسان، وشكل نظام المناعة فيه؛ الحافظ لكيانه من الأمراض والمدافع عن الأجسام الغريبة التي تتطفل عليه. 
بناء على ذلك فإن الحركة الإصلاحية ضمنت شطر نجاحها وتمكنها في المجتمع بفضل هذين السندين المتينين اللذين ساهما معا في تهيئة تربة خصبة لنضج بذور أفكار الإصلاح وضرب جذورها في الأعماق، إذ أضحى المجتمع يحمل قابلية احتضان حركة الإصلاح وقابلية تبني مشاريعها والدفاع عن أفكارها التجديدية قبل أن تظهر هذه الحركة إلى الوجود إطلاقا. 
والفضل في ذلك يعود إلى أولئك العلماء والعزابة والأعيان السابقين بما بذلوه من جهود مضنية جبارة في مختلف مناحي الحياة للحفاظ على كيان المجتمع. فسهل العمل للمصلحين ومكنهم من تمرير أفكارهم وبث مشاريعهم عن طريق تلك القنوات المهيكلة للمجتمع والموصلة للخطاب فيه. 
يقول الأستاذ محمد علي دبوز: «إن الفضل الأكبر لشباب نهضتنا يرجع إلى أولائك العلماء المصلحين، فهم الذين ثقفوا الأمة، وأصلحوا نفوسها، فبثقافة العقول تحسن الإدراك، وبإصلاح النفوس تحسن العمل»(1). 
إذن فالحركة الإصلاحية في وادي ميزاب مدينة بقوة لجهود العلماء والعزابة السابقين الممهدين للإصلاح، ويكفيهم فخرا أن كل قادتها هم خريجو مدارس هؤلاء العلماء والمشايخ ومعاهدهم، وأنهم من صنع أيديهم وبنات أفكارهم. فهي بذلك ذات جذور أصيلة وعميقة تحمل ثلاثة أبعاد متكاملة ومتداخلة فهي إسلامية في دينها وعقيدتها، وإباضية في فقهها ومصادرها، وميزابية في أعرافها وعمرانها واقتصادها، كما امتزجت فيها المرجعية العلمية المتمثلة في جهود العلماء بالمرجعية الاجتماعية المتمثلة في جهود العزابة والأعيان؛ مكونة هذا المنتوج الجديد الذي عرف بالحركة الإصلاحية. 
***
بعد هذا ينبغي الإشارة إلى أن هذه المرجعية القاعدية الصلبة يلاحظ عليها نوع من الانغلاق الداخلي ويسجل عليها نوع من التقوقع المحلي؛ فأضحت بذلك في حاجة أكيدة وماسة لتبحث لها عن مرجعيات جديدة تتولى تلقيحها وإنعاشها وتفعيل الحركة والتغيير فيها. فوجدت لها ذلك في الأوساط الإسلامية المجاورة المتمثلة في البيئة العلمية التونسية. 
فكيف كان ذلك؟
إن المتتبع للحركة الإصلاحية في مرحلة نشأتها ثم في مراحل قوتها وتمكنها يلاحظ بوضوح ذلك الخط الموصول والحبل المتين الذي كان يربطها بالنهضة العلمية والحركة السياسية التي كانت تشهدها تونس خلال العقود الأولى من القرن العشرين. مما يقتضي التوقف مليا مع هذه العلاقة ومحاولة تأملها وتفكيك رموزها وفهم دوافعها واستخلاص أبعادها وتحديد معالمها. 
إن أوضاع وادي ميزاب التعليمية جعلت الكثير من أبنائه لا يكتفون ولا يقتنعون بما يتزودون به من علوم، بل يتوقون إلى الاستزادة في التحصيل بالتفكير في السفر إلى البلدان المجاورة ذات الحظائر العلمية الزاهية لأجل الاستفادة من علومها، والاغتراف من معينها، والجلوس إلى حلق علمائها. وتمثل ذلك خاصة في جامع الزيتونة بتونس والمدارسة المحيطة بها. 
لقد كان تفكير شباب وادي ميزاب في ذلك بعد حصولهم على القسط الضروري الأول من قواعد العلوم ومفاتيحه على أيدي مشايخهم، وبعد تشربهم بخصائص الحياة الدينية والاجتماعية لوادي ميزاب وتشبعهم بالقيم الاجتماعية والعرفية له، مما يمكنهم من الحفاظ على شخصيتهم المسلمة الإباضية الميزابية، ومما يحميهم من الذوبان في المجتمعات الأخرى أو الانغماس في شوائبها. 
في حقيقة الأمر إن الحظائر العلمية الزاخرة في البلاد العربية خاصة منها تونس ومصر قد ألقت بظلالها على الجزائر عامة وعلى شعبه وعلى طموحات الأجيال الناشئة فيه؛ نظرا للأوضاع الاجتماعية والتعليمية المتردية التي كانت عليها الجزائر خلال هذه الفترة، فأصبح حلم الشباب المنشود هو الانفلات من هذه الأوضاع والالتحاق بإحدى هذه الحظائر لمزاولة الدراسة بها أو إكمال المشوار العلمي الذي ابتدؤوه في أوطانهم. إذ كانت تصلهم تباعا أصداء نشاطها العلمي، وتمكُّن علمائها، وتطور مناهج التربية والتعليم فيها، عن طريق حركة التجارة ونقل البضائع بين الجزائر وتونس التي امتهنها عدد لا بأس به من الجزائريين، وعن طريق رحلات الحج والعمرة التي كانت تمر بالبلاد التونسية وتشهد كل ذلك الجو المفعم بالحركة العلمية والاقتصادية(2). 
لذا فقد كانت الكثير من الأسر الجزائرية الميسورة الحال تبادر إلى إرسال أبنائها إلى هذه المدارس والمعاهد للتكوين فيها والنبوغ في علومها، والتخرج بشهاداتها وإجازاتها العلمية المعتبرة. 
يقول الدكتور محمد صالح الجابري: « ولعل قرب مدينة تونس من الحواضر الجزائرية الشرقية... هو الذي اختصر كلفة الرحلة إليها، فتعدد المقبلون على جامع الزيتونة وعلى المدارس الأخرى التي تكاثر عددها خلال هذه الفترة. وقد نبغ في رحاب هذا الجامع الأعظم مئات العلماء الجزائريين، وأسهموا في حركته العلمية إسهاما مرموقا، فكانوا من تلاميذه النبغاء، ثم أصبحوا من علمائه ومدرسيه وفقهائه وخطباء منابره» (3). 
لم يشذ شباب وادي ميزاب عن هذه القاعدة، بل كانوا يفكرون جديا في شد الرحال إلى هذه الأوساط رغم صعوبة التنقل آنذاك وظروف المعيشة القاسية التي كانت تحول بينهم وبين مواصلة مشوارهم العلمي، مما يجعل الكثير منهم ينقطع في بداية الطريق أو في وسطه في أحسن الأحوال، لينتقل إلى الحياة العملية: تجارة أو فلاحة أو مهنا تحت ضغط الفاقة والمسؤوليات الأسرية والعائلية. 
انطلقت هذه الحركة بادئ الأمر فردية أتيحت لبعض الطلبة دون البقية لظروف اجتماعية مساعدة، أو لطموح قوي تحدى وتعدى كل الصعاب للوصول إلى الهدف المنشود، ثم تحولت مع مرور الزمن إلى حركة مؤطرة ومنظمة، ثم إلى انشغالٍ حَمَلَتْهُ الحركةُ الإصلاحية واعتبرته أحد الجبهات التي ينبغي التصدي لها والعناية بها معنويا وماديا. 
حيث تحملت على عاتقها مسؤولية هذه البعثات العلمية؛ بالنفقة عليها وتعيين مديريها والإشراف على إدارتها وضبط النظام فيها، وبإرسال الدفعات المتتالية من الطلبة في كل سنة لمواصلة التكوين والدراسة في مدارس تونس ومعاهدها(4). 
ذلك إيمانا منها بأهمية هذا الرافد الحضاري وحاجتها إليه في تطعيم وادي ميزاب بكوادر وإطارات تحمل روحا ونَفَسًا جديدا تدفع حركة الإصلاح إلى الأمام في مسيرة نهضتها وتجديدها لدواليب المجتمع في كافة مناحي الحياة. 
يقول الشيخ البكري عن دوافع فكرة البعثات الطلابية لدى الحركة الإصلاحية: «... فشعرت إذ ذاك بشدة حاجتها إلى عدة الكفاح، وهو التزود بالعلم الصحيح في صبغته الحديثة، والتمرس بالعناصر الحية خارج حدود الوطن، لتأليف جيش مثقف يحمل راية الكفاح عن جدارة واستحقاق، ويجابه الحياة عن دراية وخبرة، ويتغلب على مشاكلها بسلاح العلم وقوة العقيدة. فأرسلت البعثات إلى تونس»(5). 
ويضيف الشيخ أبو اليقظان في الصدد نفسه: « ونحن إنما أسسنا البعثة تحت تأثير ودوافع الحاجة الملحة إلى ذلك لما توجسنا من تطورات الحياة وشيكا بما تدفع إلى ميادينها الزاخرة أبناء المدارس والكليات والجامعات، وخشينا نحن من الذوبان وتلاشي كياننا بصفتنا أمة لها كيانها وطابعها الخاص في الميدان الاقتصادي والاجتماعي بالقطر الجزائري شمالا وجنوبا، نحن نعد أنفسنا قد تأخرنا بيقظتنا عن الوقت اللازم»(6). 
لقد كان أول المستفيدين من هذا الينبوع العذب المستلذ لدى الحركة الإصلاحية هم قادتها وأقطابها، ويبدو أن إعجابهم بهذه الأوساط العلمية والسياسية وتأثرهم بها كان كبيرا، مما انعكس بقوة على شخصيتهم وعلى أفكارهم وعلى توجيههم للحركة الإصلاحية عموما. 
فلقد هاجر كل من الشيخ أبي اليقظان والشيخ أبي إسحاق إبراهيم اطفيش والشيخ محمد الثميني والشيخ عبد الرحمن بكلي وغيرهم إلى هذه الربوع، ومكثوا فيها مدة طويلة دامت عدة سنوات خالطوا فيها هذه الحياة بكل أبعادها، والتحقوا بمعاهدها خاصة جامع الزيتونة وانكبوا على التحصيل فيها، وواصلوا مشوارهم العلمي، فجلسوا إلى علمائها ومشايخها وحضروا مجالسهم وحلق علمهم، واستفادوا من المناهج العلمية والتربوية، وما توصلت إليه تونس من إبداعات جديدة في هذا المجال. 
لقد ابتدأت هذه البعثات في وقت مبكر جدا عند الميزابيين، ولعل أول بعثة جزائرية إلى تونس كانت بعثة ميزابية في سنة 1913م، على إثر غلق السلطات الاستعمارية للمدرسة الصديقية القرآنية العربية بمدينة تبسة(7) التي كان يديرها الشيخ عباس بن حمانة(8)، فكان من الأولياء الميزابيين الذين لهم أبناء يدرسون فيها أن يفكروا في نقلهم إلى تونس لأجل متابعة دراستهم العربية الإسلامية في مدارسها كرد فعل على قرار السلطات الاستعمارية التي حرمتهم من هذا الحق. وفعلا تمكنوا من ذلك فسجلوا أبناءهم في المدرسة القرآنية التي كان يديرها الشيخ محمد اصفر، ثم انتقلوا إلى مدرسة السلام التي كان يديرها المربي الشيخ الشاذلي المرالي(9). 
وقد تزامن ذلك مع وجود الشيخ أبي اليقظان في تونس يتابع دراسته في جامع الزيتونة، فكلفه هؤلاء الأولياء برعاية أبنائهم ومراقبة أخلاقهم ومتابعة دراستهم بضمهم في دار واحدة يتولى الإشراف عليها، وبذلك تشكلت أول بعثة ميزابية في تونس(10). 
ثم توسعت هذه البعثات بعد الحرب العالمية الأولى لتضم أعدادا كبيرة من التلاميذ الوافدين من وادي ميزاب وتلحقهم بالمدارس والمعاهد التونسية، وتطور نظام تسييرها وإدارتها، وشهدت نشاطا علميا وثقافيا متميزا استطاعت أن تشرف على تكوين أجيال من الرواد في الحركة الإصلاحية، عادوا إلى وادي ميزاب بعد أن أنهوا تكوينهم، فكانوا رافدا قويا لها في مجال التربية والتعليم والدعوة وإصلاح المجتمع. ولعل جل إطارات حركة الإصلاح في جيلها الثاني هم من خريجي معاهد تونس ومدارسها، وبذلك قاموا بعملية التطعيم على أكمل وجه. 
يقول الشيخ البكري موضحا هذا الدور الحضاري للبعثات: «واصلت البعثات سيرها فتخرج منها أساتذة نبهاء سدوا ثغور المساجد والمدارس، وكتاب نحارير أنشأوا صحافة هنا وفي مصر؛ تردد صدى ما يعتلج في صدور دعاة الإصلاح، ويرمون إليه ويرومونه من تطور تساير به أمتنا في حدود دينها وذاتيتها قافلة الحياة، وتحافظ به على كيانها رغم الأنواء والأعاصير»(11). 
ويقول الشيخ أبو اليقظان في الصدد نفسه: «أخذ يظهر بعد ذلك في التلاميذ نبوغ وذكاء وتربية وتهذيب وآداب ونضوج فكرة وتثقف عقل واتساع مدارك وتفنن في العلوم فبدأت تتكون في ذلك طبقة مستنيرة أخذت تظهر بها لشعبنا النبيل حياة جديدة وحركة فكرية وروح عملية لم يكن ليحلم بها من قبل» (12). 
بلا شك أن معايشة أقطاب الإصلاح للنهضة العلمية في تونس ومعاينتهم لها كان له الأثر العميق في نفوسهم وفي شحذ هممهم وتحريك عزائمهم لنقل كل ذلك إلى وادي ميزاب وإفادة النهضة الإصلاحية به. فظهر ذلك التأثر والتطعيم على أشكال كثيرة وفي ميادين عديدة، لعل أوضح وجوهه تمثلت فيما يلي:
*-فتح مدارس التعليم العربي العصري على نمط المدارس التونسية. 
*-إنشاء النوادي الأدبية على شاكلة ما عايشوه في تونس. 
*-متابعة الصحافة التونسية مطالعةً ومدارسةً، لنقل تلك الأجواء والاهتمامات إلى وادي ميزاب. 
*-نقل أنماط الدراسة والإدارة في الزيتونة وجَوِّهَا العلمي إلى معهد الحياة. 
*-نقل خبرة إدارة البعثات ونظامها إلى بعثة معهد الحياة. 
إلا أن التأثير الأكبر والاستفادة العظيمة من النهضة العلمية التونسية يبقى متمثلا في تلك الأجيال المتعاقبة من الطلبة؛ التي أصبحت تعود إلى وادي ميزاب في كل سنة وتلتحق بمناصبها في التعليم والتربية والدعوة والإرشاد. فملأت الحياة الاجتماعية نشاطا وحيوية وتجديدا وأصبحت جزءا من قيادة الحركة الإصلاحية وطرفا في صناعة قراراتها وإنجاز مشاريعها. 
بذلك نصل إلى القول: إن حركة النهضة الإصلاحية في وادي ميزاب قد نالت تكوينا وتطعيما نوعيا هاما جدا بواسطة النهضة العلمية التونسية فصبغتها بصبغة جديدة ميزتها عما كان سائدا في وادي ميزاب آنذاك من أفكار ورؤى، وأعطتها طابعها المتميز. 
***
على صعيد آخر تمثل النوع الثاني من تأثر الحركة الإصلاحية بالأجواء التونسية فيما كانت تعيشه من حراك سياسي قوي، استفاد منه أقطابها وطعموا به إصلاحهم لوادي ميزاب، والذي لم يعهد لديهم من قبل كذلك، ويمكن أن يعد سابقة جديدة في فكر إباضية الجزائر وطرق نضالهم وجهادهم. 
إن تواجدهم في تونس في مرحلة شبابهم مكنهم من هذا التكوين، ووفر لهم فرصة سانحة لم تتح للكثير من أقرانهم، فاحتكوا بالطبقة السياسية الوطنية التونسية وتأثروا بها، وبالذات الحزب الدستوري التونسي بقيادة الشيخ عبد العزيز الثعالبي، الذي أسس حزبه في مطلع العشرينيات، وانضم إليه الكثير من الجزائريين المقيمين في تونس طلبة ومثقفين وتجارًا(13). 
عاشروا هذا الزعيم الوطني صاحب التوجه العربي الإسلامي ورفاقه، ولازموا مجالسهم وتعلموا على أيديهم معنى النضال الحزبي، وفقهوا قواعد اللعبة السياسية في التعامل مع المستعمر. وشاركوهم في نشاطاتهم وناصروهم بالرأي والمعونة المادية والمعنوية(14)، فنالوا منهم تجربة وتكوينا وخبرة، وتخرجوا من مدرستهم السياسية الوطنية. 
تعلموا طرق التعامل مع المستعمر، وطرق محاورته ومراوغته، ولعبة شد الحبل معه، لأجل المطالبة بالحقوق المدنية والسياسية عن طريق الأحزاب والجمعيات والصحف. ولأجل الدفاع على مقومات الأمة وثوابتها، ومن أجل دفع الحركة الوطنية إلى الأمام. 
يقول الشيخ أبو اليقظان عن هذا التكوين الذي حظي به وعن أثر الشيخ الثعالبي وحزبه في شخصيته: «لقد وسع الشيخ الثعالبي فكري، وغير نظرتي في الحياة، وصيرني نارا على الاستعمار والجمود»(15). ويقول أيضا: «لما انغمست في الوسط التونسي في سنة 1914م... وقد انطلقت الصحافة التونسية إذ ذاك من عقالها فكانت تبرز بألوانها الزاهية وفصولها الممتعة. وزاد اللهب شعوري حركة الدستور بها وبلوغها عنفوانها وأعلى ذروتها منذ 1917م إلى 1920م»(16). 
ويقول الدكتور محمد ناصر عن تأثر الشيخ أبي اليقظان بالجو السياسي التونسي: «فقد حركت تونس في نفسه أحاسيسه الوطنية، وألهبت نزعته تلك ما كان يراه على أعمدة صحافتها من نضال قومي، وشعور وطني... وينغمس فيما بين سنة 1917 1920 في حركة الثعالبي السياسية»(17). 
إن هذا التكوين على يد الزعيم الوطني لتونس ورفقائه في هذه الفترة سمح لأقطاب الحركة الإصلاحية الذين كانوا رؤساء للبعثات الطلابية من نقل هذا الحس الوطني السياسي إلى طلبتهم، فربوهم على حب الوطن والاستعداد للتضحية في سبيله، والدفاع عن أرضه وحماه، والنضال من أجل دينهم وقيمهم. كما أنشؤوهم على كره الاستعمار، وعلى مناهضته بشتى الوسائل المتاحة، وعلى الاستعداد لمجابهته العلنية بالقوة والسلاح مستقبلا(18). 
بعد انتقال هؤلاء الأقطاب وطلبتهم إلى أوطانهم، أذكوا وادي ميزاب بهذا الحس والشعور الوطني الذي بدأ ينتشر بين الناس بجهود المصلحين السابقين، وبوصول أصداء الحركة الوطنية الجزائرية إلى الجنوب. فدفعوا بهذا التوجه إلى الأمام وأولوا له العناية والاهتمام، ونقلوه إلى شرائح المجتمع بعد ما كان منحصرا عند طائفة من الناس فقط. 
بذلك أصبح يشكل ميزة نوعية أخرى في حركة التغيير والإصلاح، وجبهة من الجبهات التي تصدت لها الحركة الإصلاحية المتمثلة في إنماء روح الوطنية في الشعب، والعمل على مناهضة الاستعمار باستعمال لعبة السياسة بمعناها الواسع والعام. 
من جهة أخرى ساهم هذا التكوين في رفع سقف الاهتمامات والانشغالات في وادي ميزاب عند نخبتها وقادتها؛ من القضايا المحلية إلى القضايا الجزائرية الوطنية، ومن المسائل المذهبية إلى المسائل الإسلامية. فتوسع التفكير والعمل من المستوى المحلي الميزابي إلى المستوى الوطني والمغاربي والإسلامي. 
فأصبح قادة الإصلاح يطرحون القضايا الجزائرية والقضايا الإسلامية في نقاشاتهم ويتحدثون عنها في منابر مساجدهم، ويشتغلون بها في مجالسهم ومنتدياتهم، ويعتبرونها جزءا من جهادهم ودعوتهم؛ مثل قضية فلسطين، وقضية وحدة المسلمين، وقضية تحرير البلاد العربية والإسلامية، والدفاع عن مقومات الشعب الجزائري، والمشاركة في نهضته وتحريره من المستعمر، وربط العلاقات مع المحافل الوطنية والمغاربية والإسلامية(19). 
هكذا يحق أن نقول: إن أفضال تونس على الجزائر عموما وعلى وادي ميزاب خصوصا أفضال عظيمة، حيث مثلت الينبوع المتدفق الذي شرب منه أقطاب الحركة الإصلاحية وكوادرها الفكر الإصلاحي في جانبه العلمي والثقافي والسياسي، ثم عادوا إلى أوطانهم فجسدوا ما فقهوه في مجتمعاتهم بعد أن مزجوه وطوعوه مع أصولهم وخصائصهم وأعرافهم. 
--------------------
الهوامش
(1) محمد علي دبوز: نهضة الجزائر الحديثة، ج2، دار البعث، قسنطينة، ص2. 
(2) محمد صالح الجابري: النشاط العلمي والفكري للمهاجرين الجزائريين بتونس، الدار العربية للكتاب، 1983، ص17 – 56. محمد علي دبوز: أعلام الإصلاح، ج3، ص146- 150. 
(3) الجابري: النشاط العلمي، ص25
(4) الجابري: النشاط العلمي، ص98. دبوز: أعلام الإصلاح، ج3، قاسم الشيخ بالحاج: أقلام الميزابيين في الصحافة الوطنية التونسية، مجلة الحياة، عد9، 2005، ص236 – 253. 
(5) عبد الرحمن بكلي: مسيرة الإصلاح في جيل، نشر مكتبة البكري، المطبعة العربية، غرداية، 2004، ص90. 
(6) إبراهيم أبو اليقظان: تاريخ صحف أبي اليقظان، دار هومة، 2003، ص14. 
(7) انظر تفاصيل عن جمعية الصديقية ومدرستها في: دبوز: أعلام الإصلاح، ج3، ص143 – 150. 
(8) أحد المصلحين الأوائل في مدينة تبسة بالشرق الجزائري. 
(9) دبوز: أعلام الإصلاح، ج3، ص151 -183. 
(10) أحمد فرصوص: أبو اليقظان كما عرفته، دار البعث، قسنطينة، الجزائر، 1991، ص32. 
(11) بكلي: مسيرة الإصلاح، ص 100. 
(12) إبراهيم أبو اليقظان: إرشاد الحائرين، دت، ص7. 
(13) الجابري: النشاط العلمي والفكري، ص187. أحمد توفيق المدني: حياة كفاح، لشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1976، ج1، ص157. 
(14) دعم الميزابيون الحزب الدستوري التونسي وزعيمه الشيخ الثعالبي معنويا بالدعاية له ولأفكاره في تونس وفي الجزائر، وماديا بجمع التبرعات من تجارهم في تونس وفي الجزائر وصبها في صندوق الحزب. انظر في ذلك: أحمد توفيق المدني: حياة كفاح، ج1، ص157 158. الجابري: النشاط العلمي والفكري. دبوز: أعلام الإصلاح، ج3، ص225 283. قاسم الشيخ بالحاج: أقلام الميزابيين في الصحافة الوطنية التونسية، مجلة الحياة، عد9، 2005، ص236 253. 
(15) دبوز: أعلام الإصلاح، ج3، ص238. 
(16) أبو اليقظان: تاريخ صحف أبي اليقظان، ص12. 
(17) محمد ناصر: أبو اليقظان وجهاد الكلمة، ص15. 
(18) دبوز: أعلام الإصلاح، ج3، ص233 283. أبو إسحاق: الدعاية إلى سبيل المؤمنين، دت، ص17 18. أبو اليقظان: إرشاد الحائرين، ص6 7. 
(19) انظر في ذلك: الشيخ بيوض: أعمالي في الثورة. دبوز: نهضة الجزائر. محمد ناصر: الشيخ أبو إسحاق اطفيش في جهاده الإسلامي. محمد ناصر: الشيخ أبو اليقظان وجهاد الكلمة. 
نشر المقال في دورية الحياة، العدد: 11، 1428هـ/2007م، ص209-220. 

اسم الكاتب